Announcement

Collapse
No announcement yet.

أولـمـرت وكـينيــدي

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • أولـمـرت وكـينيــدي

    أولـمـرت وكـينيــدي

    بقلم: الوف بن

    عن "هآرتس"

    بعد اشهر قلائل من دخول القائد الجديد للمنصب تورط في مغامرة عسكرية فاشلة في دولة مجاورة. قادة الاجهزة العسكرية والامنية الذين قادوا هذه العملية اضطروا الى الاستقالة، إلا أن القائد بقي جالسا على كرسيه. مر عام، فقامت دولة كبيرة من خارج المنطقة بوضع منشآت نووية مهددة. في هذه المرة تصرف القائد بمسؤولية واتزان. التهديد النووي أُزيل ومنع التدهور نحو حرب شاملة. مكانة القائد ارتفعت الى الأعلى على المستوى الشعبي وأُزيلت عنه وصمة الضعف الامني والعسكري وفقدان القدرة الردعية.
    المقصود ليس ايهود اولمرت والقرارات التي اتخذها في حرب لبنان الثانية و"الهجمة التي شُنت على المنشأة النووية في سورية وفقا للمصادر الاجنبية"، وانما جون كنيدي الرئيس الاميركي الذي قال عنه دافيد بن غوريون انه "سياسي أكثر من اللازم".
    كنيدي وافق مع دخوله الحكم في العام 1961 على المحاولة الفاشلة لاجتياح كوبا من خليج الخنازير. خصومه السياسيون أظهروه في صورة الخرقة في مواجهة فيديل كاسترو. في العام 1962 نصب السوفييت صواريخ نووية في كوبا. الاستخبارات الاميركية اكتشفتها متأخرة، إلا أن ذلك وفر لكنيدي فرصة العمر.
    بعد اسبوع من المناقشات والمداولات السرية فرض كنيدي حصارا بحريا على كوبا وألمح الى انه سيباشر في هجمة عسكرية اذا لم تتم إزالة الصواريخ من هناك. نيكيتا خروتشوف، القائد السوفييتي، تجنب المواجهة وأبعد الصواريخ بعد حصوله على وعد صامت باخراج الصواريخ الاميركية المتقادمة من تركيا. كنيدي خرج من هذه الحكاية عظيما: فقد أزال التهديد ومنع التدهور نحو كارثة نووية من دون أن يطلق أي رصاصة.
    أداء كنيدي في أزمة الصواريخ الكوبية اعتُبر نموذجا للقيادة المسؤولة في الظروف الضاغطة. من لم يتعلم عن ذلك في الجامعات ولم يقرأ أحد عشرات الكتب حول القضية فقد شاهد الفيلم. هناك قضايا تاريخية قليلة وثقت وبُحثت بصورة أكبر من هذه القصة. ولكن البحث يشير الى أن هذه القصة لم تتضمن فقط الجرأة والاصرار وانما ايضا الكثير من السياسة والسيكولوجيا. الباحث غرهام اليسون حلل في كتابه الكلاسيكي "خلاصة القرار" ازمة الصواريخ الكوبية وفقا لثلاثة نماذج مختلفة توصل الى نفس النتيجة.
    النموذج الاول يُظهر الدول وحكامها كلاعبين منطقيين يعملون من اجل دفع مصالحهم الوطنية. هذا النموذج شائع جدا في وصف العلاقات الدولة ومعروف جيدا لكل من أصغى الى تحليلات اهود يعاري عبر التلفاز. في القضية الكوبية سعى خروتشوف لتحسين مكانة الاتحاد السوفييتي في الصراع العالمي على النفوذ والقوة، أما كنيدي فقد أراد تكريس علوية اميركا وصدارتها. تناسب القوى أملى النتيجة: السوفييت حاولوا احراز النقاط بالمفاجأة ومن ثم تراجعوا في مواجهة قوة الولايات المتحدة الأفضل.
    النموذج الثاني التنظيمي يُظهر أن القادة مقيدون في اتخاذ القرارات، حريتهم في الحركة تعتمد على هيكلية تنظيمية تنفيذية واساليب العمل المتبعة وبالخصوص الجهازين الأمني والعسكري. اذا سُلح الجيش ونُظم ودُرب لحرب معينة فسيوصي القائد بالعمل وفقا لذلك ويجد صعوبة في الاستعداد لمجريات وسيناريو آخر. قائد سلاح الجو الاميركي ضغط على كنيدي لقصف مواقع الصواريخ في كوبا، ورئيس الـ "سي.آي.ايه" دفع خطط اغتيال كاسترو، أما وزارة الخارجية فقد بحثت عن مخرج دبلوماسي. قوة القائد وعظمته تنبع من قدرته على الموازنة بين توصيات الاجهزة المختلفة، ولكن في الظروف الازماتية سيجد صعوبة في ايجاد الحلول.
    النموذج الثالث السياسي يصف قرارات استراتيجية نتيجة لصراعات القوة ايضا في الساحة الشعبية وفي الدائرة الداخلية. ازمة الصواريخ ضبطت كنيدي عشية انتخابات الكونغرس حيث وضع خصومه فيها المشكلة الكوبية في مركز الحملة. وزير الدفاع قال له ان الصواريخ في كوبا هي مشكلة سياسية وليست عسكرية؛ هم لم يغيروا توازن الرعب إلا انهم ألحقوا الضرر بصورة الرئيس، ولذلك عليه أن يُظهر إصراره من دون المخاطرة بالحرب. القرار الذي اتخذ كان تسوية بين القوى الشخصية والقدرة على الاقناع عند اعضاء المجلس الوزاري المصغر ومستشاري الرئيس. كلهم خدموا القائد والدولة، إلا انهم فكروا بالتأكيد برصيدهم الشخصي ايضا. كل من يُسقط هذا التحليل التاريخي على الاحداث في اسرائيل 2007 يفعل ذلك على مسؤوليته.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X