إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التجنيد الإجباري

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التجنيد الإجباري

    التجنيد الإجباري


    د. عدنان بن عبد الله الشيحة



    26/06/2005






    ها قد أقبل الصيف يجر معه فقاعة كبيرة من الفراغ تسمى العطلة الصيفية. وبالنسبة لكثير من طلاب المدارس والجامعات وخاصة ممن لا يستطيعون السفر تكون الإجازة الصيفية حِملاً ثقيلاً مملاً. فالبعض يسهر الليل حتى الفجر (منهم من ينام دون أن يصلي الفجر) ليصحو عند العصر ومن ثم يتسمرون أمام التلفاز لمشاهدة ما يجوز وما لا يجوز أو الانخراط في الألعاب الاإكترونية أو يتسكعون في الأسواق أو يهيمون في الشوارع والطرقات.

    الوقت كما الموارد الأخرى من حولنا نستنزفه بتبذير دون محاسبة للنفس ومبالاة بالآخرين. كأنما لو أن البعض تلبسته الأنانية البغيضة وسيطر على تفكيره ''أنا و إلا فلا'' فغدا في سباق محموم نحو أخذ كل شيء وتملك كل شيء لنفسه دون التفكير في الآخرين. بل قد يصل الاعتقاد لدى البعض أن نجاحه هو في فشل الآخرين أو انتزاع حق الآخرين. فبدلا من أن يتطاول في البنيان يهدم المباني التي من حوله حتى يبقى مبناه الأطول! . ونظرة فاحصة لما يدور حولنا تؤكد هذه النظرة الأنانية للكثيرين على جميع المستويات. على سبيل المثال البعض يستخدم الطريق وكأنه الوحيد الذي يملك حق الطريق يقود سيارته كيفما يشاء دون مراعاة للآخرين وبطريقة تنم عن تدني مستوى الوعي، وآخرون يضايقون المتسوقين بتصرفاتهم وكأنما ليسوا في مكان عام بل في حفلة خاصة، والبعض الآخر يقذف بالمخلفات في كل جانب ويبصق ويتلفظ على الجميع بكلمات نابية وحركات ممقوتة ويتعدى على الآخرين دون سبب إلا أن يكون ذلك جزء من ثقافة الرجولة والبطولة برفض أو رفس الآخرين! وغيرها كثير لا يتسع المجال لذكرها.

    لا أدري ما السبب لذلك، هل هو طبيعة بيئتنا الصحراوية القاسية التي يشح فيها الماء والكلأ، فنشأت النزاعات والحروب فيما مضى من أجل البقاء والحياة فتكونت قناعات تحولت مع مرور الوقت إلى قيم في داخلنا في أن الصحراء الواسعة لا تكفي لنا جميعا وإن لم تظلِم الناس تُظلم وبالتالي النزعة نحو التسارع في الحصول على كل شيء بأي طريقة كانت حتى لو على حساب الآخرين.

    أم أن الاقتصاد النفطي الذي نتفيأ ظلاله في رغد من العيش حوّل كل شيء من حولنا (إلا هذه القيم، بل أعتقد أنه زاد من تمسكنا بها)، قد جعل لدينا الإحساس بأننا نستطيع الحصول على الأشياء دون عناء ودون إنتاجية ودون معايير واضحة تقرر من يحصل على ماذا. وأخشى أن يؤدي ذلك إلى ترهل الاقتصاد إذ لم تتضح العلاقة بين الإنتاج والدخل وأن للإنسان ما سعى.

    ففقد الشباب المعادلة الصحيحة بين العطاء والأخذ وغاب عنهم أنه من أجل الحصول على الشيء يلزم بذل الجهد الموازي له. من هنا تقاعس بعض الشباب عن العمل والجد والمثابرة لأن هناك ممن تحول إلى الثراء بسرعة البرق وكأنهم أغنياء حرب.

    فبين ليلة وضحاها أصبح الموظف الصغير أو حتى الكبير في القطاع الحكومي رجل أعمال يشار إليه بالبنان ويحتل مكانة اجتماعية كبيرة ليس لشيء وإنما بسبب صفقة تجارية أو عقارية دل عليها وسهل مهمة الحصول عليها. هذه المظاهر تجعل الشباب يتوهمون أنهم يستطيعون أن يحصلوا على كل شيء وأن يكونوا أي شيء ويمنون النفس بأنه يوما ما سيطرق الحظ السعيد أبوابهم وينالون كل شيء وما عليهم إلا الانتظار! ولم يعلموا أن ذلك سراب يحسبه الظمآن ماء.

    فالتوقعات كبيرة، بل هي وهم كبير يعيشه الكثيرون ليعطوا أنفسهم مساحة من اللامبالاة ليفاجئوا بعد حين بواقع مرير يخالف توقعاتهم. أعتقد أن هذا التصور لدى الشباب هو جوهر المشكلة التي نعاني منها في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية.


