إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تأملات في شهر رمضان الكريم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تأملات في شهر رمضان الكريم

    تأملات في شهر رمضان الكريم

    ويظل شهر رمضان مرتبطاً في نفوس وقلوب المسلمين بانتصارات عظيمة بدءاً من الانتصار في غزوة بدر وانتهاء بانتصار العرب في حرب العاشر من رمضان. على أن أعظم انتصار يحققه كل مسلم في كل شهر من شهور الصوم هو انتصاره على ضعفه وخطئه وذنبه.
    ؟ هذا شهر رمضان الكريم أطل علينا كما يطل علينا وعلى من قبلنا منذ شرعه الله في السنة الثانية للهجرة.. وهو شهر كريم.. وكرامته تأتي من روحانيته، ومن ما أعده الله للصائمين فيه، ومن مكانته بين الشهور.. وكان للشهر أسماء كثيرة من أهمها أنه شهر القرآن، وشهر الجهاد. وشهر رمضان هو التاسع من شهور السنة الهجرية. ويقول معظم اللغويين ان اسمه مشتق من: (الرمض) وهي كلمة تعني اشتداد الحرارة. وهذا يعني أن شهر الصوم عُرف أول ما عُرف في شهر من شهور الصيف الحارة. وهنا تبرز مشكلة أعدها من المشكلات التوفيقية التي انتشرت في الثقافة العربية قبل الإسلام. فقد عُرف عن العرب أنهم يحتارون دائماً في مسألة التوفيق بين السنة القمرية والسنة الشمسية. وقد اخترعوا أشهراً يطلقون عليها أشهر النسيء. وكان المعنيون بهذه الأشهر يتلاعبون في تحديد بدايتها ونهايتها. وكثيراً ما احترموا مطالب التجار الذين لهم أموال يجب تحصيلها.

    وشهر رمضان هو الشهر الوحيد من شهور السنة القمرية مذكوراً في القرآن الكريم باسمه الصريح. فقد نزلت آية كريمة تتحدث عن الصوم وتشريع الصوم. ومسألة الصوم، خصوصاً صوم شهر كامل لا زالت قضية تاريخية لم تحسم من قبل المؤرخين. على أن الصوم كتشريع سماوي لا جدال فيه.. والجدال هو في مدى التوافق بين آية الصوم في القرآن الكريم وما ورد في الألواح الثانية من شريعة النبي موسى عليه السلام. وكان المستشرق جوتن F. Goitien قد نشر بحثاً مستفيضاً حول هذه المسألة، أبان فيها أن ألواح موسى نزلت عليه في يوم عاشوراء (العاشر من شهر محرم) وهو اليوم الذي يسميه اليهود بيوم الكفارة. ويقول جوتن انه لا يستبعد أن أصل الصوم في الإسلام إنما بدأ من صيام يوم عاشوراء.

    على أن هناك مسألة تاريخية عالقة وهي ما يذكره علماء الأديان السماوية هو وجود نصوص إسلامية تختص بصيام أيام عشرة بدلاً من يوم عاشوراء الذي يصومه اليهود. فاستعاضه المسلمون بصيام عشرة أيام بدل يوم واحد قد يكون البداية الفعلية لصيام شهر كامل أقر أول ما أقر في شهر صيفي حار، وأطلق عليه اسم رمضان. وهذا التفسير لا يقوم على ساقه، ذلك أن وقوع صيام عشرة أيام من محرم لا زال صياماً معمولاً به منذ أن سنّه الرسول عليه الصلاة والسلام. وهو على كل حال من حيث التوقيت لصيام شهر رمضان، بينما شهر رمضان سابق له من حيث التشريع.

    وتبقى مسألة تاريخية عالقة أيضاً وهي مسألة ما ورد في سورة البقرة من صيام أيام معدودات. فقد ذهب علماء التلمود أن المقصود بأيام معدودات هي صيام أيام التوبة العشرة السابقة لصيام يوم الكفارة. وهو تقليد لا زال باقياً إلى اليوم وهنا من قال ان أيام الاعتكاف العشرة (اعتكاف العشر الأواخر من رمضان) هو مشابه لصيام أيام التوبة العشرة عند اليهود وأياً يكن الأمر فمصدر التشريع الإسلامي واليهودي واحد.. لكن ما غاب عن بال المشتغلين بهذه المسألة هو أن صيام أيام في محرم لا علاقة له بصيام شهر رمضان. وليس في المصادر الإسلامية المبكرة ما يشير إلى أدنى علاقة.

