الانتخابات القادمة في السعودية وتماسك الجبهة الداخلية


بقلم : تركي فيصل الرشيد



الملك عبدالله م&#1.jpg

شرح الصورة ( الملك عبدالله يستلم دراسة إنشاء الهيئة العليا للانتخابات )

تمر المنطقة الخليجية منذ سنوات بعدد كبير من المتغيرات والمخاطر، وتحتاج منا بطبيعة الحال درجة قصوى من الحذر من ناحية، والاستعداد لما هو آت من ناحية أخرى لتفادي .. ليس المتغيرات، بل مخاطر وعدوى الفوضى المتاخمة لنا من ناحية، الشمال، وتحديداً العراق.

أما المتغيرات فهي ما قد بدأنا في انتهاجها من الداخل، وأعني بذلك قرارات الإصلاح والتنمية، وأعني أيضاً ما أعلنه الملك فهد بن عبد العزيز – طيب الله ثراه – قبل انتخابات المجلس البلدية " شارك في صنع القرار “، ومهما كان الخلاف حول بطء أو سرعة هذه المتغيرات إلا أننا لا نستطيع أن ننفي هذا الشوط الكبير الذي قطعناه في سباق التغيير وفق أصول مجتمعنا الثابتة.

ويدعم خطوات التغيير ما اتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله من قرارات حول " المسألة الانتخابية " في المملكة، واعتمادها كمبدأ وطريقة في اختيار المناصب من قبل موظفين أكفاء.

وعلاقة العملية الانتخابية بالمخاطر الخارجية هي علاقة تحصين الداخل وتماسكه، ودفع المواطنين إلى المشاركة في الحفاظ على الوطن، ليس شعاراً أو فلكلوراً؛ بل عمل، ومشاركة في صنع القرار، واختيار الصالحين القادرين على تَبَوُّءْ المناصب العليا، ومحاسبة من يفرط في حقوق المجتمع والوطن...

الانتخابات وفق هذا المفهوم يدرأ بقوة حالة الفوضى والحرب الأهلية التي بدأت تلوح في الأفق العراقي ، والتي ستحاول عبور الحدود إلى البلدان المجاورة ، فإذا ما كان التماسك ارتدت وتلاشى حظرها.

إلا أن العراق بما يحدث فيه ليس الخطر الوحيد، بل هناك المسألة الإيرانية وتنامي قوتها في المنطقة ، ولا اعتراض على ذلك ما دامت بلا أطماع توسعية ، ولكن ما قد تقدم عليه أمريكا من خطوات تصعيديه عسكرية ضد إيران أو أن تحاول – أمريكا – جر المملكة في حرب مع إيران ، وهذا ما يجب أن نحذر منه.

ولكي يكتمل المشهد فإن الولع الصهيوني الدائم، بإشعال الحرائق والاستقواء بأمريكا والغرب، يحاول وبإصرار النفاذ إلى مفاصل الدول العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة .. كل هذه المخاطر رفعت وتيرة المخاوف والإرهاب في العالم، أو كما يقول عدد من المحللين " لم يعد العالم أكثر أمنا " .. فإذا كانت هذه المخاوف قد ملأت العالم، فما حجم المخاوف التي يجب أن نحذرها ونحن في قلب الصراع أو على مقربة منه ؟! وأقل هذه المخاطر وأكثرها وحشية في آن معاً تنامي القوى الأصولية في المنطقة للأسباب السابقة كأساس، ووجود محفزات خادمة لهذا التنامي يتمثل في العجز والفقر والجهل وأصبحت الأمور مختلطة وغير واضحة في أذهان الكثير من الشباب وأصبحوا أكثر عرضة لهيمنة الأفكار التخريبية.

وهذا ما يحتم على القيادة السعودية أن تدفع بعجلة الإصلاح أكثر، وأن نرتب البيت من الداخل لتفادي الطوفان المحيط بنا.

إن الأمور تزداد تعقيداً، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يقود البلاد ويدعم وحدتها لتصبح قادرة على التصدي لما ستؤول إلية أحوال المنطقة العربية، والخليجية على وجه الخصوص.

ربما تدفعني هذه الإطلالة السريعة والإشارة إلى المخاطر المحدقة بالمنطقة إلى طرح احد جوانب الإصلاح، والذي تم اعتماده طريقاً للمشاركة الجماعية الفاعلة في اختيار المرشحين في " انتخابات المجالس " إلى طرح عدد من النقاط الرئيسية لتطوير هذه الانتخابات، ولا نغفل بطبيعة الحال ونحن بصدد ذلك أن العملية الانتخابية التي تمت في المملكة تمثل خطوة لم يكن يحلم بها أكثر المحللين بالمملكة أو خارجها إذ كانت الانتخابات قبل هذا من المواضيع المحظورة، والمحرمة في تصورات البعض، وتعامل الجهات المعنية بإجراء الانتخابات أظهرت شفافية لأقصى درجة، إلا أن المآخذ التي نراها بوضوح في هذه التجربة فهي عدم مشاركة المرأة، قصور الانتخابات على فئة عمرية ما فوق سن 21 عاماً ، واقتصار الترشيح على نصف أعضاء المجلس البلدي ، ودون أن يتمتع بصلاحيات محددة مسبقاً .

