إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مسؤولية «أوبك» قبل أن تبلغ الأسعار الهاوية!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مسؤولية «أوبك» قبل أن تبلغ الأسعار الهاوية!

    مسؤولية «أوبك» قبل أن تبلغ الأسعار الهاوية!



    عيد بن مسعود الجهني - الحياة


    على مدى الأشهر الأربعة الماضية انخفض سعر برميل النفط انخفاضاً كبيراً إذ كان 147.10 دولار في شهر تموز (يوليو) الماضي، بينما تراوح يوم الخميس الماضي ما بين 46 و50 دولاراً للبرميل الواحد، ومعنى هذا أن السعر فقد 60 في المئة من قيمته التي بلغها في تموز الماضي، وكي توقف «اوبك» هذا الزحف المريع في الأسعار إلى أدنى قررت خفض إنتاجها بمقدار مليون ونصف مليون برميل في اليوم، ونفذ هذا الخفض اعتباراً من أول هذا الشهر، ليصبح السقف الجديد لـ «اوبك» 27.3 مليون برميل في اليوم بدلاً من 28.8 مليون برميل من دون العراق.

    لكن الخفض الذي قررته المنظمة لم يفلح في كبح جماح تدني الأسعار التي واصلت مسيرة الهبوط لعوامل عدة، منها: زيادة المعروض من النفط رغم خفض «اوبك» سقف انتاجها، بحيث بلغ الفائض من المعروض من النفط حوالي 4 ملايين برميل في اليوم يبحث عن مشترين، ناهيك عن زيادة المخزون النفطي عند اكبر الدول استهلاكاً للنفط وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية التي ارتفع مخزونها من النفط الخام بأكثر من مليون برميل أخيراً.

    وهذا التدني في الطلب على النفط فرضته عوامل جوهرية منها المخاوف من استمرار حالة الكساد التي تواجه اقتصادات العالم، فالكساد الذي بدأت كارثته من بلاد العم سام انتشر كالفيروس القاتل إلى اقتصادات الدول الأخرى المتقدمة والنامية، ما ولد انكماشاً حقيقياً في اقتصاداتها.

    المهم أن أسعار النفط اليوم تواجه تحدياً حقيقياً لا يقل ضراوة عن التحدي الذي واجهته في منتصف ثمانينات القرن الماضي، هذا لأن الأسعار اليوم تترنح وسط كارثة كساد قد يتباطأ يوماً تلو الآخر، ما يجعل الاقتصاد العالمي برمته يعيش حالة سيئة جداً قد تستمر لفترة طويلة على الأرجح، وهذا يلقي بظلاله القاتمة الكئيبة على النفط ويؤدي إلى انخفاض حاد في الطلب عليه، وبالتالي انحدار سعره شهراً بعد آخر قبل أن يبدأ في التعافي.

    ولذا فإن «اوبك» التي رأت أن خفض انتاجها لم ينقذ أسعار النفط من الهاوية التي بلغها ستجتمع في القاهرة في 29 من هذا الشهر على هامش اجتماع منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك)، بل قد تدعو المنظمة دولاً من خارجها لحضور هذا الاجتماع، وعلى رغم أن المنظمة على ما يبدو لن تتخذ قراراً بخفض إنتاجها في هذا الاجتماع، إلا انه سيكون اجتماعاً مهماً يمهد لوضع رؤى لصياغة توجهات تعتمد في اجتماع المنظمة المقرر عقده في 17 كانون الأول (ديسمبر) المقبل في وهران في الجزائر.

    وحتى ذلك التاريخ فإن الأسعار ستبقى رهينة التذبذب الحاد، إذ سيتحكم فيها عامل العرض والطلب، وبما أن العرض أكثر من الطلب كما قلنا فسيكون مصير الأسعار التدني وليس الارتفاع، على رغم أن رئيس «اوبك» شكيب خليل قال على هامش فعاليات الأسبوع الرابع لمؤتمر الطاقة الذي عقد في الجزائر إن هدف «أوبك» هو الوصول لسعر يتراوح ما بين 70 و90 دولاراً، وأضاف أن الأسعار ستتجه للارتفاع على المدى الطويل.

    لا شك أن «اوبك» تحلم أن يبلغ السعر الثريا، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فتحركات أسعار النفط وموجة الكساد العالمي وانهيار أسعار الأسهم على المستوى الدولي وانتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة، ما يمهد لأجواء جيوسياسية جديدة مع ايران وكوريا الشمالية وغيرهما، ويمكن أن يؤجل المنازلة بين أميركا وإسرائيل وايران إلى أجل غير منظور، ويجعل وقوع مناوشة بين تلك الأطراف على مياه الخليج العربي الغني بالنفط (حوالي 730 بليون برميل) يرحّل إلى اجل غير مسمى، كل هذا يزيد من وتيرة انحدار أسعار النفط مع استقرار الإمدادات.

