إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اتجاهات فصل «الدعوي» عن «السياسي».. تنظير لفكر قادم أم «إعادة تسويق»؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اتجاهات فصل «الدعوي» عن «السياسي».. تنظير لفكر قادم أم «إعادة تسويق»؟

    الحركات الدينية الناشطة سياسيا وتكتيكات التكيف مع التحولات

    اتجاهات فصل «الدعوي» عن «السياسي».. تنظير لفكر قادم أم «إعادة تسويق»؟



    تزايدت اتجاهات فصل البعد الديني الدعوي عن العامل السياسي في بعض الدول العربية، في ظل التحولات التنظيمية والفكرية التي شهدتها التيارات الدينية في الآونة الأخيرة، وتصاعد المراجعات الذاتية، والمبادرات الإصلاحية، والانشقاقات التنظيمية، بالتوازي مع التحولات في الأطر القانونية المنظمة لتوجهات وبرامج الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. إذ إن الدوافع الأساسية، وفقا لتقرير أعده المركز القومي للدراسات، لهذه التحولات تتمثل في مواجهة الانتقادات الشعبية، لا سيما بعد تعثر تجربة تيارات الإسلام السياسي الصاعدة للسلطة بعد الحراك الثوري في عام 2011، وتعزيز رأس المال الاجتماعي للتيارات الدينية، والعودة للهيمنة على العمل الخيري والتطوعي، وتحسين صورة التيارات الدينية لدى الدوائر الغربية، والتكيف مع التحولات القانونية والسياسية في عدد من الدول العربية.

    أنماط التحولات

    تعددت أنماط اتجاهات فصل «الدعوي» عن «السياسي» في بعض الدول العربية، في ظل التباين بين توجهات التيارات والحركات الدينية الناشطة سياسيا وتكتيكات التكيف مع التحولات السياسية التي تبنتها للحفاظ على بقائها السياسي. وفي هذا الإطار، تمثلت أهم هذه الأنماط فيما يلي:

    1 - المراجعات الذاتية: تبنت بعض التيارات الدينية مراجعات ذاتية تركز على فصل «الدعوي» عن «السياسي» بهدف التكيف مع التحولات السياسية والمجتمعية؛ حيث أقرت حركة النهضة الإسلامية في تونس في 22 مايو 2016 خلال مؤتمرها العاشر الفصل بين أنشطتها الدينية والسياسية، والتحول إلى حزب مدني، وفي هذا الإطار أكد راشد الغنوشي مؤسس ورئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية، أن الحركة سوف "تخرج من الإسلام السياسي لتدخل في الديمقراطية المسلمة"، مضيفا أن النهضة ستكون "حزبا سياسيا ديمقراطيا مدنيا، له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية"، وهو ما يعكس مدى التغير في توجهات الحركة.

    وعقب إعلان حركة النهضة عن قرارات فصل الديني عن «السياسي»، عبرت بعض قيادات «الإخوان المسلمين» في مصر عن وجود اتجاهات لتبني مراجعات فكرية داخل الحركة؛ حيث أعلن القيادي الإخواني جمال حشمت عدم وجود ما يمنع مناقشة فصل الدعوة عن السياسة في 23 مايو 2016، وهو ما أكده طلعت فهمي المتحدث باسم جناح محمود عزت في الجماعة المحظورة، كما أكده بيان نشرته الجماعة أشارت فيه إلى عدم الممانعة من حيث المبدأ في فصل النشاط السياسي عن الدعوي، لكنها اشترطت أن تتم هذه الخطوة من جانب المتخصصين داخل الجماعة.

    2 - الانفصال الوطني: اتجهت بعض الجماعات والتيارات الدينية إلى إعلان انفصالها عن الامتدادات الدولية حرصا على التأكيد على انتمائها الوطني، وعدم ارتباطها بتنظيمات عابرة للحدود، حيث أقر مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في منتصف فبراير 2016 إلغاء تبعية الجماعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، أو التبعية للجماعة الأم في القاهرة بأغلبية ثلثي الأعضاء. وفي هذا الإطار أشار معاذ الخوالدة، المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان في الأردن، إلى أن علاقتهم بباقي فروع الإخوان في الخارج كانت علاقة "تنسيقية" فقط وليست "تنظيمية"، وأن قراراتهم لا تتبع التنظيم الدولي للجماعة.

