الديمقراطية هي حرية الآخر :

فلما كان الفرد نزاعاً الى السيطرة والانانية ، فان تعارض الافراد واختلاف مصالحهم امر طبيعي ، ولما كان الفرد هو انا بالنسبة الى نفسه وآخر بالنسبة الى غيره ، فان الذاتية تعنى الاستقلال والحرية .

لذلك كانت حرية الآخر هي الضمانة الاكيدة لحريتي تتجلى في الحياة الاجتماعية وما ينطبق على الافراد ينطبق على الجماعات والفئات والاحزاب والامم والدول .

- الديمقراطية هي المساواة :

لاشك ان المساواة واردة بقوة في الاديان السماوية ، وفي الفلسفات التي وضعت الانسان خليفة الله على الارض وفي اساس منظومته الفكرية .

ولكن هذه المساواة قائمة على الاختلاف والفرق اللذين يؤسسان التعارض والتناقض .. ومن هنا كان التاريخ الواقعي هو تاريخ عدم المساواة والنضال من اجل المساواة ، ولذا كانت العدالة الاجتماعية والغاء الفروق المجحفة بين الناس واتاحة الفرصة امامهم للنمو والغاء الاستغلال والعمل على سيادة القانون هي شروط ضرورية للمساواة والحرية في المجتمع .

- الديمقراطية مرتبطة بالعمل والانتاج الاجتماعي :

فالمجتمعات التي تسود فيها قيم العمل والانتاج تشعر بحاجة للديمقراطية التي ترسم حدود الحرية بوصفها شكل ممارسة المجتمع والدولة ، وفي واقعنا العربي المعاصر نجد ان دولة شمولية كفت عن كونها تجسيداً للشأن العام والمصلحة الوطنية واصبحت أداة قمعية واستمراراً للاستبداد الشرقي المنبعث من جوع التاريخي الابوي ، او ضرباً من كومبرا دورية تؤدي وظيفة محددة في النظام العالمي في شكلها الحديث .

- الديمقراطية مؤسسة على مفهوم الحق وليس على مفهوم القوة:

ومفهوم الحق يحيل الى ميدان السياسة بوصفها علاقات موضوعية ويحيل بالتالي الى ميدان التمدن والتحضر والتقدم ، اما مفهوم القوة فيحيل الى علاقات العنف والاكراه والتوحش في اللاشعور الجمعي، فالديمقراطية هي تعبير عن ارتقاء التعارضات الاجتماعية الى مستوى سياسي ، وهي بهذا المعنى تفرض اتساق الوسائل والاساليب مع الاهداف فتدخل في ذلك ميدان الاخلاق او تدمج الاخلاق بالسياسة في عملية عقلانية رفيعة المستوى ، ولذلك ايضاً كانت دولة الحق والقانون هي اساس الدولة الديمقراطية .

- الديمقراطية طريقة للتفكير واسلوب في الحياة ، ونمط متقدم حقاً للعلاقات السياسية :
وذلك لانها تقوم على موضوعية الطبيعة والمادة ونسبية الحقيقة وتغيرها واحتمال خطأ الذات ، والاعتراف بالحق والصواب الذي لدى الآخر.. واعمال العقل مما يفتح امكانية التفاعل وتبادل التأثير والتناقض، من هذه الزاوية تتسق الديمقراطية مع منطق التاريخ وفكرة التقدم ، بوصفها طريقة في التفكير والسلوك الاجتماعي .

واخيراً فان اختيار المجتمعات العربية اليوم للديمقراطية جاء تلبية لحاجة حقيقية للخروج من واقعها المؤلم المعاشي ، والمطلوب هنا ان لاتكون الديمقراطية مجرد نظاماً دستورياً يطبق ، بل حياة تسعى الشعوب الى تحقيقها وتناضل من اجلها .. وهنا لايكون السؤال هل ثمة نظام ديمقراطي بمقياس العصر ام لا ؟ بل يكون .. هل نحن نتقدم نحو نظام ديمقراطي يكون مثلاً اعلى يوجه ويقود جهد البشر ؟

وهنا تكون كل خطوة فكرية او قانونية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية او تربوية تحرر الشعب من التخلف هي خطوة ديمقراطية نحو النظام الديمقراطي وهنا تكون ايضاً كل ردة فكرية او قانونية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية او تربوية عما اكتسبه الشعب فعلاً هو هدم وتدمير وانهيار في بناء الديمقراطية غير المكتمل ، يعود بالشعب الى بداية الطريق ليدفع مجدداً ثمن التقدم نحو الديمقراطية .