    وإذا كانت «اوبك» عقدت النية والعزم على دعوة بعض الدول المنتجة خارج المنظمة في نهاية هذا الشهر، فإنها فرصة سانحة للمنظمة لتدشين الحوار مع الجميع من خارجها، الذين سيلتقون في أرض الكنانة من أجل وضع اسس سوق دولية مستقرة تخدم مصالح الجميع منتجين ومستهلكين.

    ويبقى القول إن دول «اوبك»، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي التي عاشت سنوات سماناً خلال الارتفاع المتواتر للأسعار، تواجه اليوم أزمة كساد عالمي، على رغم ما قيل من أن هذه الدول لم تطلها سهام ذلك الكساد، فإن الحقائق تقول إنها في قلب الأزمة، فهي جزء من هذا العالم، الذي أصبح دكاناً صغيراً، ناهيك عن أن أسواق هذه الدول نالها ضرر بليغ، خصوصاً في مجال الصناديق السيادية، وامتد الأثر البليغ فمسّ المواطنين في الخليج والدول العربية الأخرى الذين يمثلون أكثر من 90 في المئة من المستثمرين في أسواق الأسهم، بعد أن كانوا ضمن الطبقة الوسطى.

    وأمام هذه الكوارث المتتالية حدث الانهيار في أسعار النفط الذي تعتمد عليه دول المجلس في تموين موازنتها بنسب تصل إلى ما بين 85 و95 في المئة، ومعنى هذا أن انخفاض الأسعار سيؤثر تأثيراً كبيراً في اقتصادات تلك الدول ومداخيل المواطنين فيها، فإذا أضفنا إلى ذلك الكساد في الاقتصاد العالمي الذي سيؤثر بلا شك في تلك الدول وانهيارات أسواق الأسهم فيها، فإن هذه الدول ستصبح في وضع يجعلها تلغي بعض مشاريعها، التي خططت لها في زمن بلوغ الأسعار ذروتها، أو تأجيل بعضها أو إطالة مدة تنفيذ تلك المشاريع.

    وعلى ذمة مجموعة «سيتي غروب» المصرفية، يمكن أن تمنى السعودية ودولة الإمارات وقطر بعجز في موازين التجارة الخارجية في العام المقبل إذا بلغ متوسط سعر برميل النفط 50 دولاراً، وأكد البنك في مذكرته التي أصدرها الثلثاء الماضي أن العجز في الميزان التجاري للسعودية قد يبلغ 28 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في مقابل فائض 30 في المئة هذا العام، عندما بلغ متوسط سعر البرميل 99 دولاراً، وان إمارة دبي ستكون الأكثر عرضة للتراجع في حجم الفوائض، نتيجة الانخفاض السريع في أسعار النفط، وتحديداً فإن أسباب القلق تكمن في القطاع العقاري في دبي وكيفية إعادة تمويل الديون التي تراكمت في السنوات الأخيرة.

    ويمكن القول إن الوقت حان للاستفادة من الدروس الماضية عندما بلغت أسعار النفط 7 دولارات في منتصف الثمانينات بعد أن ضاعت فرص الاستفادة من ارتفاع الأسعار مثلها في منتصف السبعينات وأوائل الثمانينات. وفي الألفية الثالثة تكررت الفرص فارتفعت الأسعار على مدى أكثر من 5 سنوات ودخلت دولارات كثيرة خزائن الدول، لكن تلك الفرص ضاع معظمها هباء بسبب تواضع الخطط والأهداف والاستراتيجيات والارتجال في وضع بعضها.
    على الدول العربية عموماً ودول مجلس التعاون خصوصاً التي تملك احتياطات مالية ضخمة أن تشمّر عن سواعدها لمواجهة انكماش اقتصادي قادم بالتسلح بالعناصر القوية التي تملكها، والتي بإمكانها حمايتها من الرياح العاتية التي هبت على العالم. ولا نقول إن هذه الدول العربية يمكنها بجرة قلم أن تتلافى الصاعقة المالية التي ضربت اقتصاد العالم شرقاً وغرباً بشكل كامل، لكن بنسبة كبيرة لو أنها تصدت للأزمة بإجراءات واضحة عند تلقي أول إشارة لناقوس الخطر.

    لكن الدول العربية للأسف لم تتصد للأزمة كما يجب بحزم وعزم وشفافية، فكانت النتيجة أن الاسواق المالية العربية على رغم عدم ارتباطها الوثيق بالأسواق المالية العالمية اكتسحتها مشاعر الهلع، وانعدمت الثقة بالأسواق، وينطبق هذا الوصف على أسعار النفط التي أخذت نصيبها من ذلك الذعر فانحدرت بسرعة مخيفة، ولم تنهض «اوبك» للدفاع عن الأسعار إلا أخيراً فحدث للأسعار ما حدث، وإذا لم تتقدم «اوبك» الصفوف لخفض الإنتاج وتشجيع المنتجين الآخرين على خفض إنتاجهم، فإن الأسعار ستبلغ الهاوية.



    * مفكر سعودي - رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X