    وفي السياق ذاته، تكررت تصريحات قيادات حركة حماس حول الانفصال التنظيمي عن جماعة الإخوان المسلمين، حيث أكد خليل الحية عضو المكتب السياسي لحركة حماس في 8 مارس 2016 الانفصال تنظيميا وإداريا عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وعدم وجود أي ارتباط بالحركة، وذلك قبل زيارة وفد من المكتب السياسي للحركة إلى القاهرة في 12 مارس 2016 لمقابلة المسؤولين الأمنيين في مصر لبحث تأمين الحدود بين قطاع غزة ومصر، كما تكررت تصريحات مماثلة لقيادات الحركة مثل أحمد يوسف، ومحمود الزهار، وتضمنت هذه التصريحات إقرارا بتطلع الحركة لبناء علاقات "جيدة ومستقرة" مع مصر.

    3 - الانشقاقات التنظيمية: شهدت بعض التيارات الدينية انشقاقات متعددة في الآونة الأخيرة، تصدرتها الانشقاقات داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر بين التنظيم الدولي والجماعة حول قيادة الجماعة والانتخابات الداخلية، كما شهدت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن انشقاق 400 من قيادات وكوادر التنظيم في مطلع يناير 2016، بالتوازي مع الإعلان عن تأسيس حزب جديد عقب تمكن أحد الأجنحة المنشقة عن الجماعة من تأسيس جمعية مسجلة رسميا في مارس 2015 باسم "جمعية الإخوان المسلمين" بقيادة المراقب العام السابق للجماعة عبدالمجيد ذنيبات.

    فقد انقسمت جماعة الإخوان في الأردن إلى ثلاثة كيانات رئيسة، هي حزب "جبهة العمل الإسلامي" التابع للجماعة، ومبادرة زمزم التي تسعى لتأسيس حزب بمسمى "حزب البناء"، أما التيار الثالث فيتمثل في مبادرة الشراكة والإنقاذ التي تتجه لتأسيس حزب تحت اسم "حزب الإنقاذ" يتصل بجمعية الإخوان المسلمين المسجلة رسميا لدى السلطات الأردنية، وتشترك الأحزاب السياسية والجماعات المنشقة عن الإخوان في الأردن في الحرص على تأكيد الطابع المدني السياسي غير الديني في أنشطتها.

    4 - الاستجابة للأطر القانونية: شهدت بعض الدول العربية اتجاها لتشديد الفصل بين «الديني» و«السياسي»؛ حيث أقر مجلس النواب البحريني في 17 مايو 2016 تعديلات بقانون الجمعيات السياسية يحظر الجمع بين العمل السياسي والديني، ومنع المنابر الدينية من ترويج الأفكار السياسية، وشمل حظر الممارسة السياسية للمشتغلين بالوعظ والإرشاد والخطابة، ولو من دون أجر. وفي هذا الصدد، أكد وزير العدل الشيخ خالد بن علي آل خليفة أن "منع علماء الدين من الجمع بين الصفتين لا يُعد تمييزا، وإنما هو قياس على حرمان القضاة والعسكريين من الجمع بين وظيفتهم والانضمام إلى جمعيات سياسية"، مشيرا إلى "أننا نعيش في دولة مدنية، إلا أن هناك من استخدم المنبر الديني للانتخابات وإصدار الفتاوى".

    وتُعد دولة المغرب نموذجا على تنظيم القوانين للانفصال بين «الدعوي» و«السياسي»، وهو ما يستند للمرسوم الملكي الذي أصدره العاهل المغربي الملك محمد السادس في يوليو 2014 حول منع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من "ممارسة أي نشاط سياسي"، ومنع "تبني أي موقف سياسي أو نقابي"، إضافة إلى حظر "القيام بكل ما يمكنه عرقلة أداء الشعائر الدينية".

    مهادنة سياسية

    يُمكن اعتبار اتجاهات فصل الديني عن السياسي ضمن اتجاهات التكيف من جانب التيارات الدينية مع واقع التحولات الإقليمية عقب سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر والتراجع السياسي للتيارات الدينية في الإقليم، وفي هذا الإطار تتمثل أهم دوافع الفصل بين «الديني» و«السياسي» فيما يلي:

    1 - احتواء الضغوط المجتمعية: تسعى التيارات الدينية للحفاظ على بقائها في مواجهة التوجهات السياسية والمجتمعية الضاغطة عقب الثورات العربية، إذ جاء قرار حركة النهضة التونسية الأخير بفصل «الدعوي» عن «السياسي» والتحول لحزب مدني ليتلاءم مع قناعات غالبية الشعب التونسي، حيث كشف استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة "سيجما" التونسية بالتعاون مع المرصد العربي للديانات والحريات ومؤسسة كونراد أديناور الألمانية في 10 مارس 2016 عن تأييد نحو 73 في المائة ممن شملهم الاستطلاع للفصل بين الدين والسياسة، وعارض نحو 70 في المائة من المشاركين في الاستطلاع في تونس أن تكون الشريعة المصدر الرئيس للتشريع، وأكد نحو 75 في المائة منهم رفضهم تدخل علماء الدين في السياسة. ولا ينفصل ذلك عن سعي الإخوان المسلمين في مصر والأردن إلى التكيف مع التحولات الدستورية والقانونية التي تحظر تكوين الأحزاب والجمعيات على أسس دينية وطائفية.

