Announcement

Collapse
No announcement yet.

الأزمة المالية··· البعد الأخلاقي

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الأزمة المالية··· البعد الأخلاقي

    الأزمة المالية··· البعد الأخلاقي



    مارجريت أتوود - نيويورك تايمز


    خفّت حدة الأزمة الائتمانية نسبياً في الأسبوع الماضي، وشجعت الأسواق المالية على التعويض عما خسرته في الأسابيع السابقة، بينما سادت الآمال في أن يستعيد الدائنون ثقتهم بالنظام المالي العالمي قريباً جداً. ولكننا لن نفعل شيئاً في واقع الأمر بمثل هذه الإجراءات، سوى إيهام أنفسنا بإمكانية الخروج السهل والسريع من الأزمة المالية الخانقة، التي عصفت بأسواق العالم مؤخراً. فليس مؤشراً لهذا الخروج أن نراقب مؤشر ''داو جونز''، وهو يسجل بعض الارتفاع النسبي لفترة مؤقتة وعارضة، ولأسباب مؤقتة وعارضة هي الأخرى. فالأزمة أعمق من هذا بكثير، وجراحها أشد عمقاً وغوراً. ولا سبيل لمداواة هذه الجراح سوى استعادة التوازن الأخلاقي الذي اختل مؤخراً ليفتح الطريق أمام الفوضى العارمة التي ضربت النظام المالي العالمي.

    فإذا نظرنا إلى الديْن، بمعنى من يدين لمن؟ وكيف يتم الوفاء به وسداده؟ لوجدنا أنه ظاهرة أشمل من مجرد المال بكثير. ذلك أن له علاقة قوية بشعورنا العام بالعدل والأمانة، وهو الشعور المتضمن في كافة المعاملات التي تتم بيننا والأشخاص الآخرين. غير أننا توقفنا في مرحلة معينة عن النظر إلى الديْن باعتباره علاقة شخصية بسيطة. والمقصود بهذا تضاؤل العامل الإنساني في عملية الاستدانة والسداد. وربما يكون لتضاؤل هذا العامل صلـــة ما بضخامــة حجم المعاملات المالية التي تجريها أجهزة الكمبيوتر في كل ثانية أو دقيقة من ساعات اليوم. وضمــن ذلك، نسينا حقيقة أن المدين ليس سوى طرف واحد فحسب من عملية ثنائية بحكم طبيعتها، يمثل الدائن طرفاً مكملاً فيها. ومن رأيي الشخصي أن عملية الاستدانة والسداد في مجملها، تقوم على جملة من المبادئ الأخلاقية الأساسية المغروسة في طبيعتنا البشرية.

    وأول هذه المبادئ أننا كائنات اجتماعية يتعين عليها التفاعل مع الآخرين من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة. والجانب السلبي من هذا التفاعل، هو إضمارنا للغبن متى ما شعرنا بأنه لم تتم معاملتنا على نحو منصف وعادل. ومن دون هذا الشعور بالعدل والإنصاف، الذي يتطلب تحلينا بقدر من النزاهة والأمانة، أي من دون وجود نظام فاعل لتحقيق العدل والنزاهة المتبادلة، ورد الحسنى بالحسنى والسيئة بمثلها، فإنه ليس لنا أن نتوقع أن يقدم أحد منا على إعارة الآخر شيئاً أياً كان. وفي المقابل، فإنه ليس علينا أن نتوقع أن يلتزم أحد بسداد ما عليه للآخرين أياً يكن الديْن المستحق عليه. وبالقدر ذاته، فإن علينا أن نتوقع أن يكذب الناس ويخدع بعضهم بعضاً، بل يسرقون وينهبون دون حياء أو شعور بالذنب، طالما غابت المبادئ والنظم التي نعاقب بها السلوك المنحرف السيئ، سواء في تبادل المال أم غيره.

