إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هدوء ما قبل التصعيد الخطير في العراق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هدوء ما قبل التصعيد الخطير في العراق

    هدوء ما قبل التصعيد الخطير في العراق

    بقلـم: دميان كييف و ستيفن بارل

    عن "هآرتس"

    بعد سبعة أشهر من بدء قوات التحالف برئاسة الولايات الـمتحدة عملية "السيل الجارف"، ما تزال انجازاتها في بغداد ضئيلة جدا. إن التوجه الأساسي نحو انحلال الـمدينة الى جماعات على أساس طائفي لـم يقف، ولـم تقم حكومة وطنية موحدة تتمتع بثقة الشعب. ومع كل ذلك، حسب معطيات قدمها الجيش الاميركي طرأ انخفاض كبير على اعمال القتل. بدأت الأسواق في كثير من الأجزاء التي جرّحتها الـمعارك في الـمدينة والـمتنزهات التي هُجرت في واقع الامر في السنة الـماضية تعود الى الحياة.

    حدثت عملية "السيل الجارف" بموازاة التحول الذي حدث لـمناطق سنية كثيرة، واستعان بحقيقة أن متمردين سابقين وأبناء قبائل كفوا عن تأييد التطرف العنيف، وسلّموا معلومات صادقة، وساعدوا الاميركيين على أن يجدوا ويقضوا على مصانع أعدوا فيها سيارات مفخخة. في حزيران، وفي تموز وفي آب انفجرت 23 سيارة مفخخة كل شهر في الـمعدل، قياسا الى 42 في الشهر في نفس الفترة من العام الـماضي.

    مع ذلك كان التأثير العام لهذه التطورات محدودا. حسب بلاغات منظمات انسانية قُتل سكان أحياء كثيرة في بغداد أو اضطروا الى الهرب. ترك أكثر من 35 ألف عراقي بيوتهم في بغداد منذ أن زاد مقدار القوات الاميركية.

    إن الأسوار الواقية الكثيفة التي بناها الاميركيون حول أحياء كثيرة زادت فقط احساس "البلقنة" في الـمدينة. يجب على التجار الآن أن يستأجروا سائقين مختلفين ينقلون بضائع الى اماكن مختلفة في الـمدينة، لان مسلحين مستعدون لأن يقتلوا بلا تردد غريبا ابن طائفة اخرى من اجل أن يسرقوا شاحنة مليئة بالـملابس. إن زيادة عدد الجنود بطأت لكنها لـم تقطع الحرب الأهلية في العراق. لا تزال بغداد مدينة يستطيع أن ينفجر فيها العنف الطائفي في كل لحظة وأصبحت فيها حكومتها الـمركزية ذات صلة أقل.

    كان يفترض أن تفضي زيادة عدد الجنود الى تحسين الوضع الأمني في بغداد، وأن تفضي آنذاك الى مصالحة وطنية والى انشاء حكومة مركزية قوية تُمكّن من خروج الجيش الاميركي. في الاسابيع الأخيرة نقل الرئيس جورج بوش وقادة جيشه التأكيد الى أحلاف جديدة مع قادة من أبناء القبائل حسنوا الوضع الأمني في اقليم ديالا، في الـمثلث السني وفي تجمعات سنية اخرى، وقد اختار بوش أن يزور اقليم الأنبار خاصة لا بغداد قبل اسبوعين.

    لكن عندما أعلن بوش خطته أن يرسل 20 - 30 ألف جندي الى العراق، أكد أن بغداد هي الـمحور الرئيس لاقامتها. عندما يختفي جو الارهاب من العاصمة، قال، ستزداد ثقة العراقيين بقادتهم، وسيصبح لحكومتهم مجال التنفس الضروري للتقدم في مجالات مهمة اخرى.
    ليس هذا ما حدث. يوجد الآن أكثر من 160 ألف جندي اميركي في العراق للـمساعدة في الحفاظ على أمن 25 مليون من البشر. في جميع أنحاء بغداد خرجت قوات عراقية واميركية من القواعد الضخمة التي مكثت فيها في 29 محطة أمن مشتركة، لتكون أقرب من السكان. لكن في حين تحسن الوضع في بعض الأحياء، ازداد سوءا في أحياء اخرى، لان الـمتمردين كانت لهم حرية أكبر بسبب العدد القليل من الجنود الاميركيين. لا يزال أهل السنة والشيعة يخاف بعضهم بعضا، وما زالت الكراهية تفور.

