د. عبدالرحمن الطريري - الاقتصادية


يهتم علماء النفس بالشخصية الإنسانية في نموها، وتطورها، والعوامل المؤثرة فيها؛ بهدف اكتشاف الأسس والقوانين السلوكية، التي توجه الفرد في أفعاله، وتصرفاته، وعلاقاته، ونظرته إلى الأمور من حوله، وإلى الحياة عموما. وقد برز علماء نفسيون وضعوا نظريات في الشخصية، أمثال: أيزنك، وكاتل، وألبرت، وأريكسون، وغيرهم ممن أجرى الدراسات والبحوث الميدانية والمختبرية والأثنوجرافية؛ كل ذلك لاكتشاف أسرار الإنسان في هدوئه، وغضبه، وحيويته، وركوده، وتفاؤله، وتشاؤمه.

تعددت النظريات والنماذج التي تفسر بناء الشخصية ومكوناتها، وهذا التعدد لا يعني أن إحدى النظريات هي الأصح، والأخرى خطأ، بل إنها تتكامل فيما بينها؛ لتكتمل الصورة في ذهن الدارسين، ومن يهتمون بمعرفة مدى اتساق الشخصية أو تناقضاتها، ونقاط ضعفها وقوتها، خاصة في مجال الاختيار للأمهات الأساسية ذوات الطابع الإداري؛ ولذا نجد القرآن الكريم يؤكد القوة والأمانة "إن خير من استأجرت القوي الأمين"، فقوة الشخصية، والأمانة، ونزاهة اليد تشكل حاجة ضرورية، تقلل الفسادين الإداري والمالي، اللذين يعانيهما كثير من الدول، ويتسببان في التراجع التنموي وضياع الحقوق.

الحديث حول الشخصية يستلزم التأكيد على أن هناك خصائص وسمات ثابتة، يظهر أثرها في معظم الظروف والحالات التي يمر بها الفرد؛ أي تتكرر ملاحظتها عنده، كما أن هناك مظاهر سلوكية لا تتكرر ملاحظتها، بل تُلاحَظ في ظروف ومواقف محدودة؛ أي أنها مرتبطة بالموقف، ولا تلبث أن تزول بزوال الموقف الذي أنتجها، وهذا ما يميز الاستجابات الصادرة من السمات الثابتة، وذلك الموقف. فعلى سبيل المثال، يوجد من الناس من يوصف بالشخص القلق؛ أي الذي يقلق لأي أمر، مهما كان بسيطا وتافها، ويقابل ذلك القلق الناجم عن حدث ما، كأن يقلق لاختبار في الجامعة أو مقابلة لوظيفة.

أدبيات دراسات الشخصية تباينت نتائجها، فأيزنك يصنف الشخصية إلى انطوائية، أو انبساطية، أو عصابية. والانطوائي فرد منغلق على ذاته، قليل الأصدقاء، يتجنب المناسبات الاجتماعية، يخجل من الحديث والتفاعل مع الآخرين. وعلى العكس من ذلك، الانبساطي شخص منفتح على الآخرين، له صداقات كثيرة، يحب المناسبات الاجتماعية ويحضرها، ويتفاعل مع الآخرين بكل ثقة ودون تردد. أما العصابية فهي القابلية للإصابة بالمرض النفسي، والعصابي معرض للتوتر، والقلق، والاضطرابات النفسية.

عالم النفس كاتل يرى أن الشخصية تتكون من 16 عاملا، أما برن رويتر فيحصرها في ستة عوامل، من بينها الانطواء والانبساط، ويلاحظ تكرار الانطواء والانبساط في معظم النظريات والنماذج؛ إذ نلاحظ ذكره عند كوستا في نموذج العوامل الستة الكبرى للشخصية، ما يعني أهمية الانطواء والانبساط في التعامل مع الناس؛ لما قد يترتب عليهما من نجاح أو فشل في هذه العلاقات، فالانطواء يعوق صاحبه عن التعامل الفعال، ويضيع عليه كثيرا من حقوقه؛ حيث إن خجله وتردده يمنعانه من الدفاع عن نفسه وحقوقه، في حين إن الانبساط يجعل صاحبه أكثر فاعلية وتأثيرا، وقدرة على التأثير في الآخرين، من خلال النكتة والحوار المقنع للطرف الآخر.

نمطا الشخصيتين "أ" و"ب"، هما من ضمن تصنيفات الشخصية ذات القيمة في النجاح الإداري أو فشله، ذلك أن الفرد من نوع الشخصية "أ" قوي، معتد بنفسه، حريص، متابع دقائق الأمور وكبيرها، ولا يرضى إلا بتحقيق الأهداف، ومع ما قد يترتب على ذلك من مشكلات صحية له، كالإصابة بالسكر والضغط، وأمراض القلب، وقرحة المعدة؛ نتيجة الإجهاد، والالتزام بالوقت، إلا أن إدارته غالبا تكون ناجحة، وإذا ما امتزج النوع "أ" بنمط الشخصية الانبساطية يتحقق الرضا من العاملين معه، إضافة إلى نجاح الإدارة وانضباطها، وتحقق أهدافها.

على النقيض من نمط الشخصية "أ"، نمط الشخصية "ب" الذي يتسم بالاسترخاء، واللامبالاة في تأخر الإنجاز أو عدم تأخره، يحضر المواعيد متأخرا أو لا يحضرها، لا يهتم بوجود جدول زمني تسير وفقه إدارته، ولذا يتسم أداء الإدارة بالضعف والفوضى وقلة المتابعة، ما يعوق تحقق الأهداف، ولو قُدِّر وتفاعل النمط "ب" مع نمط الشخصية الانطوائية، فمن المؤكد أن النتيجة ستكون ضياع الإدارة وفشلها في أداء الأدوار المنوطة بها، فخجل مديرها، وعدم قدرته على المواجهة والحوار مع الآخرين يضيع كثيرا من الفرص والحقوق.

تُرى، كم من الإدارات يديرها من لا تتوافر فيه خصائص الإدارة؛ إذ لا يبادر، ولا يتابع، ولا يحاور بشأن إدارته، وليست لديه رؤية لتطوير إدارته، ولا قدرة لتوظيف الإمكانات المادية والبشرية التي تزخر بها، ومع ذلك يستمر على رأس الجهاز رغم عدم أهليته، ما يعوق القيام بالأدوار، وعدم تحقق الأهداف، ومن ثم تذمر المستفيدين.