إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مرايا سعودية (1) جمعية حقوق الإنسانة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مرايا سعودية (1) جمعية حقوق الإنسانة


    مرايا سعودية (1) جمعية حقوق الإنسانة
    عبدالله ناصر الفوزان

    تضع (أم عائشة) هذه العبارة (جمعية حقوق الإنسانة) هكذا بالتاء المربوطة في لوحة كبيرة على جدار الملحق الخارجي لقصرها في شمال مدينة الرياض، وقد تعمدت كتابة التاء المربوطة بخط كبير حتى لا يظن من يقرأ العبارة وجود خطأ لغوي فيها.

    كانت زوجة صالحة لرجل أعمال كبير.. بدأت معه من الصفر، وقطعت دراستها الجامعية بطلب منه، وتفرغت للبيت وتربية الأبناء ومؤازرته في نشاطه التجاري، كافحت معه واعتبرت نفسها جزءا منه، نجاحه وثراؤه نجاح وثراء لها وكل قرش في خزانته وحساباته في البنوك ذخر ورصيد لها.

    شاركته سنوات الشظف وصبرت وكانت أكثر حرصا منه على خفض المصاريف، وبدأت الأمور تتحسن بعد عدة سنوات فباع الزوج بيت الأسرة الطيني الصغير في حي العجلية واشترى فيلا صغيرة في حي المربع، وانتقلا لها، ثم استقدما كغيرهما خادمة لتساعد في أعمال البيت بعد إنجاب عائشة وهدى.

    مرت السنون وازداد نشاط الزوج ازدهارا فأصبح مليونيرا، واشترى فيلا كبيرة في حي العليا واستقدم سائقا وخادمة ثانية، وأنجبت أم عائشة بنتا ثالثة، ومر الزمن سريعا وبدأ الشيب يغزو شعر رأس (أبو عائشة) وبدأت الملايين تتوالد في حساباته فأصبح من أثرى الأثرياء واشترى قصرا كبيرا في شمال الرياض، وزوج بناته الثلاث، واستقدم مزيدا من الخدم والسائقين وأصبح يدير إمبراطورية كبيرة و(أم عائشة) تعتبر نفسها هي سيدة تلك الإمبراطورية بل وصاحبتها، ولا يخامرها أدنى شك في عاطفة زوجها تجاهها وكونهما كيانا واحدا لا يمكن أن يتجزأ، وتعتبر حسابات زوجها في البنوك حسابات لها، وتستخدم بطاقته الائتمانية ولم تفكر مجرد تفكير في أن يكون لها حساب وبطاقة ائتمانية خاصة بها.

    وفجأة بدأت الأمور تتغير... فلاحظت في البداية كثرة غياب زوجها عن البيت على غير العادة، ثم بدأ ينقطع عن البيت أياما بحجة السفر، وازداد غيابه وسفره، وقل اهتمامه بها، وتغير كل شيء إلا شيئا واحدا هو كثرة الولائم الكبيرة التي يقيمها في بعض الأمسيات في القصر، وبدأت تشعر بالقلق فصارحته، فهوّن المسألة ثم ازدادت الحالة سوءا فألحت عليه فتجاهل، ثم زادت في إلحاحها فبدأ يتضايق ويتأفف ويتهرب، ثم صارحها بأنه قد تزوج وأنه يفكر في الزواج مرة ثالثة وأن عليها أن تقبل الوضع، فوقع الخبر عليها كالصاعقة، ومرت بحالة عدم توازن، ثم تطور الأمر إلى هجران بحجة (ما أملك وما لا أملك) فوجدت نفسها أخيرا مجرد خادمة تعتني بترتيب الولائم الكبيرة في القصر بلا أجر. فاحتجت بقوة ورفعت صوتها في لحظة غضب وانكسار شديد ويبدو أنه قد انتهز الفرصة فطلقها.

    وقع الطلاق عليها كالطوفان... وبكت كثيراً وطويلاً.. ثم بدأت تستعيد شريط حياتها الطويل معه وتراجع حساباتها.