    العراقيون من جميع الطوائف مشغولون بالتزويد غير الـمنظم بالكهرباء، وبقلة أماكن العمل، وبالفساد الذي ازداد وبالذكريات الجديدة من فظائع القتال، لكنهم في مقابل ذلك ما زالوا يتصارعون على السلطة وعلى القوة.

    أخذت الأحياء الـمختلطة في العراق تفنى. حتى في الوقت الذي زيد فيه عدد الجنود الاميركيين، استمرت عصابات شيعية مسلحة في طرد أهل السنة من سبعة أحياء في بغداد على الأقل. أصبح جيش الـمهدي الـمخلص لـمقتدى الصدر، ما يسميه كثيرون "حكومة ظلال"، أما أهل السنة اليائسون فقد علـموا أن الجنود الاميركيين فقط يستطيعون الحفاظ على أمنهم.
    يبدو الصراع في تفكير كثيرين معركة بقاء. وفي نظر آخرين أثارت لحظة الهدوء اسئلة مقلقة عن انحلال الـمجتمع العراقي. في الاشهر السبعة الاخيرة أخذ يتضح احساس أن الاميركيين لـم يعودوا القضية الـمركزية. أهل السنة يخافون ايران أكثر من كل شيء، والشيعة في رعب من غُلاة أهل السنة ومن أفراد البعث.

    مستقبل شيعي

    إن علامات السيطرة الشيعية على حي العمال "الحرية" غربي بغداد تُمكّن من نظرة خاطفة الى مستقبل ممكن تسيطر فيه الشيعة على العراق بغير حكومة فنية فوق الطوائف. الـمساجد السنية في الحي خالية، ومحروقة ومدمرة، في حين تُقام تماثيل جديدة للأئمة من الشيعة. اختفى أهل السنة، واضطرهم جيش الـمهدي الى الـمغادرة. انخفض العنف منذ ذهبوا، لكن الارهاب وعدم الاستقرار لا يزالان على حالهما. هنا وفي كل منطقة اخرى في بغداد يسيطر عليها الشيعة، عزز جيش الـمهدي سيطرته على الحياة اليومية.

    يتعلق سكان "الحرية" الآن بمنظمة الصدر للتزويد بالغاز والادوية والاحتياجات الضرورية الاخرى. ويقول شيعة كثيرون انهم يعيشون عوض ذلك في خوف دائم تخوفا من طرق أبوابهم. يأتي مسلحون احيانا لاستعارة السيارة أو البيت، ويطلبون احيانا مساعدة في حاجز تفتيش أو في حصار لأحد بيوت أهل السنة من حي آخر. تحصل العصابة الـمسلحة على كل ما تطلب.
    "يجب عليك أن تبرهن على أنك مخلص لهم وإلا عشت في خطر دائم"، قالت لامية السعدي، وهي شيعية تعمل في الحكومة انتقلت لتعيش في "الحرية" قبل ثمانية اشهر بعد أن طُردت من حي عادل الـمجاور، الذي هو حصن سنّي.
    لاحظ القادة الاميركيون في "الحرية" قوة شبكة جيش الـمهدي بعد زمن قصير من وصولهم. في بداية أيار وافق ضابط شرطة شيعي في الاربعين من عمره، قتل جيش الـمهدي أخاه، على أن يُحادث جنودا اميركيين في الثالثة صباحا فقط بعد أن اجتذب صحافيا وضابطا الى غرفة مظلـمة بعيدة عن الشارع.

    قبل اسبوع كان الوضع مشابها. من اجل أن يحصل جنود من اللواء الجوي 82 على معلومة من أحد مصادرهم اضطروا الى انتظار نوم جميع سكان الحي. طُرد بعض قادة جيش الـمهدي، أو قُتلوا أو أُسروا لكن التهديدات من قبل الآخرين لا تزال على حالها.

