Announcement

Collapse
No announcement yet.

حادث بئر النفط ومستقبل التنقيب في أمريكا

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • حادث بئر النفط ومستقبل التنقيب في أمريكا

    حادث بئر النفط ومستقبل التنقيب في أمريكا




    الاقتصادية

    عثمان الخويطر

    لعل كثيرين منا سمعوا بحادثة انفجار بئر النفط في خليج المكسيك التابعة لشركة النفط البريطانية، حيث أثارت هذه الحادثة اهتماماً كبيراً بين شركات النفط الأخرى التي تخشى أن يُؤثر الحادث سلباً في مستقبل عقود التنقيب الحالية والمستقبلية في المياه الإقليمية العميقة، وهو دون أدنى شك أمر وارد. وما حصل لهذه البئر التي كانت تحت عملية الحفر، خطأ فني حال دون إقفال صمام التحكم الرئيس الأوتوماتيكي الذي يُدار عن بُعد، وكان من المفروض أن يمنع أي تسرب للنفط والغاز عبر فوهة البئر في حالة تشغيله عند الضرورة، وخطأ بشري نتيجة لعدم حسن التقدير خلال عملية ضخ مخلوط الأسمنت الذي يُستخدم في إحدى مراحل الحفر، وهي عملية مُعقدة تحتاج إلى حسابات دقيقة ومهارة في التنفيذ. فحدث عدم توازن بين ضغط النفط والغاز في قاع البئر وبين ثقل عمود السوائل الموجودة داخل أنبوب الحفر التي من المفروض أن ضغطها يزيد على ضغط السوائل والغازات النفطية حتى لا تسمح للأخيرة أن تنطلق إلى أعلى، وهو ما كان سبباً في حدوث الانفجار على سطح منصة الحفر. ولاحظ المسؤولون الذين كانوا يعملون على ظهر المنصة قبل الكارثة بدقائق أن هناك بوادر تدفق غير طبيعي من أنبوب الحفر، وهي إشارة إلى أن المواد النفطية في طريقها إلى فوهة البئر وتدفع السائل الثقيل الموجود في أنبوب الحفر إلى السطح، وهذا نذير شؤم إذا لم يستطيعوا إيقافه. وتجاوزت كميات النفط المندفعة إلى أعلى صمام الأمان الأوتوماتيكي المُصمَّم ليكون حارساً يقظاً، لكنه لم يعمل بسبب خلل ما، ربما لوجود ضغط خارجي كبير على الصمام عند عمق خمسة آلاف قدم تحت سطح الماء, أو عدم متابعة برنامج الصيانة اللازمة لهذا الصمام, أو أسباب أخرى، وهو ما سيكون محل دراسة مستفيضة من جانب الشركة المُصنعة لهذا الجزء المهم من مُعدات الحفر، وذلك من أجل تجنب وقوع عطل مشابه في المستقبل. وفعلاً حدث ما لم يكن مُتوقعاً، حيث فاضت كميات كبيرة من النفط والغاز تُقدر بأكثر من 20 ألف برميل في اليوم واندفعت نحو سطح البحر مُسببة حريقاً هائلاً دمر منصة الحفر وراح ضحيته 11 عاملاً. كما أحدث تلوثاً كبيراً لمياه البحر لم تشهده الولايات المتحدة من قبل، مما سيُؤثر في الحياة السمكية في المنطقة، وهي مصدر المعيشة لعدد كبير من السكان. وظل النفط يتدفق لأكثر من 40 يوماً، قبل أن تتمكن الشركة البريطانية من التحكم في 50 في المائة من الكمية المتدفقة وتقوم بتجميعها في بواخر خاصة. وربما أن منصة الحفر بعد ما تمكن منها الحريق انهارت واختل توازنها، ما تسبب في كسر في أنبوب الحفر عند قاع البحر حيث فوهة البئر، فصار النفط يخرج منه ويتخلل الماء إلى سطح البحر، وهو ما زاد الأمور تعقيداً. واستعانت الشركة بكل منْ لديهم خبرات في مجال الحفر، بما فيها الشركات المنافسة لها، لعلها تستطيع إقفال البئر وإيقاف تدفق النفط، لكن دون جدوى حتى كتابة هذا المقال.

