خطوات على طريق الانتفاضة الثالثة

بقلـم : درور زئيفي

عـن "يديعوت"


روح اوسلو تُحلق في الأجواء مرة اخرى. الـمطلوبون من الـماضي يربتون بدفء على أكتاف من يطاردونهم من "الشاباك" وكلهم يلتقطون الصور أمام عدسة التلفاز مبتسمين. الفلسطينيون في الضفة يقعون مرة اخرى في إغراء الاعتقاد بأن الآخِرة تختبئ من وراء الأبواب، ونحن نقوم مرة اخرى بدفع أنفسنا نحو جدار أصم. كل الخطوات مُعدة من اجل اعداد الارض للقمة الاقليمية التي يخطط لها الاميركيون في تشرين الثاني من هذه السنة، ولكن من الـمنطقي الافتراض بأنها ستفشل في نهاية الـمطاف، وكما نذكر من الجولتين السابقتين، فشل القمة يعني استئناف اعمال العنف.

الدعم الجماهيري لاولـمرت يصل الى نسب مئوية قليلة جدا في الوقت الذي يُحلق فيه سيف لجنة فينوغراد فوق رأسه وتلاحقه الـملفات الجنائية الـمكدسة في مكتب الـمستشار القضائي للحكومة. في ظل هذا الوضع ليست لاولـمرت أية قدرة على تكرار ما نفذه شارون قبل عامين بالضبط : اقتلاع الـمستوطنات. هذه الـمسألة تحتاج القوة والسلطة والشعور بالتفويض الشعبي. ما قبله جمهور الـمستوطنين في الـماضي كقرار ديمقراطي يحظى بتأييد الشعب، سيُسجل الآن كمحاولة من قائد فاشل لانقاذ رأسه. هذه الـمسألة لن تمر.

في الجانب الفلسطيني الامور أكثر من ذلك تعقيدا. شعبية أبو مازن لا تختلف كثيرا عن شعبية اولـمرت. هو يُعتبر قائدا مترددا يفتقد للكاريزما. وهو خلافا لاولـمرت صرح من الآن بأنه لا ينوي ترشيح نفسه لولاية جديدة، والحكومة التي شكلها برئاسة سلام فياض هي حكومة انتقالية ذات صلاحيات محدودة حتى موعد اجراء الانتخابات الجديدة. هذه الحكومة لا تملك صلاحية التنازل عن حق العودة وعن أجزاء من فلسطين بدرجة أقل من الصلاحية التي تمتلكها حتى حكومة اولـمرت. الجمهور الفلسطيني سيرفض كل صفقة لا تتلاءم مع الـمعايير التي وضعها سلف أبو مازن، ياسر عرفات. أبو مازن يعرف ذلك ويدرك بأنه يضع رأسه على السنديان في كل اتفاق آخر يمكن أن يقبله، ولذلك سيمتنع عن التوقيع على الاتفاق الذي يتلاءم مع الـمعايير الاسرائيلية.

يعرف أبو مازن جيدا ايضا ديناميكية التوقعات التي تثيرها قمة من النوع الذي يخططون له، ولذلك هو يعود ويُحذر اسبوعيا من عقد مثل هذه القمة قبل التوصل الى اتفاقات واضحة حول كل الـمسائل. ولكن حتى اذا تحلى بالشجاعة بتحفيز من القادة العرب والاميركيين، ووضع روحه على كفه، ووقع على الاتفاق وفقا لـمعايير "اوسلو الـمطور"، "كامب ديفيد" أو "مشروع كلينتون"، كما يُسمي ذلك قدامى الـمفاوضين، يتوجب عليه أن يتذكر أنه لا يمتلك أية قدرة على فرض هذا الاتفاق على الأقل على نصف الـمنطقة التي يحكمها: قطاع غزة ليس خاضعا لسيطرته، وهناك مناطق في الضفة الغربية توجد له فيها سلطة ضعيفة وهي تعتمد على حسن نوايا أصحاب القوة الـمحليين. هذا من دون أن نذكر بعد الخطوات التخريبية الـمزمعة من قبل ايران وسورية.

العملية كلها قد تنهار مثل برج من ورق في اليوم الذي ستفشل فيه قمة السلام، عندما يعود أبو مازن واولـمرت بأيد فارغة وتندلع موجة عنف جديدة اسوأ من سابقاتها. ولكن الاثنين قد أصبحا سجينين في اطار ديناميكية العملية، وليس بامكانهما أن يقوما بكبحها.

في ظل هذا الوضع، ومن اجل الامتناع عن موجة جديدة من العنف، يتوجب على القائدين أن يقوما بخطوات تحضيرية. أولا، تحديد أهداف مقلصة قابلة للتحقق لهذه القمة - انسحاب الجيش الاسرائيلي من اغلبية اراضي الضفة، بناء البنى التحتية الاقتصادية الـمشتركة واعطاء رموز سيادية فلسطينية جديدة مثل العملة (رغم عدم الجدوى الاقتصادية لذلك). ثانيا، عليهما أن يعملا فورا على تخفيض التوقعات في الجانبين، يتوجب تحريك طواقم الدعاية والاعلام من اجل توضيح الـمصاعب التي تقف في طريق الجانبين والتأكيد على أنه لا توجد فرصة للتوصل الى اتفاق شامل في هذه الـمرحلة. وأخيرا، اعطاء الجمهور الفلسطيني الذي تتعلق به الـمسألة بصورة خاصة، أملا بالـمستقبل بواسطة التسهيلات التي تُطبق الآن.