انه حقاً لظلم شديد للشعوب النامية ومنها شعبنا العربي ان تحمل عبء اعادة تجربة البشرية كلها ، كأن البشرية لم تدفع اثماناً باهظة لدفن الاشكال المنحطة والبدائية من الاستبداد في مزيلة التاريخ .

- الديمقراطية النقابية :

الديمقراطية كما اوضحت منظومة ثلاثية تقوم على مبادىء الحرية والمشاركة والمساواة والحرية بصفة خاصة تمثل للنقابات اساس النهضة ومبعث الاستقرار والامانة .

فالديمقراطية في العمل النقابي لاتختلف كثيراً عن الديمقراطية في الدولة ، فحين تكون النقابة صغيرة ومحلية يكون من السهل ان يجتمع كل اعضائها ليشتركوا في ادارة شؤونها ، وهنا تمارس الديمقراطية المباشرة ، وعندما كبرت النقابات المحلية ونشأت النقابات القومية على امتداد الوطن اضطرت النقابات العمالية الى الاخذ بنظام الديمقراطية غير المباشرة .
ان ابسط معاني الديمقراطية النقابية هي ادارة المنظمات العمالية بواسطة العمال لمصلحة العمال ، وتحقيق الديمقراطية الغير مباشرة يتطلب:

1- ان يضع العمال من وحي انفسهم وبارادتهم الحرة دستوراً ديمقراطياً ينظم عمل النقابة ويحدد الحقوق والواجبات وينص على الضمانات اللازمة لحماية العمل النقابي .

2- ان يتبع الحكم من القاعدة أي ينتخب العمال انفسهم قيادتهم.

3- ان يكون حكم القادة للعمال طبقاً للدستور ، وان يكون الفصل في أي خلاف هو رأي الاغلبية .

4- ان يملك العمال مراقبة القادة النقابيين ونقدهم وتوجيهم بل تغييرهم واحلال غيرهم محلهم بصفة دورية نظامية او كل ما اقتضت الضرورة.

5- ان تقوم المستويات الاعلى بعقد مؤتمرات قاعدية لتوسيع قاعدة الديمقراطية .

والحقيقة التي لاجدال فيها ان هذه الديمقراطية النقابية لم تأتي من فراع او هبة ، وانما انجازاً دفع العمال في سبيله الجهد والعرق والدم.

- دور النقابات في ارساء الديمقراطية :

كانت النشأة الاولى للنقابات في كنف نظام طوائف الحرف الذي كان اشبه بنقابة اجبارية والذي عرفته دول كثيرة من بينها مصر والشرق القديم .

لقد كان هذا النظام جزءاً من نسيج المجتمع الذي نشأت فيه، ولم تستطع تلك الطوائف ان تحدث تجمعاً جماهيرياً ، يدافع عن مصالح العمال ولكنها كانت تتكون من الصبية والعرفاء والرؤساء ، وكان يحكم كل طائفة شيخ الطائفة وهناك رئيس عام يرأس كل الطوائف يسمى (السرنجار) وهو شيخ شيوخ الطوائف الذين ينتخبهم اصحاب الاعمال ويفرضون ارادتهم على العمال . " موجود لدينا بالسعوديه " انتبهو !!

لهذا اتجهت الحكومة البريطانية الى سن قوانين ضد العمال وضد اية محاولة يمكن ان يقومون بها لرفع الاجور او تقصير ساعات العمل او تغيير ظروف العمل وكانت تسمى تلك القوانين بقوانين التآمر في الفترة 1305 – 1549م.

