إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

«ديلي تلغراف» .. البحث عن هوية في عالم متغير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • «ديلي تلغراف» .. البحث عن هوية في عالم متغير

    الصحيفة التي صدرت عام 1855 تحاول التكيف مع عصر تسعى فيه المطبوعات بصورة مستميتة وراء القراء على شبكة الإنترنت.

    «ديلي تلغراف» .. البحث عن هوية في عالم متغير



    جيش من الصحافيين في صالة التحرير في مقر صحيفة "الديلي تلغراف" في لندن.
    هنري مانس من لندن

    هبط توني جالاجر إلى مكتبه - مهزوما. رئيس التحرير المدمن على العمل في صحيفة "الديلي تلغراف"، الذي تم الثناء عليه على نطاق واسع لدوره في حالات السبق الصحافي، التي كشفت مطالبات مصروفات النواب، كان قد تم طرده للتو. قال لمساعديه "تمت إقالتي لأنني شخص جيد". ثم وضع في جيبه آخر تذكار من "التلغراف"، وهو قطعة من طائرة هليكوبتر بلاك هوك أسقطت في غارة على منزل أسامة بن لادن في باكستان، وخرج من غرفة الأخبار للمرة الأخيرة، في حين ضرب الموظفون بقبضاتهم على مكاتبهم في أحد الطقوس المتبعة في مكاتب الصحافة البريطانية في شارع الصحافة في لندن.

    فقدان رئيس تحرير واحد لا يعتبر أمرا غريبا في صناعة الصحف. لكن فقدان خمسة في غضون عشر سنوات يعتبر كذلك، خصوصا في الصحيفة الأعرق في بريطانيا. في الآونة الأخيرة ظهرت "التلغراف" كأنها في حالة دائمة من الثورة. جلبت إليها أساتذة ومختصي الرقمية فقط لتعمل على تهميشهم بعد ذلك بأشهر. وعزلت بعضا من أفضل صحافييها الرجال، وأحيانا النساء، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لاتجاهها المحافظ. وعلى رأس هذا، فإنها تواجه أكبر تهديد لصدقيتها في الذاكرة الحية.

    في الشهر الماضي، استقال بيتر أوبورن، كبير المعلقين السياسيين للصحيفة، متهما إياها بفرض رقابة على مقالات حول بنك HSBC لتجنب فقدان الدخل الذي تحصل عليه من إعلانات البنك. وكتب أوبورن في مقال طويل على موقع OpenDemocracy الديمقراطية المفتوحة: "تخيل لو أن "بي بي سي" – التي تعتبر في كثير من الأحيان هدفا لهجوم "التلغراف" – تصرفت بهذه الطريقة". وأضاف "سيكون رد فعل "التلغراف" هو الازدراء. وكانت ستصر على الإطاحة ببعض الرؤوس، وهي محقة في ذلك".
    هذا لم يعد مجرد هزة خفيفة في شارع الصحافة: قال ميريديث ليفين، وهو مسؤول تنفيذي في صحيفة "نيويورك تايمز"، "إنها حكاية تحذيرية حول ما تبدو عليه النهاية".


