الثنائية القاتلة في بلاد الحرمين!

06-4-2005


كل المعطيات والظروف تغيرت إلا نظام الحكم، وسياساته وأدواته وآليات إدارته لشئون الوضع، مشكلة بلاد الحرمين أنها لا تعرف وجها ثالثا ولا طريقا ثالثا، فأنت مخير فيها بين الخضوع والإذعان لسياسة الحكم واعتناق عقيدة تفويض شئون البلاد والعباد إلى الحاكم وبين المفاصلة والمغالبة وإتباع سبيل جماعات العنف، ليس هناك متنفس آخر، اللهم إلا هامشا محدودا، بحيث يمكنك الحديث عن كل العالم إلا بلادك، و حتى هذا العالم فيه من "المحظورات" أكثر من المباحات.

بقلم المحرر





تفاجأ الجميع بحجم وسخونة المواجهات التي شهدتها مدينة الرس بالقصيم وباستغراقها الزمني وتفريعاتها و فصولها الدموية، ومن دون الخوض في التفاصيل، فإن ما يثير المخاوف هو سيادة و هيمنة الثنائية القاتلة على المشهد السعودي الراهن: أجهزة أمنية وجماعات عنف مسلح، في ظل غياب شبه كلي لأطراف فاعلة أخرى. و يبدو أن هذه الثنائية تعكس إلى حد كبير الفراغ القائم في البلد، فلا مؤسسات مجتمعية ولا عمل أهلي ولا حراك سياسي سلمي ولا اقتصاد قوي، ولا معالم واضحة لمستقبل سياسي قائم على الانفتاح المجتمعي.


من يفكر في إمكانية القضاء على العنف المسلح في ظل الوضع القائم فهو واهم، فالعراق يشهد معركة مفتوحة واليمن مصدر مغري لتهريب وتجارة الأسلحة، والوضع الداخلي يراوح مكانه، ومن يعزل ما يحدث عما يدور في العراق فهو مخطئ. والفراغ القاتل يهدد المجتمع والنظام على حد سواء بمزيد من النمطية والجمود، ويغري الآخر المتربص بالتدخل وإعادة ترتيب الوضع.


الجمهور خائف وساخط على جماعات العنف وسياسات النظام، وغارق في سلبية مكبلة، وشيوخ الإصلاح لم يتجاوزوا السطح في المعالجة والرؤية وظلوا متمسكين بخطاب الإدانة والتحريض ضد جماعات العنف المسلح.


كل المعطيات والظروف تغيرت إلا نظام الحكم، وسياساته وأدواته وآليات إدارته لشئون الوضع، مشكلة بلاد الحرمين أنها لا تعرف وجها ثالثا ولا طريقا ثالثا، فأنت مخير فيها بين الخضوع والإذعان لسياسة الحكم واعتناق عقيدة تفويض شئون البلاد والعباد إلى الحاكم وبين المفاصلة والمغالبة وإتباع سبيل جماعات العنف، ليس هناك متنفس آخر، اللهم إلا هامشا محدودا، بحيث يمكنك الحديث عن كل العالم إلا بلادك، و حتى هذا العالم فيه من "المحظورات" أكثر من المباحات.
أظهرنا مقدرة فائقة في التصدي للعنف الداخلي، وتجلى هذا بوضوح في بلاد الحرمين، وهذا بحد ذاته نجاح في بلورة رأي عام رافض للانجرار وراء صيحات الاحتراب، لكننا لم نتحرك خطوة في التعامل الإيجابي مع ظاهرة الوعي الجماهيري، والتفافه حول قضاياه المصيرية، والذي يعد بحق "غنيمة العصر"، من خلال الانخراط في أعمال النفع العام والعمل الأهلي والحراك السياسي السلمي. وهنا يبرز سؤال الآليات المتاحة والممكنة لكسر الاحتكار المزدوج للملفات والاستئثار التاريخي للحراك، ليس بهدف منازعة الحكام ومغالبة الأنظمة، ولكن لممارسة حقنا في التغيير الهادئ السلمي ومحاولة التصريف المنهجي والمنظم والمؤثر لهذا "الوعي الجماهيري". لقد ولى عهد احتكار "البرجوازية" والنخبة والعلماء بملفات الإصلاح، وما عاد حديث العالم يقنع خارج حدود الخطاب الديني ومن باب أولى النخب السياسية، خاصة مع الحالة المتقدمة للوعي الجماهيري. وكيف لنا أن نحقق التوازن الدقيق والرفيع بين طرفي المعادلة، الضغط على الأنظمة لتبني إصلاحات سياسية عميقة وجادة من جهة، والبعد عن إضعاف موقف الحكم أمام الضغوط واجتياح الهيمنة الأمريكية من جهة أخرى، بينما الجماهير مبعدة من أي عملية سياسية سلمية، ويستبد بها إحساس بأن صوتها لن يسمع وأن رأيها لا يؤبه به. إلى الآن لم تنقل الطبقة السياسية والقوى الإصلاحية المجتمعات خطوة نحو المشاركة الفاعلة والضاغطة في العملية السياسية والاجتماعية السلمية. بل وأسوأ من ذلك، ساهمنا، بشكل أو بآخر، ليس في إبعادها من المشاركة في العملية الإصلاحية وحسب، وإنما عمقنا شعورها بالتهميش. إنه من العجز أن نحتمي بخطاب الإدانة، سواء إدانة السلطة أو إدانة جماعات العنف، ونتوقف عنده، وباسم "منهج الأنبياء في الدعوة والتغيير" نبرر الشلل، ونقصي قطاعات واسعة من المجتمع في العملية السياسية السلمية، ولأنني استأثرت بموقع المعارضة وحجزت مكانا متقدما في خضمه من أمد بعيد، أركن إليه وأحتكر ملفات الإصلاح، وتصبح العملية السياسية دولة بين "علية" القوم في السلطة والمعارضة! أكثر الأفكار الإصلاحية والمعادلات السياسية التوفيقية صيغت من سنوات، وهدينا إليها بعد نضالات ومخاض عسير، لكننا إلى اليوم ما زدنا على تطوير الصياغة وتنميقها دونما أي إنجاز على مستوى الآليات والمقدرة على التحريك الإيجابي وتوسيع نطاق ودوائر الانخراط والمشاركة في العملية السياسية والاجتماعية السلمية، وما عاد خطابنا خارج الإدانة مقنعا ولا مؤثرا.


منقول من مجلة العصر

http://www.alasr.ws/index.cfm?method...ContentId=6524