    يزعم أبو سجات (!) أحد قادة جيش الـمهدي، أنه قائد بضع مئات من الـمقاتلين في "الحرية" وفي الأحياء الـمجاورة. ويزعم أن الاستقرار يسود الحي لان أهل السنة ذهبوا لا لأن الاميركيين جاءوا. وقال : "لن يستطيعوا حل منظمتنا، جميع الاميركيين في العراق هم أسرى فقط في الحقيقة".

    يقول أبو سجات انهم أقسموا يمين الولاء هو ورجاله لـمقتدى الصدر ووعدوا بقتل اميركيين أو سنيين اذا طُلب اليهم ذلك عوض 120 دولارا في الشهر ومع زيادة "تبرعات" يجبونها من جيران شيعة أو ضحايا من أهل السنة. وتحدث عضو أفتى في الـمنظمة بأنه قد مات شابان رفضا في تموز إطاعة أمر كهذا.

    يقول أبو سجات وهو في السادسة والثلاثين، وبائع سابق، انه كان سجينا لـمدة سبع سنين في فترة صدام حسين. ويقول انه لا يهتم ألبتة بالـمال وانه ينقل جميع الايرادات من "الحرية" الى الشيعة. إن تسويغه للهجمات على أهل السنة بسيط جدا فهو يقول: "بيوتهم لنا". "لقد احتلونا لأكثر من ألف سنة".

    أهل السنة يُجندون

    في غيضة بجانب الطريق في صدر اليوسفية، وهي قرية زراعية على الفرات جنوب غرب بغداد تنتمي الى الـمثلث السني بقايا شاحنة مفخخة حاول منتحر من "القاعدة" أن يفجرها في حزيران قُرب معسكر جيش الولايات الـمتحدة في الـمكان. وفي الطرف الآخر يقوم نحو ألف رجل سني يتصببون عرقا تراوح أعمارهم بين 18 - 35، وينتظرون بالدور فحص القدرة وامتحانات القراءة التي سيجريها لهم الجنود الذين أرادوا قتلهم أمس فقط.

    يريد جيش الولايات الـمتحدة بتمارين القدرة الجسدية تلك وامتحانات القراءة أن يصطفي الـمرشحين الـملائمين لقوة الشرطة العراقية التي تسيطر عليها أكثرية شيعية. يأمل أهل السنة هؤلاء اليوم أن يساعدهم الاميركيون على الاندماج في النظام العراقي الجديد الذي رفضوه الى الآن والذي رفضهم هو بدوره.

    لكن ليس واضحا ألبتة هل ستسعد الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها شيعة متدينون، قبولها شبانا من أهل السنة في الجيش؟. وليس واضحا ايضا هل سيقبل من أصبحوا، لاعتبارات النفع، حلفاء للاميركيين، طاعة السلطات الشيعية في بغداد. إن كثيرين من هؤلاء الشبان أبناء ضباط أو قادة خدموا حكومة البعث.

    رغم ارتياب رئيس الحكومة نوري الـمالكي بالحزام السني - والارتياب متبادل - فانه هو خاصة الذي أثمر أكثر الثمرات الـمحسوسة لسياسة الولايات الـمتحدة في العراق. يقف رجال شبان يلبسون دروعا براقة اليوم الى جوانب الشوارع ويراقبون في الحواجز، في نطاق نشاط حي متوسع، يسمى نشاط "الـمواطنين القلقين". في نطاق هذه الـمبادرة التي يمولها جيش الولايات الـمتحدة، يحصل ناس القبائل الـمحلية على عشرة دولارات في اليوم للحفاظ على الأمن في حيهم الذي يسكنونه.

    رغم دعاوى قادة في الجيش انهم لا يسلحون "الـمتطوعين" اولئك، يُصدّق ضباط جيش اميركيون أن القادة الـمحليين يستطيعون أن ينفقوا أجرتهم كما يحلو لهم، وأن يشتروا بها سلاحا، أو اجهزة مذياع أو سيارات. أصبحت "النهضة"، كما سميت الـمبادرة تطرح ثمارا اولى: فقد انخفض عدد الاعمال الانتحارية في بغداد ومن جملة اسباب ذلك أن الـمواد التفجيرية التي استعملت في العمليات أُنتجت في هذه "الـمناطق".