    وينظر بعض المراقبين إلى الاضطرابات في "التلغراف" على أنها حكاية رمزية لانحطاط شارع الصحافة. فمع تلاشي توزيع الصحف المطبوعة وتنافس عمالقة الإنترنت على الميزانيات الإعلانية، يجادول هؤلاء بأن الصحف ستوظف عددا أقل من الصحافيين وستصبح تابعة لمن بقي من المعلنين. لكن حتى لو كان السيناريو بهذه القتامة، تبقى "التلغراف" في وضع جيد. فهي إحدى الصحف اليومية الأكثر مبيعا في المملكة المتحدة والأكثر ربحية، إذ تبلغ أرباحها التشغيلية نحو 60 مليون جنيه استرليني سنويا. وهي في ذلك ليست بعيدة جدا وراء صحيفة "الديلي ميل" التي تبيع عدد نسخ يقارب ثلاثة أضعاف. قراء "التلغراف" من كبار السن، لكنهم أيضا مطلوبون إلى حد كبير من قبل المعلنين. (عُرِف عن هذه الصحيفة أنها تصف الأسر التي لديها دخل أكثر من 100 ألف جنيه استرليني في السنة باسم "الطبقة الوسطى"). وقد أنتجت الصحيفة بعضا من أفضل المواد الصحافية البريطانية، بما في ذلك تحقيقات أخيرة حول كيفية فوز قطر بحق استضافة مونديال 2022، وحول ما يزعم عن كيف حصل اثنان من وزراء الخارجية السابقين على منافع مالية بفضل مواقعهما وعلاقاتهما.

    عالم متغير

    في الممارسة العملية، حكاية "التلغراف" تبدو بالأحرى أكثر غرابة. إنها متاعب أحد معاقل المحافظين، الذي كان موطن أنشودة جون بتجيمان للعمارة الفيكتورية، في بحثه عن مكان له في عالم الإنترنت - ومؤسسة تحاول إدارة التغييرات الناتجة عن ذلك. إنها مهمة كبيرة في عصر تسعى فيه الصحف بصورة مستميتة وراء القراء على شبكة الإنترنت ("توقفوا! إنكم تقومون بتقشير البرتقال على نحو خاطئ" ـ موقع "التلغراف"، 23 آذار مارس)، وتقليل نسخ مطبوعة منها ("البريطانيون سريعون جدا في شرب الشاي" صفحة "التلغراف" الرئيسية 17 مارس). وهي تثير تساؤلات كبيرة حول ما تهدف إليه الصحيفة. وكما يقول ماكس هاستينجز، رئيس تحرير الصحيفة بين عامي 1986 و1995: "ساخر من يشير إلى أن "التلغراف" تستهدف الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يريدون صحيفة جدية، لكنهم في الحقيقة لا يريدون ذلك". ماذا يعني هذا في عالم "فيسبوك" و"بزفيد" و"يوتيوب"؟
    في قلب محاولات "التلغراف" للإجابة عن هذا السؤال يوجد ميردوك ماكلينان، الأسكتلندي الهادئ الحديث الذي أمضى أربعة عقود في التسلق إلى قمة صناعة الصحف في بريطانيا. في أعمال مليئة بأصحاب الأقوال، ماكلينان (65 عاما) كان صاحب الأفعال. بعد البدء متخرجا متدربا في "سكوتسمان"، عمل في "مجموعة ميرور" و"إكسبرس نيوزبيبرز" وصحيفة "الديلي ميل". وكانت جميع أعماله وراء الكواليس - إعادة التفاوض بشأن عقود الطباعة، ونقل المكاتب، والتخلص من الموظفين. فهو، وفقا لواحد من كثير من الموظفين الذين طردهم "الرجل الأجمل. وهو أيضا الرجل الأكثر قسوة من الذين عرفتهم على الإطلاق".
    وصل ماكلينان إلى "التلغراف" عام 2004 رئيسا تنفيذيا وقد تم جذبه من قبل مالكيها الجدد، التوأم المتماثل، السير ديفيد والسير فريدريك باركلي، اللذين دفعا 665 مليون جنيه استرليني مقابل الصحيفة، خلال مزايدة لبعض أكبر مجموعات الأسهم الخاصة في العالم. ومنذ ذلك الحين كان ماكلينان حلقة الوصل التي تصل طموحات الأخوين مع واقع التحرير لصحافييها. بالنسبة للشخص الذي يملي رسائل البريد الإلكتروني الطويلة عبر مساعدته الشخصية بدلا من كتابتها، الثورة الرقمية كانت ستكون دائما تحديا. يقول أحد موظفي "التلغراف" السابقين لدى ماكلينان "هو يعلم أن عليه أن يفعل شيئا". ويضيف "إنه لا يعرف ما يتعين عليه القيام به".
    لا توجد أي صحيفة لديها جواب، لكن لديها بعض الخطط. "الجارديان" و"ميل أون لاين" أنشأتا أصواتا مميزة، بحثا عن جماهير عالمية شاملة وعائدات إعلانية. وقدمت "التايمز" الاشتراكات الرقمية، بما في ذلك حقوق الرياضة. ما استراتيجية "التلغراف"؟ تحول ماكلينان إلى المختصين. وظف كبير إداريي المعلومات، الذي استعان بمصادر خارجية لتطوير التكنولوجيا، ثم استبدل به آخر، فعل العكس.
    في عام 2012، قال "إنه التمس المشورة من جيف جارفيس، مبشر الإنترنت الأمريكي الذي يكره "أسوار الدفع" (نظام يمنع تصفح الإنترنت دون مقابل)، وباتريك باروايز، الأكاديمي البريطاني الذي لا يكره ذلك". أصبح الناس الكبار في "التلغراف" على اقتناع متزايد بأن ماكلينان كان تائها. في أحد العروض الرقمية، سأل عما إذا كان يجدر به شراء جهاز تلفزيون عالي الوضوح. ويقول صحافي سابق، "كان الأمر مثل مشاهدة جدك يرقص. كان الموقف محرجا".