    ولنذكر أن الأطفال يتعلمون قول عبارة ''ليس هذا عدلاً'' منذ وقت مبكر جداً وسابق بكثير لبدء تعاملهم مع النقود. فهم يتبادلون اللعب وغيرها فيما بينهم، ويحكمون على مدى نزاهة وعدالة أحدهم من خلال استعادته أو عدم استعادته للعبة المعينة التي استعارها. وبموجب تلك الأحكام السلبية والإيجابية التي يتوصلون إليها، يحدد الأطفال معايير تبادلهم الخاصة في مجال الألعاب. بهذا نصل إلى استنتاج أن جميع تفاعلات البشر فيما بينهم تنطوي تقريباً على ديون إما سددت أو أنها مستحقة وواجبة السداد. وفي كلتا الحالتين، فإما ساد التوازن والشعور بالعدل بينهم، أو حلت بينهم مشاعر الحنق والشعور بالظلم. وينطبق هذا الاستنتاج حتى على أبسط أشكال التفاعل والتعامل بين البشر. وعلى سبيل المثال، فإذا ما أفسح أحدنا الطريق لقائد سيارة أخرى وأعطاها أولوية المرور، دون أن تبدر من السائق الذي أعطيناه الأفضلية والأولوية، ما ينم عن شكره أو امتنانه لهذا الصنيع، فغالباً ما ينشأ الشعور بالحنق والاستياء لدى من تنازل عن حقه في أولوية المرور. والسبب هو الشعور بعدم عدالة سلوك الطرف المتنازل له. بل ربما يعلو بوق السيارة المتنازلة احتجاجاً على سوء المعاملة التي لقيها سائقها من السائق الذي تنازل له عن حقه، فتنقلب طيبة البعض ولطفهم وحسن أدبهم، إلى غضب جامح واحتجاج على ما يفعله بهم الآخرون اللئام! فهذه بعض مواضع وأمثلة الدين واسترداده، مما ليس لتبادل المال أدنى دخل فيها.

    وفيما لو بدأنا النظر إلى حياتنا اليومية من منظور علاقات الدائن-المدين لاكتشفنا عالماً مبهراً من العجائب والغرائب. ففي كثير من الأديان السماوية وغير السماوية، ومنها التراتيل التي كنت قد حفظتها ورددتها منذ طفولتي الباكرة: ''ربنا اغفر لنا ديوننا إن نسينا دائنينا'' على سبيل المثال، تغلب هذه العلاقات. بل إن كلمة ''الديْن'' في اللغة الآرامية التي كان يتحدثها المسيح عليه السلام، تعادل في معناها ومدلولها كلمة ''الإثم''. وربما ينشأ لدى الكثيرين اعتقاد بأن الديْن المقصود هنا هو الديْن المعنوي أو التعدي على الغير وما شابهه، إلا أن الديون المادية توصف هي الأخرى بأنها إثم عظيم. والفكرة التي ترسخها المعاني الدينية هذه، هي أنه وفي حال عدم وفاء أحدنا بسداد ما عليه من دين، فإن في ذلك ما يلحق الضرر بالآخرين. وتكاد لا تخلو ديانة من الديانات، من الحديث عن عدالة السماء ويوم القيامة لجميع مظلومي الأرض والحياة الدنيا. وفي ''الكوميديا الإلهية'' للشاعر دانتي -وهي كوميديا مستوحاة من روح الأديان- يعتبر ''الجحيم'' المكان الذي يتذكر فيه الظالمون والمعذبون كل ما فعلوه بالآخرين وما أتوه من آثام في الدنيا، في حين يرمز ''الفردوس'' إلى المكان الذي يتجاوز فيه الإنسان ذاته الخاصـــة، ويتحـــول فيـــه إلى كائن خالد مطهر من جميع الآثام، بما فيها آثام الدين غير المسترد.

    ونجد التأثير نفسه لهذه العلاقات طاغياً على الكثير من الأعمال الأدبية العظيمة. في مواجهة الأزمة المالية الحالية، فإن من الواجب تأمل هذه القيم والمعاني التي تؤكد حرصنا على تحقيق ''الصالح العام'' للجميع، وتدفع بنا لحمايته وحماية الجنس البشري، وحفظ توازن الحياة كلها على كوكب الأرض. وليس في هذا الحل ما يمكن إنجـــازه بين يوم وليلة، أو بمجرد ضخ الأمـــوال في البنوك أو بسن التشريعات والنظم والقوانين المالية وحدها.



    *مؤلفة كتاب السداد: الديون والوجه المبهم للثروة


    _عن الاتحاد الاماراتية
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X