    فإفرازاتها تأخذ أشكالا عدة: الاتكالية، اللامبالاة، الكسل، الأنانية، التصرفات غير الحكيمة وغير النظامية، عدم الاهتمام بالصالح العام. وربما نشأ عنها تعاطي المخدرات والسطو المسلح وعمليات إرهابية.


    كما أن نظام التعليم الذي يعتمد على أسلوب التلقين وما يتبعه من تصرفات بعض المدرسين غير التربوية عمق هوة العلاقة بين الجهد المبذول والناتج ولا أقول النتيجة. فالطالب مسلوب الإرادة لا يعلم لماذا يتعلم. يحفظ ويحفظ ومن ثم ينسى لأنه لا يمتلك المعلومة فهو يدرس من أجل البقاء وتحقيق الحاجة وليس للمعرفة والقناعة بفائدة ما يتعلمه وفهم معانية والمغزى منه وتطبيقه في واقع الحياة.


    بل إن المناهج ترسم أحلاما وردية ومثاليات لا يجدونها في واقعهم. بهذا الأسلوب التربوي الفريد نخرّج طلابا لديهم هشاشة في التفكير! لا يستطيعون أن يقرروا لأنفسهم مشوشين نُعدُهم لأن يقبلوا لا أن يطوروا وأن يوافقوا دون أن يتوافقوا وأن يعلموا دون يعملوا!


    من تجربتي في التعليم العالي على مدى 20 عاما أستطيع القول إن غالبية الطلاب يفتقدون الاستقلالية في التفكير والنضج النفسي والقدرة على المحاورة والنقاش والاهتمام بالقضايا العامة.

    بل إن معظمهم يود أن يحصل على أكبر درجة بأقل جهد ممكن! ولم العجب فهذا انعكاس لما يدور من حولهم. حتى أن بعض الطلاب لا يستنكف من المجاهرة بالقول إنه حصل على درجة عالية بالغش!

    وامتدادا لذلك يستبشر الباحثون عن العمل من الخريجين دون حياء بأنه حصل على عمل لا يتطلب جهدا كبيرا! لقد أصبح شبابنا يحلمون أحلام اليقظة حتى بدت لهم الحياة وكأنها شاشة كبيرة متصلة بإحدى الألعاب الإلكترونية ما عليهم إلا الضغط على الأزرار فتستجيب لهم الدنيا فهذا ما تربوا عليه.


    في هذا السياق اشتكى لي أحد أعضاء هيئة التدريس من كثرة الحوادث المرورية لطلاب السنة الأولى، بل إنه حدثني عن منظر رآه بأم عينه كيف أن أحد الطلاب اصطدم بسيارته مع سيارة زميله مع إمكانية تحاشيه! وهذا يؤكد العقلية الإلكترونية والبيئة الافتراضية التي يعيشها شبابنا.


    من هنا أرى أن يكون هناك تجنيدا إجباريا يدرب الشباب على القوة والتحمل والانضباطية والمجاهدة وتحمل المسؤولية والاستخشان. كما أن جمع الشباب في معسكرات التدريب من شأنه تعميق روح الترابط والتعارف بين أبناء الوطن واكتساب المهارات والاتصال الاجتماعي وتفهم الآخرين وتقبل الرأي الآخر والتحاور والنقاش في المواضيع العامة والتخلي عن الأنانية. إن التدريب العسكري من شأنه إعادة تثقيف الشباب وتعليمهم قيما جديدة أهمها أن العمل الجاد منج لصاحبه وأن الشخص يكافأ حسب عطائه. إضافة إلى الاهتمام بصحة البدن وممارسة الرياضة.


    إن التجنيد الإجباري الأرضية المشتركة التي تعلمنا أن حب الوطن ليس كلاما معسولا أو ألفاظا نقولها بألسنتنا وإنما جهاد للنفس وتفان في البذل والعطاء وفكر واع مستنير وقيم راسخة ثابتة لا يغيرها الزمان ولا المكان ولا الأحداث. يعلمنا أن الارتباط بالوطن أكبر من لبس الزي الشعبي أو أن تهتف للمنتخب الوطني أو تشارك في برنامج ستار أكاديمي. لقد حان الوقت أن نكون أكثر جدية في توجيه الشباب وتصحيح نظرتهم نحو الحياة قد يكون التجنيد الإجباري نقطة البداية.



    -----------------------------------------------------------------------------------------


    تعليق

    لا أدري لماذا لا يتم تطبيق التجنيد الإجباري!!!؟

    هل هو تخوف من تدريب الشباب على المهارات العسكرية!!!؟

    هل هو تخوف من تعميق روح الترابط والتعارف بين أبناء الوطن0

    هل هو تخوف من اكتساب الشباب المهارات والاتصال الاجتماعي وتفهم الآخرين وتقبل الرأي الآخر والتحاور والنقاش في المواضيع العامة والتخلي عن الأنانية.


    ابو ماجد التميمي
    المؤمن: قوة في لين ، وحزم في دين ، وإيمان في يقين ، وحرص على الحلم ، واقتصاد في نفقة ، وبذل في سعة ، وقناعة من فاقة ، وإعطاء في حق ، وبر في استقامة
يعمل...
X