    طموحات شخصية

    لكن لا ينبغي التقليل من شأن ماكلينان. فقد صمد أكثر من ويل لويس، رئيس تحرير "التلغراف" الطموح بين عامي 2006 و2010، الذي ظن أن بإمكانه أن يحل محل الأسكتلندي رئيسا تنفيذيا بعد فوزه بدعم من بنك باركليز لحاضنة رقمية كان يأمل أن تكون نقطة انطلاق لهذا المنصب الأعلى. كما أنه استمر أطول أيضا من بديل لويس في رئاسة التحرير. توني جالاجر أراد أن تستفيد "التلغراف" من تغطيتها فضيحة نفقات عام 2009 وتستحدث خدمة سياسية جديدة مستوحاة من "بوليتيكو"، الموقع المحبوب من المطلعين في واشنطن العاصمة. وكان من الممكن أن تبلغ تكاليف الخطوة 400 ألف جنيه استرليني، لكن لم تتم الموافقة عليه أبدا. (بوليتيكو نفسها تنطلق الشهر المقبل في أوروبا، وتتعاقد مع أكثر من 40 صحافيا).
    عرض ماكلينان على جالاجر دورا استراتيجيا، وهو الإشراف على محتوى "التلغراف". لكن جالاجر المولع بالأخبار، مع إعجابه الذي يعتبر موضع جدل بالإنترنت، لم يكن مهتما، فتحرك الرئيس التنفيذي بسرعة لعزل رئيس التحرير. وشكل لجنة من كبار الصحافيين لزيارة شركات وسائط الإعلام في آسيا والولايات المتحدة وأوروبا. ويقول أحد الأشخاص المطلعين على المشروع "في الأساس كانت تلك حيلة لإذلال توني. وكانت المشكلة تكمن في عدم دراستها جيدا".
    استغرق الأمر من قادة المشروع عام تقريبا للتوصل إلى خطة – الأركان الخمسة. بعض الموظفين الذين لم يرُق لهم ذلك، أطلقوا عليها بسرعة تعبير "الأغبياء الخمسة". لكن كان ماكلينان قد وجد بالفعل المعلم الجديد، جيسون سيكن. من بين جميع الشخصيات التي انتهت في مكاتب "التلغراف" في منطقة فيكتوريا، كان سيكن، الأصلع الطويل القامة، من بين الأشخاص غير المرجحين. المختص الاستراتيجي الرقمي السابق في "واشنطن بوست" وفي هيئة الإذاعة العامة، لم تكن لديه أي خبرة بالصحف البريطانية. كانت تقاليد "التلغراف" هي الملكية، وصيد الثعالب، والريف الإنجليزي. سيكن، كما تمزح إحدى وسائل الإعلام الأمريكية "كان في حاجة إلى من يشرح له النظام البرلماني".
    وصل سيكن في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013 وشرع في إعادة تشكيل "التلغراف" على صورتها الخاصة. أحضر إليها حفنة من كبار الزملاء الأمريكيين. الأركان الخمسة، التي تم تقديمها قبل أسابيع فقط، سرعان ما أصبحت أنقاضا. ونظم أيضا مسحا للموظفين، ينفس فيه الصحافيون عن إحباطهم من كبار المحررين في الصحيفة. في أوائل عام 2014، أعطى ماكلينان التشخيص. كانت هوية "التلغراف" قد شوشت. تم خنق مراسليها. العالم على الإنترنت الذي بني على مصالح متباينة ومشاركة القراء، لا يمكن أن يصلح نهج "التلغراف" من أعلى إلى أسفل. وبعد أيام تم فصل جالاجر.