    لا شك في أن الحياة في معسكر الجيش في صدر اليوسفية قد أصبحت أسهل على الضابط بالـمر فليبس ورجاله. في الاشهر الخمسة الاخيرة انفجرت شحنتان جانبيتان فقط، وفي الاسبوع الـماضي استطاعت مجموعة من الضباط أن تنتقل في عربات في ساعات الليل الـمتأخرة في طرق جانبية كانت خطرة جدا قبل اشهر معدودة فقط. "نحن نحصل الآن على معلومات من الـمتطوعين الـمحليين، فهم يقولون لنا أمورا دقيقة جدا عن نشاط القاعدة، وعن الحواجز، وعن الناس، وعن طرق التزويد والأهداف"، يقول فليبس.

    لكن توجد ايضا توجهات خفية. ففي زيارة لصدر اليوسفية في الشهر الـماضي التقى الجنرال ريموند أودييرنو، نائب قائد القوات في العراق، شيوخا محليين. بيّنوا له أن تعاونهم لا يُعطى بالـمجان، وأنهم يتوقعون أن يستخرجوا منه ربحا ملـموسا، كالعمل، والسلاح، والـمركبات، والـمعدات العسكرية والكهربائية.

    وقد حذروه ايضا تحذيرا واضحا جدا، من أن الخطة الاميركية لانشاء اماكن العمل، التي تم قبولها في الحقيقة بالـمباركة، لن تنجح في إبقاء الجمهور في جانب الـمتراس الصحيح لزمن طويل. "نحن مصممون على طرد الارهاب عن مناطقنا، لكن لا يجوز نسيان أن مكافحة الارهاب يجب أن تكون متوازنة"، حذر ياسين عبد ال - غورتاني، وهو جنرال سابق في جيش صدام حسين. "ماذا سيحدث اذا انتهى عقدهم بعد شهر أو بضعة اشهر ووجد هؤلاء الناس أنفسهم بلا عمل ولـم يستطيعوا الانضمام الى الشرطة أو الجيش؟"، سأل. "نخاف أن ينضموا الى الجانب غير الصحيح وهكذا سنعود الى نقطة البداية".

    لقد فعل جزء منهم ذلك. يعترف فليبس بأنه قد اعتقل خمسة عشر "مواطنا قلقا" بـ "تهمة الصلة بالقاعدة". سُلـم أكثرهم بيد مشاركيهم في التفتيش في الحواجز. مع ذلك هو مقتنع بأن أكثر أهل السنة يريدون في الحقيقة وبصدق الاندماج مرة اخرى في الجهاز الذي 85 في الـمائة من قوات الشرطة فيه من الشيعة. وهو يستمد التشجيع ايضا من أن حكومة العراق أرسلت اليهم جهة رفيعة محاولة التوصل الى مصالحة. مع ذلك تم الأخذ بخطوات قليلة جدا في الاتجاه ويقول انه ما يزال لا يوجد لأهل السنة قُرب صدر اليوسفية أي عنوان حكومي يُتوجه اليه.

    يتوقع الجميع تقريبا أنه في اللحظة التي يغادر فيها الاميركيون ستزداد الحرب الأهلية في العراق. "سنقاتل الحكومة حتى آخر رصاصة"، هدد أحد أهل السنة ممن وقفوا في الشمس الحارقة في الصف للانضمام الى صفوفها. بخلاف ضعف قوة النار في مناطق اخرى من العاصمة، تعمل محركات العداء الطائفي بكامل قوتها في حي السعدية الـمختلط، ويتجول أفراد جيش الـمهدي وخلايا التصفية السنية في شوارع الحي الـمهجور.

    إن عداء أهل السنة لـما يرونه احتلالا ثلاثيا - من قبل الاميركيين والايرانيين والشيعة - يزيد فقط. "أخطر شيء هو هذه الحكومة والناس الذين يمثلونها"، يقول أبو هاشمي ابن الثامنة والاربعين. "كل من تسأله هنا هل يفضل أن يقتلوا جنديا اميركيا أم رجلا من جيش الـمهدي سيُجيبك: دع الاميركي، أُقتل الثاني. لان الاميركيين سيتركون العراق أما هم فسيبقون معنا".
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X