إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

السرقة الكبرى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • السرقة الكبرى

    السرقة الكبرى



    الاقتصادية

    نسيم نيكولاس

    إن المشكلة الخطيرة التي يتجاهلها الجميع، والتي تهدد الاقتصاد الأمريكي - والعديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى - تتلخص في تلك المبالغ الهائلة التي حصل عليها المصرفيون على مدى الأعوام الخمسة الماضية. ففي الولايات المتحدة بلغت الأموال التي حصلت عليها البنوك التي تحتفظ بسجلات مع لجنة الأوراق المالية والبورصة حدا مذهلا (2.2 تريلون دولار). وباستقراء التوقعات بالنسبة للعقد المقبل، فإن الرقم قد يقترب من خمسة تريليونات دولار، وهو مبلغ أضخم كثيرا مما تبدو إدارة الرئيس باراك أوباما وخصومه الجمهوريون على استعداد لخفضه من العجز الحكومي المتزايد.

    ولم تكن هذه التريليونات الخمسة أموالا استثمرت في بناء الطرق والمدارس وغير ذلك من المشاريع الطويلة الأمد، بل تم تحويلها مباشرة من الاقتصاد الأمريكي إلى الحسابات الشخصية لمديري البنوك التنفيذيين وموظفيها. ومثل هذه التحويلات تمثل ضريبة احتيالية فرضت على كل شخص آخر. وإنه لظلم شديد أن يكون المصرفيون، الذين ساعدوا في إحداث المتاعب المالية والاقتصادية التي نعيشها اليوم، الطبقة الوحيدة التي لم يعاني أهلها من هذه المشكلات - بل وربما استفادوا منها في العديد من الحالات.

    الواقع أن البنوك العملاقة السائدة تثير الحيرة في كثير من النواحي. فلم يعد سرا (الآن) أن هذه البنوك كانت تعمل حتى الآن باعتبارها خطط تعويض ضخمة بالغة التعقيد، تعمل على إخفاء أحداث ''البجعة السوداء'' التي تتسم بأنها قليلة الاحتمال، لكنها بالغة التأثير، والاستفادة في الوقت نفسه من الضمانات العامة الضمنية. وبوسعنا أن نعتبر الإفراط في الاستدانة، وليس المهارة، المصدر الأساسي لأرباح هذه البنوك، والتي تتدفق بعد ذلك بصورة غير متناسبة على الموظفين، والمصدر الأساسي لخسائرها، التي يتكبدها حاملو الأسهم ودافعو الضرائب.

    وبعبارة أخرى، البنوك التي تخوض المجازفات تفوز بمكافأة الجانب الإيجابي، ثم تحول الجانب السلبي إلى حاملي الأسهم ودافعي الضرائب، بل وحتى المتقاعدين. ومن أجل إنقاذ النظام المصرفي، ذهب بنك الاحتياطي الفيدرالي على سبيل المثال إلى خفض أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية على نحو مصطنع؛ ووفقا لما تم الكشف عنه أخيرا فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي قدَّم أيضا قروضا سرية بقيمة 1.2 تريليون دولار للبنوك. وكان التأثير الرئيس الذي ترتب على ذلك حتى الآن هو مساعدة المصرفيين في توليد المكافآت (بدلا من اجتذاب المقترضين) من خلال إخفاء تعرض البنوك للمخاطر.

    ثم تنتهي الحال بدافعي الضرائب، والمتقاعدين وغيرهم ممن يعتمدون على العائدات على مدخراتهم، إلى تحمل ثمن ذلك التعرض. فضلا عن ذلك فإن سياسة أسعار الفائدة المنخفضة تعمل على تحويل خطر التضخم إلى كل المدخرين وأجيال المستقبل. ولعل الإهانة الأكبر الموجهة إلى دافعي الضرائب بعد كل ذلك هي أن التعويضات والمكافآت التي حصل عليها المصرفيون في العام الماضي عادت إلى نفس مستويات ما قبل الأزمة.

    لا شك أن البنوك، قبل أن يصبح في الإمكان إنقاذها من قِبَل الحكومات، لم تدر عائدا قط طيلة تاريخها، إذا ما افترضنا أن قيم أصولها ربما تحسب استنادا إلى أسعار السوق الحالية أو القيمة ''العادلة''. ولا ينبغي للبنوك أن تدر أي عائد في الأمد البعيد؛ لأن نماذجها التجارية تظل مطابقة لما كانت عليه من قبل، مع تعديلات تجميلية فيما يتصل بمخاطر التداول.