    رؤية مختلفة

    سيكن الذي يعتبر الآن شخصية التحرير الرئيسية، أخذ رؤيته إلى موظفي "التلغراف" وقال لهم، نحن لا نمارس صحافة السلعة. نحن لسنا "هافينجتون بوست"، نحن لسنا "بزفيد"، نحن لسنا "ميل أون لاين". ويقول أحد المراسلين "كل شيء بدا جيدا جدا".

    المسمى الوظيفي لسيكن كان "كبير إداريي المحتوى ورئيس التحرير". في شارع الصحافة القديم، "المحتوى" كان شيئا يشعر به الصحافيون بعد الغداء. اليوم، يشير إلى وجود نهج جديد كليا لما يجب أن تنتجه الصحف، وكيف ينبغي أن تنتجه.

    أولا، هو يعني أشكالا مختلفة - ليس فقط مواد، ولكن مدونات، وأشرطة فيديو، ومدونات صوتية، ورسومات حية. ثانيا، هو يشمل مصادر الأخبار - يمكن للقراء إرسال التعليقات، وتوجيه تغطية الصحيفة. ثالثا، وبصورة غير دقيقة، يبدو أنه يعني التحول مما يمكن أن يعتبر ذا أهمية إخبارية إلى أي شيء يمكن للقراء النقر عليه. بيل جيتس قال في عام 1996 "المحتوى هو حيث أتوقع الكثير من المال الحقيقي الذي سيتم كسبه على شبكة الإنترنت". وفي نهاية المطاف كانت كلماته قد وصلت إلى باركليز.
    كانت هناك مشكلة. فعلى الرغم من أن سيكن كان الرئيس التنفيذي للمحتوى، إلا أنه لم يحاول أبدا تشغيل غرفة الأخبار. طيّر طائرة بدون طيار حول ندوة ضمت عددا من المعلنين. لقد حث "التلغراف" أكثر على الفشل. وفي الوقت نفسه، تساءل المراسلون ماذا يعني هذا بالنسبة للصفحة الأولى غدا؟
    أحيانا، يمكن تصفية أفكاره، ولا سيما رغبته في أن التخطيط لمواضيع كبيرة في المستقبل. بمناسبة الانتخابات الأوروبية في عام 2014 اقترح حليف لسيكن إجراء مقابلات مع مهاجر من كل بلد في الاتحاد الأوروبي. ويتذكر أحد الأشخاص المشاركين في ذلك، "لحظة لو سمحت، في اللحظة التي يبدو فيها حزب الاستقلال وهو يشق طريقه، نحن في طريقنا لتأييد أوروبا، لقد أنتجت بعض المحتوى الجيد. كل ما في الأمر أن ذلك لم يكن نهج "التلغراف".

