إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لم يسبق أن واجهت إسرائيل مشاكل وجودية بهذا الحجم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لم يسبق أن واجهت إسرائيل مشاكل وجودية بهذا الحجم

    لم يسبق أن واجهت إسرائيل مشاكل وجودية بهذا الحجم

    بقلـم: أمنون دنكنر

    عن "معاريف"


    لست مرجعا شهيرا في البيولوجيا، ولكنني أذكر أن هناك ظاهرة تفقد فيها الاجسام الـمضادة السليمة صوابها فجأة داخل الجسم وتقوم بمهاجمته من الداخل بدلا من حمايته. هذه هي الظاهرة الأبرز حسب وجهة نظري في السنة الاخيرة.

    أنا على قناعة بأن الـمؤرخين في الـمستقبل سينظرون الى هذه السنة الغريبة بنوع من الدهشة والاستغراب. ما الذي انشغل به هؤلاء الناس بحق السماء؟ سيسأل الـمؤرخون انفسهم.
    آفاق اسرائيل تتلبد بالغيوم، والسحب تتجمع في السماء على الـمدى القريب والبعيد. هذا لـم يحدث أبدا في تاريخها باستثناء "حرب الاستقلال"، واسرائيل منذئذ لـم تواجه مخاطر وجودية كبيرة الى هذا الحد الى جانب مخاطر كنا ذات مرة نصاب بالفزع اذا سمعنا عنها، أما اليوم فنحن نشد الأكتاف ونقول: ليكن هذا قلقنا نحن.

    في جزء من هذا الوضع نتحمل نحن الـمسؤولية الـمباشرة لاننا قمنا بأيدينا برعاية مشروع الاحتلال والاستيطان، وبذلك دفعنا بالفلسطينيين نحو حياة الفاقة والفقر واليأس. من الـمحتمل جدا أننا اخطأنا لاننا لـم نعقد السلام مع سورية عندما سنحت فرصة جيدة لذلك، ومن الناحية الاخرى، من الواضح أننا سقطنا في مصيدة جذابة لا يقع فيها إلا الأغرار، عندما توجهنا الى اتفاق اوسلو. قمنا بتربية "حماس" كوزن مضاد لـ "فتح" فانفجرت في وجوهنا. كما أن الانسحاب من جنوب لبنان وفك الارتباط عن غزة لـم يكونا حكايتين ناجحتين كبيرتين، وقد أكلنا وسنأكل لشدة الأسف ثمارهما على مدى سنوات.

    ولكن من الـمسموح أن نقول أيضا إننا حتى لو لـم نفعل كل الامور الصحيحة، لكان من الـمشكوك فيه أن يتغير وضعنا الأساسي. هناك مجريات عالـمية أو اقليمية لا ترتبط بنا، وليست نابعة منا بالتحديد. تنامي الاسلام الراديكالي الحربجي لـم يحدث في أحضاننا وانما في حقول الـموت في افغانستان، وساحات القتال في البوسنة والشيشان، وفي البيضة الوهابية النابضة في السعودية. تحاول ايران التزود بالسلاح النووي، وهذا ليس بسببنا، رغم أننا قد نعاني من ذلك اذا حققت رغبتها.

    ورطة بوش في العراق لـم تحدث من أجل الـمصالح الاسرائيلية، إلا أن نتائجها قد تكون صعبة بالنسبة لنا. الوضع الداخلي في باكستان لا يرتبط بنا، ولكن هناك خطر وصول حكم انقلابي اسلامي لسدة الحكم في تلك الدولة التي تمتلك السلاح النووي. صحة مبارك العجوز ليست مضمونة لفترة طويلة، ومسألة استقرار النظام من بعده مسألة ذات اسئلة صعبة ومفتوحة تثير الـمخاوف بوصول الاسلاميين الى السلطة في تلك الجارة الجنوبية، حيث ستكون رهن اشارتهم ترسانة من السلاح الاميركي الحديث والفتاك، وسيكون ذلك النظام الـمعادي مسرورا اذا فتح ضدنا جبهة متوترة.

    في خلفية كل هذه الامور تتكتك الساعة ايضا حول شرعية اسرائيل الدولية، والاسئلة التي تطرح بصدد حقها في الوجود ونجاعتها للأسرة الدولية. الشكوك تعلو في جوهر الأمر بسبب التنديد الـمتواصل بوضع الاحتلال الـمفروض على الفلسطينيين. الحقيقة حول الوضع هي أننا امتطينا ظهر نمر، ونحن نتأرجح فوقه ونبدو كمن يُنكل به، بينما الوضع في الواقع هو أن من الصعب جدا والخطير النزول عن ظهره.

    الصحافي الاميركي توماس فريدمان، كتب قبل مدة غير بعيدة بأن الجميع يعرفون أنه لو ضمن لنا الفلسطينيون الهدوء والأمن لسنوات، لانسحبنا من كل "الـمناطق". وهذا صحيح، على الأقل بالنسبة للاغلبية الواضحة من الاسرائيليين. ولكن طالـما بقينا على ظهر النمر، وطالـما غمرت الـمشاهد الصعبة أنظار العالـم في هذا السياق، فستبقى شعبيتنا في تراجع مستمر.