    وتسببت هذه الحادثة في إحراج حكومة الرئيس أوباما أمام الرأي العام الأمريكي والأحزاب المعارضة، وإن لم يكن له ذنب فيما حصل، لكنه ظل يسعى جاهداً إلى إجبار الشركة البريطانية على دفع التعويضات للمواطنين المتضررين، وفي الوقت نفسه، حثها على سرعة إقفال البئر ومنع تسرب مزيد من النفط إلى مياه الخليج، وهو ما يتطلب جهداً كبيراً ومالاً كثيراً ربما يقود هذه الشركة العملاقة إلى الإفلاس. ومن المُؤكد أن الشركة ستكون عُرضة لإقامة دعاوى كثيرة ضدها عند المحاكم الأمريكية تصل إلى المليارات من الدولارات، حتى أنها الآن تُفكر جدياًّ في عدم صرف الأرباح السنوية للمساهمين التي تُقدر بمليارات الدولارات، واستخدامها للتعويضات المطلوبة منها. وللعلم، فإن جميع الأعمال التي تقوم بها الشركة عند فوهة البئر على عمق خمسة آلاف قدم تحت سطح البحر تستخدم معدات آلية نظراً لتعذر استطاعة الإنسان العمل تحت تلك الظروف، وهذا ما يجعل مُحاولاتها أكثر صعوبة.

    ثم تأتي الخطوة التالية من الحكومة، وهي لا تقل أهمية، وتتمثل في مراجعة الأنظمة والقوانين التي كانت تحكم منح التراخيص للشركات للتنقيب عن النفط قرب السواحل الأمريكية العميقة. وهناك حتماً منْ سيعارضون منح عقود جديدة لشركات النفط مهما كانت الإغراءات بعد وقوع هذه الحادثة، إلى جانب الإصرار على تعديل بنود العقود الحالية بحيث تتضمن إضافة إجراءات جديدة لأمور السلامة من أجل تقليل فرص حدوث كوارث مشابهة. فعلى سبيل المثال، من الممكن أن يكون أحد الشروط الجديدة استخدام صمامين للتحكم في فوهة البئر من صناعة شركتين مختلفتين، وزيادة نوبات اختبار صمامات الأمان الأسبوعية، وفرض إشراف مباشر على الشركة صاحبة الامتياز بأن يكون لها ممثلون مُقيمون على منصات الحفر للتأكد من سلامة عمل شركة الحفر والمقاولين الآخرين والتنسيق فيما بينهم. ومهما عملوا من إجراءات احترازية فهناك دائماً قبول بجزء من عنصر المخاطرة، كما هو حاصل مع وكالة الفضاء الأمريكية التي تكبدت خسائر بشرية ومالية خلال رحلاتها الفضائية ولم يمنعها ذلك من إكمال مهمتها. ومن الممكن أن تفرض الحكومة الفيدرالية على شركات النفط نوعاً من التأمين المالي لضمان دفع التعويضات المطلوبة في حالة حدوث تسرب نفطي في مياهها الإقليمية يضُرُّ بالبيئة البحرية، وعلى وجه الخصوص آبار الاستكشاف، كالتي نحن بصددها. ويتطلب الوضع في مثل تلك الحالات اتخاذ احتياطات غير عادية لدرء وقوع كوارث مُكلفة. وأشارت التحقيقات الأولية، وهي لم تُعلن بعد رسمياًّ، إلى احتمال وجود تهاون وإهمال في أداء بعض واجبات السلامة الأساسية لأسباب سيذكرونها في التقرير النهائي.

    لكن من المستبعد جداً أن يتوقف إصدار تراخيص جديدة بعد الانتهاء من التحقيق في ظروف هذه الحادثة الكارثية مهما كانت النتائج، لسبب بسيط هو أن النقص المتوقع في الإمدادات النفطية خلال السنوات القليلة المقبلة سيُقوِّي موقف المنادين باستمرارية التنقيب، وستتغلب الحاجة إلى مزيد من الطلب على الطاقة على الإرادات الحزبية والعواطف والمصالح الخاصة، وتفتح المجال من باب أوسع للبحث عن مصادر الطاقة أينما وُجدت، في البرِّ أو البحر، ناهيك عن حتمية ارتفاع أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية خلال السنوات المقبلة، ما سيُغري بوجوب السماح لشركات النفط في أن تستمر في التنقيب. وقبول البحث عن مكامن النفط عند خمسة آلاف قدم تحت سطح البحر، وما يتطلب من الأموال الطائلة والمخاطر الكبيرة، لدليل على إصرار شركات النفط على المضي في هذا الاتجاه مهما كلف ذلك من ثمن لأنهم متيقنون من أن الأسعار سترتفع عاجلاً أم آجلاً. ولا ننسى أن الحياة العصرية والمعاملات المالية الرأسمالية يعتمد نجاحها على إمدادات الطاقة وتوافرها بتكلفة مُتيسِّرة، وإلا لحدث خلل خطير داخل حياة المجتمع وتوقف النمو الاقتصادي. وهذا يعني احتمال تسريح أعداد كبيرة من العاملين في الشركات والمؤسسات الصناعية، وهو ما يُؤدي إلى تفشي الكساد الذي ربما يقود إلى إحداث فوضى شعبية لا أحد يود حدوثها.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X