هكذا قامت المحاولات الاولى للحركة النقابية في اوروبا ، وبالذات في انجلترا حيث انها اول بلد في العالم تأخذ بأسباب التصنيع في اواخر القرن الـ 18 واوائل القرن الـ 19 وبذلك تعتبر الحركة النقابية من نتائج الثورة الصناعية ، ولهذا ايضاً يقال ان كل نقابات العالم مدنية الى جد ما للرود النقابيين في انجلترا رعيل الحركة النقابية الاولى.

لقد ابتدع العمال البريطانيون شكل واسلوب الحركة النقابية في ظل الظروف التي احاطت بالصناعة الانجليزية ، حيث تشكلت نقابات في كل حرفة او مهنة .

ليس التصنيع وحده هو السبب الاوحد في انجلترا وراء ظهور فكرة التجمع العمالي الذي انتج في النهاية نقابة تضم العمال ، وانما كان لسيادة المبدأ الديمقراطي والديمقراطية النيابية والحريات العامة وراء ذلك الحدث الجديد .

وكان للثورة الصناعية اثرها الكبير في تغيير اسلوب الانتاج وعلاقات العمل ن حيث ادت الى الاخذ باسلوب الانتاج الكبير والى التنافس بين الدول للسيطرة على الاسواق الخارجية لتصريف منتجاتها وهو ما ادى الى ظهور الاستعمار ، وادى اختراع الآلة التي تدار بالقوى المحركة الى تركيز الصناعات وتجمع العمال باعداد كبيرة في المصانع، وترتب على ذلك انعدام الروابط التقليدية التي كانت قائمة في ظل نظام الطوائف وتباعدت الفوارق بين الطبقات .

لذلك كان لهذا التطور الصناعي الجديد اثر عكسي على العمال ، سواء من حيث انخفاض الاجور او زيادة ساعات العمل او ظروف العمل هذا بالاضافة الى التشريعات التي كانت تقييداً لحرية العمال في التجمع والاتحاد في سبيل تحسين ظروفهم السيئة الى ابعد الحدود ، ولكن في المقابل ادى الى نضال العمال ووحدتهم

وشهدت تلك الفترة صراعاً دموياً بين العمال واصحاب العمل فلجأ اصحاب العمل الى جلب العمال من الدول الاجنبية لتحطيم الاضرابات التي لجأ اليها العمال ونقاباتهم ، وحاول العمال اجهاض تلك المحاولة بالاتصال بعمال الدول الاخرى لاتخاذ موقف موحد تجاه المشاكل التي تواجههم ،وكان هذا الدافع الاول لتكوين اتحاد دولي الدولية العمالية الاولى عام 1864 تحت اسم ( الرابطة الدولية للعمال)

خلاصة القول ان الظروف القاسية التي عاشها العمال في اعقاب القورة الصناعية ادت الى تجمع العمال للدفاع عن حقوقهم ، وان شهروا سلاح الاضراب فان اصحاب العمل يشهرون سلاح الطرد والغلق الى ان توصل العمال الى اسلوب سلمي وهو المفاوضة الجماعية Collective Barganing . " ليست دعوه منا الى الاظراب وانما هي ورقه اخيره توجه الى ارباب العمل "

وفي ظل تلك الظروف القاسية اوجدت النقابات العمالية اسلوباً خاصاً بها في معالجة مشاكلها من خلال الحوار الحر المباشر الذي يعنى محاولة كل طرف اقناع الطرف الآخر بسلامة موقفه حتى يتلاقيا في رأي واتفاق حول القضية المثارة.

ولقد اكد هذا الاسلوب تواجد الديمقراطية الصناعية ، وبهذا المعنى تعتبر (امتداداً مباشراً) لحق التنظيم والتكوين النقابي ، وبذلك تعد حقاً من الحقوق النقابية التي نصت عليها الاتفاقيات العربية والدولية ذات العلاقة بعالم العمال والعمل .
الموضوع منقول ولكن تمت بعض التعديلات عليه
السبب
ليس كل ماهو بالخارج يطبق لدينا او يصلح ليكون قانونا لدينا
ولكن مجمل القول
هذا حق لنا ويجب ان نأخذه