    في الولايات الـمتحدة تتزايد الاصوات ضد قوة اللوبي اليهودي، وقد أصبح واضحا من اليوم أن ادارة متعاطفة مثل ادارة بوش لن تبقى في قادم الايام. في كل عام يخرج من الجامعات خريجون تغذوا بالدعاية الـمسمومة الـمناهضة لاسرائيل، والـمستقبل الديمغرافي لا يبشر بالخير: الجالية اليهودية في اميركا آخذة في التقلص بسبب الانصهار، وكذلك بسبب قطع العلاقات التنظيمية والعاطفية، حيث أصبح جزء متزايد من الأجيال الشابة غير مبالٍ باسرائيل بل مُعادٍ لها. الـمستقبل لا يبشر بالخير في قضية من، وفي أية حماسة سيكافح من اجلها عندما ينتقل الصراع من مرحلة الـمقاطعات الاكاديمية أو قرارات التنظيمات الكنسية أو النقابات الى القرارات الدولية الأكثر شمولية بمقاطعة اسرائيل كما حدث مع جنوب افريقيا في الـماضي.

    تسرب اسلحة الابادة الجماعية والـمواد الفتاكة الى جانب التصميم والاصرار والدهاء والخيال الخلاق الذي تتمتع به التنظيمات الارهابية الاسلامية وكذلك الدول التي تُضمر الشر لنا، يلقي علينا ظلالا ثقيلة مقلقة جدا. السرور الذي عبر عنه قادة الحكم عندنا في الايام الاخيرة يشير الى أن ما حدث ربما كان ناجحا جدا، ولكن من الصعب الاعتقاد بأن كل الـمخاطر الأشد صعوبة قد حُذفت عن جدول الاعمال.

    في مواجهة كل هذه الامور يرد الـمجتمع الاسرائيلي بجزء منه بصورة مخزية مخجلة. أغلبية الذين يستطيعون يُنظمون لانفسهم جوازات سفر اجنبية، شرق اوروبية بالأساس، وقد تلاشت أواصر التكافل الاجتماعي منذ زمن وأصبحت الفجوة بين الأغنياء والفقراء مسألة لا تطاق خصوصا على خلفية حرمان العمال من الـمستوى الـمنخفض من حقوقهم، مثل عمال الـمقاولين والتنكيل بهم والاساءة اليهم. باسم العولـمة والسوق الحرة الـمقدسين تنشأ هنا طبقة طاغية أنانية عديمة الشفقة. أما فلسفة ونهج النخبة الـمُحسِنة الـمُضحية فآخذة في التراجع ليحل محلها الادراك بأن لدينا هنا طغمة يوجد لها خدم وحشم، بمن فيهم الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي.

    هناك تهرب آخذ في التزايد ليس فقط من الخدمة العسكرية وانما من القيم الاسرائيلية السامية والهويتين الاسرائيلية واليهودية. هذه الظاهرة تُسجل بالأساس في اوساط أصحاب رأس الـمال الكبير والـمثقفين ووسائل الاعلام، لب الـمجتمع.

    أن تكون رئيس وزراء في اسرائيل في هذه الآونة فهذا منصب تقشعر له الأبدان تماما، ويحتاج الى الكثير من الـمناعة النفسية. أعترف أنني أحد الوحيدين الذين يعتقدون أننا قد فقدنا صوابنا في بحثنا كثيرا عن اعمال غير صالحة لرئيس الوزراء، كما زُعم في الـماضي، بدلا من أن نُركز على التهديدات الخطيرة التي يتوجب عليه أن يقود السفينة في مواجهتها. ولكن ذلك لا يحولني بعد الى أقل صدقا وأحقية.

    من السهل أن نُخمن سبب تحول اولـمرت بعد كل الهجمات التي تُشن من كل جانب، الى بطل بالنسبة لكل اولئك الـمقتنعين بوجود حرب بين أبناء الظلام وأبناء النور هنا. الـمخاوف تأتي من كل جانب، فتزرع التوتر في نفوس الناس، والـمجتمعات التي تكون في حالة حصار وخطر تنفس عن مخاوفها بالبحث القوي عن الضحايا. كل ونفسيته ومعسكره الأناني. ليس هناك فرق بين مجموع الشعب وبين النخبة. النخبة القضائية ردت من جانبها بالتمترس الهستيري في مواجهة محاولات التغيير التي يقوم بها وزير العدل، مُحولة إياه الى دمية يتوجب غرز الـمشابك فيها ثلاث مرات في اليوم. كل شيء يتحول الى شجار وبازار، فالجميع يبحثون عن التفريغ والتنفيس والترويح عن النفس، هذا في الوقت الذي تتربص فيه من خلف الأبواب مخاطر شديدة وحقيقية.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X