    ثم نأتي إلى ليلة مشهورة في شهر الصوم وهي ليلة القدر المباركة. ففي تراث الإسلام تحتل ليلة القدر منزلة لا تساويها منزلة من حيث العبادة والثواب والخير في الدنيا والآخرة.

    وقد قرأت منذ مدة طويلة مقارنة بين ليلة القدر الإسلامية مع يوم الكفارة عند اليهود. وفيها تشابه الزمانين بأجر مضاعف. على أن هناك اختلافاً شاسعاً بين ليلة القدر ويوم الكفارة. على أن يوم الكفارة قد باركه النبي محمد عليه الصلاة والسلام وقال نحن أحق به من اليهود وأمر بسنة صيامه، بل وصيام يوم قبله أو بعده. وحتى لو صام المسلمون ثلاثة أيام فإنها لا تصل لعدد أيام صوم أيام التوبة العشرة عند اليهود.

    ونحن لا نوافق جوتن على ما ذهب إليه بسبب أنه قصر عن تبيين سبب استقرار صوم شهر رمضان لهذه المدة الطويلة، ولم يبين أيضاً بصورة مقبولة تشابه بعض صيام اليهود بصيام أيام معدودات الوارد في سورة البقرة. وعليه يمكن القول إن صيام شهر رمضان إنما كان تشريعاً اختُص به المسلمون دون غيرهم من اتباع الديانات السماوية الأخرى.

    وكان المستشرق فنسك wcnainck قد سبق جوتن في بحث قضية يوم براءة أو ليلة براءة، التي يقول إنها تقع في النصف من شعبان. وهي ليلة تسبق شهر رمضان، وهي على حد قوله تصادف بداية السنة الجديدة عند اليهود. والمعروف أن ليلة براءة تسبق يوم الكفارة عند اليهود. مما يستدعي صعوبة التوفيق بين التاريخين. وقد حاول علماء الساميات العثور على صلة بين كلمة براءة العربية وكلمة بريئا العبرية، التي تعني بدء الخلق. لكن صعوبة الصلة واقعة لا محالة. وحتى لو استعنا بفكرة اليهود التي تقول إن العالم خُلق في رأس السنة. وأن الصيام إنما يشرع في بداية كل سنة أو في ختام كل سنة، فإن هذا لن يقودنا إلى وجود صلة بين الصيامين (الإسلامي واليهودي).

    وصيام شهر رمضان صيام غير مسبوق من حيث الزمان ومن حيث الكيفية. وهو مما اختُص به المسلمون. وكل أنواع الصيام الموجودة في التوراة أو الانجيل قد نُسخت أو ألغيت بسبب الزيادات والتفسيرات التي دخلت عليها. وصيام رمضان هو الصيام الوحيد الذي ظل كما هو منذ أربعة عشر قرناً. فنحن نصوم كما كان يصوم الرعيل الأول من المسلمين. ونحن فخورون بهذا الشهر الكريم.

    ويظل شهر رمضان مرتبطاً في نفوس وقلوب المسلمين بانتصارات عظيمة بدءاً من الانتصار في غزوة بدر وانتهاء بانتصار العرب في حرب العاشر من رمضان. على أن أعظم انتصار يحققه كل مسلم في كل شهر من شهور الصوم هو انتصاره على ضعفه وخطئه وذنبه. وهو شهر يعطينا التوقيت المناسب، والقوة الروحانية الكبيرة لنحقق انتصارات كثيرة. وما علينا إلا أن ننتهز هذه الأيام المباركات بفعل الخيرات وتجنب السيئات.

    ويسعدني أن أهنئ الأمة العربية والإسلامية بهذه الشعيرة التي تمر علينا كل سنة، ولا نمل من مرورها، بل تزيدنا روحانية وسعادة. أعاد الله رمضان وأمتنا في خير وانتصار. والله أعلم.

يعمل...
X