    اغتيال تاتشر

    بعد ذلك وقعت أمور أسوأ. تحت إدارة سيكن اشترت "التلغراف" حقوق "اغتيال مارجريت تاتشر"، وهي قصة قصيرة كتبتها هيلاري مانتل. لا شيء يمكن أن يثير عداء القراء الأساسيين لـ "التلغراف" أكثر من ذلك. مرة أخرى، انتقل ماكلينان بسرعة لتغطية نفسه. بالكاد بعد ثمانية أشهر من فصل جالاجر، تم نفي سيكن إلى مكتب في الطابق العلوي في مقر "التلغراف" في فيكتوريا. ومرت على الصحافيين أسابيع دون رؤية الشخص الذي يفترض أنه رئيس التحرير.
    تم تمرير السيطرة التحريرية إلى كريس إيفانز، صحافي "ديلي ميل" السابق، الذي عزز موقفه - دون توضيح رؤيته لـ "التلغراف". وواصل ماكلينان تعيين مزيد من التنفيذيين الرقميين، ما عمل على إنشاء تداخل في المهام الوظيفية دون تفسير.
    قال موظف سابق "لقد بذروا بذور الشقاق في البنية. يحب ميردوك أن يجعل الناس يضربون أخماسا في أسداس".
    وعلى حد التعبير الموجز المحكم لشخص آخر علِق على هذا الجيشان "هذه ليست شركة بقدر ما هي منظمة سياسية".
    ربما لم يأت ماكلينان باستراتيجية، أو سمح لرئيس تحرير بأن يأتي برؤية، لكنه استطاع تحقيق أرباح. منذ عام 2004 تلقى بنك باركليز 360 مليون جنيه من "التلغراف" قبل الضرائب، في حين إن "التايمز"، التابعة لروبرت ميردوك، خسرت أكثر من 430 مليون جنيه. ومع ذلك، فإن الأخوين بيركلي بالكاد استردا نصف استثمارهما الأصلي.
    كان التكتيك الأول من ماكلينان هو تقليص التكاليف. قال موظف سابق "أحيانا تأتي إلى العمل في الصباح وتجد أن الشخص الذي بجانبك قد ذهب". كانت غرفة الأخبار تمتلئ بصورة متزايدة بمراسلين في العشرينات من أعمارهم. وبينما توظف "الجارديان" نحو 900 شخص في جهاز التحرير، لدى "التلغراف" 600 شخص. أكثر من 50 صحافيا غادروا بنهاية 2014.
    استرضاء المعلنين
    هناك تكتيك آخر هو استرضاء المعلنين. "التلغراف" بصورة غريزية مؤيدة لقطاع الأعمال - فقد ولدت من رحم الإعفاء الضريبي: بدأت الصدور بعد أسابيع من قرار الحكومة البريطانية إلغاء ضريبة الدمغة على الصحف عام 1855. لكن اهتمامات ماكلينان كانت مكشوفة. فحين اشتكى بنك HSBC بقوة من مقال نشر في 2014، ضغط ماكلينان على المحررين لسحب المقال.
    في 2011 أخبر ماكلينان تحقيق ليفيسون (حول أخلاقيات الإعلام) أنه لم يكن يحدد المواضيع التي تنشرها "التلغراف". لكن موظفين سابقين قالوا "إن تدخلاته - من خلال المكالمات الهاتفية، واللقاءات، وهمس الكلمات في الآذان - كانت فجة لدرجة أن كبار المحررين نصحوه بأن يكون كتوما أكثر". يقول صحافي سابق "كان يتلقى علامات الإنذار الحمراء باستمرار. لكنه كان يتجاهلها".
    وقالت "التلغراف" في رد على اتهامات بيتر أوبورن "ليس هناك موضوع أو مقال أو شخص أو منظمة خارج نطاق صحافيينا". لكن في ظل ماكلينان كان الصحافيون يشعرون بأن الأمر خلاف ذلك. قال موظف سابق "لم يكن فقط أن الإعلان كان يحل محل المقال الافتتاحي. كانت هناك رقابة ذاتية هائلة". في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، كتبت صحف أخرى عن إقدام إحدى شركات النقل على قذف أزهار الخشخاش (التي توضع لذكرى المحاربين) والدوس عليها. لكن "التلغراف" لم تفعل. ذلك أن شركة النقل، وهي يودل، مملوكة لبنك باركليز.
    ووفقا لمتحدثة باسم "التلغراف"، الادعاءات بأن ماكلينان لم يفهم الظاهرة الرقمية، وأنه رفض أن يستثمر في عرض توني جالاجر الخاص بخدمة على طراز "بوليتيكو"، وأنه كان يتدخل في الشؤون التحريرية والإعلانات، كانت على حد تعبير المتحدثة "أساسية".
    يقول تيم لوكهيرست، وهو رئيس تحرير سابق لـ "سكوتسمان"، إن "الصحف بحاجة إلى ذاكرة جماعية لتقاليدها، وإنجازاتها، وعلاقاتها بقرائها".