    2 - تعزيز التنافسية السياسية: يمكن تفسير اتجاهات فصل الديني عن السياسي، وإعلان الانفصال عن الامتدادات العابرة للحدود للتنظيمات الدينية، بسعيها لتعزيز فرص المنافسة السياسية، والوصول للسلطة، واستعادة الزخم المصاحب للثورات العربية الذي أدى لصعود هذه التنظيمات للسلطة، وتزايد تأثيرها السياسي بدرجات متفاوتة في بعض الدول العربية.

    ويُستدل على سعي التيارات الدينية للمنافسة على السلطة من جديد بإعلان الحركة الدستورية الإسلامية (حدس) في الكويت في 26 مايو 2016 إنهاء مقاطعة الانتخابات العامة التي استمرت منذ عام 2012، وبررت الحركة قرارها بـ "المسؤولية الوطنية تجاه التحديات المحلية والإقليمية الأمنية والاقتصادية.. ورغبة منها في فتح مسارات أخرى للخروج من حالة الجمود السياسي والتنموي التي وصلت إليها البلاد.. وسعيا نحو المشاركة بإيجابية لتصحيح المسار"، كما يمكن تفسير انشقاقات جماعة الإخوان في الأردن بسعي بعض القيادات للانخراط في العمل السياسي والحزبي، وتعزيز التمثيل البرلماني للتيارات الدينية.

    3 - تقوية الشبكات الاجتماعية: ترسخت قناعة لدى قيادات التنظيمات والتيارات الدينية حول مركزية الشبكات الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي في عملية التمكين السياسي والصعود للسلطة، وهو ما دفع هذه التيارات لتحييد واحتواء التوترات السياسية مع السلطة للعودة إلى مساحات العمل الاجتماعي والتطوعي التي تؤدي إلى توسيع القواعد الجماهيرية للتيارات الدينية خاصة في المناطق الريفية والحدودية التي تُعاني تردي الأوضاع الاجتماعية، وضعف مستوى الخدمات العامة، وهو ما يعني أن فصل العمل السياسي عن العمل الدعوي يعد ضمن تكتيكات المهادنة السياسية الهادفة لاستعادة القواعد المجتمعية الداعمة للتيارات الدينية.

    4 - استعادة الدعم الغربي: تستهدف التيارات الدينية من تبنيها لخطاب سياسي يركز على التوجهات المدنية غير الدينية في نشاطها السياسي إلى إعادة تسويق ذاتها للدول الغربية كبديل معتدل في مواجهة التنظيمات الإرهابية والجماعات التكفيرية العنيفة، إذ إن هذه المناورة السياسية تأتي ضمن تكتيكات مواجهة التغير في سياسات الدول الغربية تجاه التيارات الدينية في الآونة الأخيرة عقب ثبوت ارتباط هذه التنظيمات بالعنف، وترويجها لقيم متطرفة بين الجاليات الإسلامية في الغرب.

    ويستدل على ذلك بما توصل إليه تقرير اللجنة المستقلة بقيادة القاضي البريطاني جون جنكينز حول «الإخوان المسلمين» في بريطانيا المقدم للحكومة البريطانية والذي تم إعلان أهم نتائجه في 17 ديسمبر 2015، حيث أكد ارتباط «الإخوان المسلمين» بالتطرف والعنف، والترويج لخطاب ومعتقدات تتعارض مع الأمن القومي البريطاني، فضلا عن التغلغل التنظيمي للإخوان في دول القارة الأوروبية، والتورط في إدارة أنشطة اقتصادية ومالية غير شرعية. وفي المجمل، يُمكن القول إن اتجاهات فصل «الديني» عن «السياسي» لا تعدو كونها تكتيكات للتكيف مع تحولات الواقع السياسي والاجتماعي تستهدف احتواء الرفض الشعبي المتصاعد لممارسات التيارات الدينية، واستعادة القدرة على المنافسة السياسية، والتكيف مع تحولات الأطر القانونية والدستورية التي تحظر العمل السياسي على أسس دينية وطائفية، فضلا عن تركيز التيارات الدينية على إعادة بناء الشبكات الاجتماعية، وتعزيز رأس المال الاجتماعي القائم على العمل الأهلي والتطوعي لاستعادة الدعم الشعبي، والتغلب على الانتقادات الغربية المتصاعدة، وإعادة تسويق التيارات الدينية كبديل سياسي للتطرف والإرهاب لاستعادة العلاقات الوثيقة مع الدول الغربية.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X