    وبالتالي فإن الحقائق واضحة. بيد أننا بلا حول ولا قوة، شأننا في ذلك شأن دافعي الضرائب؛ وذلك لأننا لا نتحكم في النتائج بسبب الجهود المنسقة المتضافرة التي تمارسها جماعات الضغط، أو ربما الأسوأ من ذلك، الضغوط التي يمارسها صناع القرار الاقتصادي. والواقع أن دعمنا لمديري البنوك ورؤسائها التنفيذيين ليس طوعيا على الإطلاق.

    ولكن هذا اللغز ينطوي على مشكلة أكبر. فما الذي قد يدفع أي مدير استثمار إلى شراء أسهم البنوك التي تدفع أقساما ضخمة للغاية من أرباحها لموظفيها؟

    من غير الممكن أن نرجع السبب إلى الوعد بتكرار الماضي؛ نظرا لعدم كفاية هذه العائدات. والواقع أن مبدأ تصفية الأسهم المالية وفقا للدفعات كان ليعمل على خفض استنفاد الاستثمار في القطاع المالي بما يزيد على النصف على مدى الأعوام الـ20 الماضية، ومن دون خسائر في العائدات.

    ولماذا يأمل مديرو المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد في الحصول على الحصانة ضد المستثمرين لديهم؟ أليس من الواضح بالنسبة للمستثمرين أنهم يحولون طواعية أموال عملائهم إلى جيوب المصرفيين؟ ألا ينتهك مديرو الصناديق المسؤوليات الائتمانية والقواعد الأخلاقية؟ وهل يهدرون بذلك الفرصة الوحيدة السانحة لتأديب البنوك وإرغامها على التنافس على خوض المجازفة المسؤولة؟

    من الصعب أن نفهم لماذا لا تعمل آليات السوق على إزالة مثل هذه الشكوك. إن السوق التي تعمل بشكل جيد لا بد وأن تعود بنتائج لصالح البنوك التي تتبنى التعرض السليم، وخطط التعويض المناسبة، والقدر السليم من خوض المجازفة، وبالتالي الإدارة الشركاتية السليمة.

    وقد يتساءل المرء: إذا لم يحصل مديرو الاستثمار وعملاؤهم على عوائد مرتفعة على أسهمهم في البنوك، مقارنة بالعوائد التي كانوا ليحصلون عليها نتيجة لما يقوم به المصرفيون من تحويل المجازفة إلى دافعي الضرائب، فما الذي قد يجعلهم راغبين في الاحتفاظ بها في المقام الأول؟ تكمن الإجابة فيما نستطيع أن نطلق عليه ''بيتا'': فالبنوك تمثل حصة كبيرة من مؤشر ستاندرد آند بورز 500، ويتعين على المديرين أن يستثمروا فيها.

    نحن لا نعتقد أن القواعد التنظيمية تشكل علاجا ناجعا لهذه المسألة. والواقع أن البنوك الأضخم حجما والأكثر تطورا أصبحت خبيرة في التقدم بخطوة عن الهيئات التنظيمية - فهي تعمل بشكل متواصل على خلق منتجات ومشتقات مالية معقدة تلتف على حرفية القواعد والقوانين. وفي هذه الظروف فإن فرض قواعد تنظيمية أكثر تعقيدا لا يعني سوى المزيد من الساعات المدفوعة الأجر للمحامين، والمزيد من الدخل للمنظمين الذين يبدلون ولاءهم، والمزيد من الأرباح للمتاجرين في المشتقات المالية.

    إن مديري الاستثمار يتحملون مسؤولية أخلاقية ومهنية تتمثل في ضرورة الاضطلاع بدورهم في فرض بعض الانضباط على النظام المصرفي. ولا بد وأن تكون الخطوة الأولى في هذا السياق الفصل بين البنوك وفقا لمعايير التعويض الخاصة بها.

    كان المستثمرون يستخدمون الأسس الأخلاقية في الماضي - ولنقل باستثناء شركات التبغ أو الشركات التي شجعت أو ساعدت نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا - وكانوا ناجحين في توليد الضغوط على الأسهم الأساسية. والواقع أن الاستثمار في البنوك يشكل انتهاكا مزدوجا - أخلاقيا ومهنيا. ولا شك أن أحوال المستثمرين، وبقيتنا، ستكون أفضل كثيرا إذا تدفقت هذه الأموال إلى شركات أكثر إنتاجية، وربما إلى جانب إعادة توجيه مبالغ تعادل تلك المبالغ، التي كان ليتم تحويلها إلى مكافآت للمصرفيين، إلى أعمال خيرية تتمتع بإدارة جيدة.


    خاص بـ «الاقتصادية»

    حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X