    لقد عمل صعود الإنترنت على تحدي هذه الذكريات الجماعية. لا توجد صحيفة في العالم تستطيع أن تدَّعي أنها عثرت على أنموذج رقمي دائم لأعمالها. بالتالي الصحف التي كانت في السابق تقوم على أيديولوجية محكمة أصبحت أوسع صدرا من أجل اجتذاب مزيد من القراء. معطيات "التلغراف" - مناهضة التكامل الأوروبي، والثقة بالمؤسسات، والدفاع عن الحياة الريفية - كانت أحيانا لا تنسجم مع عالم الإنترنت. لكن، في أعين كثير من القراء والصحافيين، هذه القيم بالذات، وليس اختصار التكاليف، هي التي يمكن أن تضمن بقاء "التلغراف".

    الأولوية للأرباح
    في ظل "باركليز" احتلت الأرباح السنوية المرتبة العليا. مشكلة الصحيفة ليست وجود رؤى تحريرية تفوق الحد، وإنما دون الحد. تعرضت خطط جالاجر إلى القمع، وكانت أفكار سيكن غامضة. في 2009 كان هناك تقارب بين "التلغراف" و"الجارديان" من حيث حركة الإنترنت. وبعد مرور خمس سنوات، اندفعت "الجارديان" (وإن كانت تتكبد الخسائر ومن دون "سور الدفع" الذي كان من السهل على "التلغراف" القفز فوقه)، وأصبح لديها سبعة ملايين متصفح يوميا تقريبا، في مقابل أربعة ملايين لـ "التلغراف". وهناك خطة استراتيجية جديدة، من إعداد سيكن، تشير إلى أن إيراد الاشتراكات والإعلانات سيستمر في الهبوط في "التلغراف"، ولا بد للصحيفة من التنويع حتى تتجنب أن تضطر إلى التخلص من مزيد من الصحافيين.
    ربما يتبين أن تسريبات أوبورن ستكون نقطة تحول. إن خسارة كاتب عمود مهم، والتمحيص في تعاملات "باركليز" التجارية، والإحراج أمام الجمهور، كانت جميعا غير مرحب بها على الإطلاق. ووفقا لصحافيين في الصحيفة، منذ ذلك الحين قلت الرقابة على المواضيع الحساسة. حتى تغطية بنك HSBC كانت ذات ضجيج مرتفع. في لقاء شبيه باجتماعات المجالس البلدية مع هيئة الموظفين هذا الشهر، أكد كريس إيفانز، رئيس التحرير، الفصل بين الجوانب التجارية والتحريرية. وقال "لن نأخذ أسئلة حول الماضي. نقبل فقط الأسئلة حول المستقبل". وهناك كثير منها.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X