ومن أجل انتخابات قادمة أكثر نضجاً وأكثر فاعلية على المستوى الاجتماعي والسياسي .. إضافة إلى المآخذ السابقة التي تستحق أن توضع على طاولة البحث والتمكين، أقترح تأسيس " هيئة عليا للانتخابات " وهي هيئة تقنية / قانونية / إدارية، تكلف بموجب القانون بتنظيم وإجراء الانتخابات في المملكة، وتعتمد في ذلك المهنية العالية والنزاهة الكاملة وفق أحدث المعايير الدولية التي تظهر القدر الكامل من الشفافية.

فما هي هذه " الهيئة " المقترحة ؟!

أقترح أن تكون " الهيئة العليا للانتخابات " بالسعودية الجهة الوحيدة التي تتولى إدارة الانتخابات والإشراف عليها، وتكون مسئولة عن العمليات التحضيرية لها وتنظيمها، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان نزاهتها وحريتها.

وهي كيان سعودي مستقل عن كافة الاتجاهات، وتتمتع بشخصية اعتبارية، إضافة لاستقلالها المالي والإداري، وتحديداً لا تخضع لسلطة الحكومة أو الإدارات الأخرى، ومن صلاحيتها إعلان وتنفيذ وفرض التعليمات والقواعد والإجراءات بموجب القانون بكافة إجراءات العملية الانتخابية .. ولها قوة الإدارة الذاتية.

أما الوظائف الأساسية للهيئة العليا للانتخابات فتتمثل فيما يأتي:-

• تحديد سجل الناخبين واعتماده وتطويره وتصديقه وتقسيمه وصيانته.
• دعم العملية الانتخابية بتوعية المجتمع السعودي بأهميتها ودفعه للمشاركة.
• تنظيم وتنفيذ عملية تسجيل المرشحين وتصديقهم.
• اعتماد مراقبي الانتخابات وتحديد المسئولين المشاركين في المراقبة أو الإشراف عليها، وأحقيتها في استبعاد من تراه معوقاً لسيرها أو نزاهتها.
• إدارة عمليات الاقتراع وإعداد الجداول الانتخابية.
• التحكيم في التظلمات والنزاعات الانتخابية.
• تصديق نتائج الانتخابات قبل رفعها بصورة نهائية للديوان الملكي.

ولا شك أن هذه الاقتراحات لبعض جوانب الفكرة تحتاج إلى توسع لكافة جوانب تأسيس " هيئة عليا للانتخابات " ، وهذه ما لا يتسع له هذه المقال ، ولكن الفكرة إذا ما وجدت قبولاً ودعماً من أصحاب القرار فلا بد أن يشارك في دعم جوانبها مختصون بكافة الجوانب ، القانونية منها والتنظيرية ، والعملية أو المطابقة على ارض الواقع.

وفي حال تم تأسيس هذه الهيئة فإن أحد أهم أهدافها قيام مختلف الطوائف والتيارات بالمشاركة، وهذا ما يعمق العلاقة بين المجتمع أو الشعب والحكومة، أو بالأحرى الوعي الجماعي بخطط الدولة في مجالات التنمية ، وأن يشعر كل مواطن بالمسئولية الكاملة تجاه الوطن سواءً بعدم السماح للفكر المنحرف بالسيطرة علية أو قيامة بواجبه تجاه الوطن من خلال عملة الذي يشغله مهما صغر هذه العمل إيماناً بأنه يضع لبنة في البنيان ، وهذا أحد ركائز تماسك الجبهة الداخلية .

وهنا ستكون الظروف مواتية لاختيار مجلس نواب منتخب، ومجلس مناطق الحكم المحلي بالانتخابات، وانتخاب نصف مجلس الشورى .. كل ذلك وفق عملية انتخابية واعية وذات مسئولية في الاختيار وهذه التماسك الاجتماعي سوف يلفظ ويرفض أي عبث داخلي من الفئة الضالة التي تحاول تفتيت المجتمع وإرهابه.

كما تحتاج هذه التجربة المقترحة إلى تعزيز مؤسسات المجتمع المدني والمتمثل في جمعية الأطباء، وجمعية المحامين وجمعية المهندسين... والتي يجب أن تخضع مجلس إدارتها للانتخابات لدفع الكوادر الأكثر كفاءة إلى العمل والتطوير، وأن تحذو أغلب هذه الجمعيات حذو جمعية المهندسين والتي انفصلت عن وزارة الصناعة والتجارة وتشتغل بأعمالها وفق رؤية أعضائها.

هذه بعض الملامح، وأحد أهم الجوانب في عمليات الإصلاح التي تنتهجها المملكة، وهي بطبيعة الحال تحتاج للمناقشة وإبداء المداخلات.



تركي فيصل الرشيد

مركز الناخبين السعودي

www.saudiinfocus.com