    يا للهول...!! مسيرة طويلة أغلبها كد وشقاء وعمل وجهد وكفاح كانت كل يوم تجيِّره لمصلحته والنتيجة مكاسب ضخمة له وصفر كبير على الشمال لها، وهاهو حين أثمرت الجهود يطردها هكذا بكل بساطة.

    كيف...؟! وماذا ستفعل الآن...؟، هي تعتبر ذلك القصر الذي تقيم فيه الآن بيتها وهو فعلا بيتها الوحيد، ولذلك فقد انتظرت منه أن يترك القصر وينتقل ليقيم مع زوجته الجديدة لكنه لم يفعل، بل على العكس زاد من تواجده في القصر، فسألته لماذا لا يذهب إلى زوجته الجديدة بعد أن طلقها، فقال هذا هو بيتي وأنت من ينبغي عليه الذهاب بعد الطلاق، فاخرجي وتدبري أمرك، فأصيبت بالذهول وقالت كيف أتدبر أمري وأنت تعرف أنه ليس لي سوى هذا البيت، فقال هذا البيت ليس لك، ويمكن أن أساعدك وأشتري لك شقة صغيرة لتقيمي فيها إن أردت ذلك، فغلى الدم في عروق رأسها وقالت بحدة وهي تصرخ: هذا منزلي.. وهو جزء بسيط من حقوقي عندك... فابتسم ساخراً وقال: حقوقك..!، أية حقوق؟ فشعرت بغضب شديد وبدأت أطرافها ترتعش وتساءلت بتعجب كبير: ما معنى القوامة إذاً..؟، هذه الخادمة الإندونيسية حسينة التي تعمل معها كوّنت ثروة جيدة قياسا بالحالة المادية في بلدها، فاشترت مزرعة واستأجرت عددا من المزارعين ليعملوا بها، وهي الآن تدير مزرعتها بالتلفون في حين أنها هي لا تملك الآن سوى بعض المجوهرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويريد أن يتكرم عليها بشقة صغيرة ربما من غرفة واحدة وفي حي متواضع لتكون لها قبراً.. ياللمصيبة..!!.

    هل يعني هذا أنها كانت طيلة تلك السنين الطويلة تعمل خادمة وسكرتيرة وطباخة وتوفر له المعاشرة الزوجية، وكل هذا ببلاش..!، ما معنى كل هذا...؟!.
    هل تستسلم لهذا الظلم المبين...؟، وكاد يعميها الغضب وتأخذ (فازة) أمامها على الطاولة وتضرب بها رأسه لكنها ملكت نفسها وقالت: لا... سآخذ حقي (على داير مليم) عن طريق المحكمة.

    وجمعت ثيابها على عجل وذهبت إلى منزل ابنتها عائشة وشرعت في الاتصال ببعض المحامين ليقيموا الدعوى نيابة عنها لكنها فوجئت بأنهم جميعا يقولون إن المحكمة لن تحكم لها بشيء، بل إن أحدهم ضحك، وقال: احمدي الله أن الطلاق لم يكن بطلب منك، وإلا ربما طالبك بإعادة الصداق. وأصيبت (أم عائشة) بحالة ذهول أشد. وتمتمت.... "الإسلام كفل حقوق المرأة"، وهناك فرق بين زوجة تعمل ولها ذمة مالية منفصلة وأرصدة وزوجة ليست كذلك... فكيف تضيع عمرها هكذا ببلاش..؟، وهل تكون بعد كل تلك السنين الطويلة التي قضتها في خدمة (السيد) أسوأ حالا من خادمتها حسينة..!، أجابت: لا...لا... لابد أن أستعيد حقوقي التي هي أوضح من عين الشمس، وقررت أمراً جريئاً وخطيراً.. قررت أن تعمل خادمة! نعم خادمة.

    في الصباح ذهبت إلى أحد القصور الكبيرة القريبة من (قصرها) واستقبلتها الأسرة بترحاب كبير لكونها تعرفها وتعرف ماذا حدث لها، فقالت لهم إنها تحتاج للعمل بعد كل ما حصل لها حتى تعيش، وطلبت أن تعمل لديهم خادمة في القصر لتكون واحدة من جملة خادماتهم، فاستغربوا وترددوا لكنهم أخيرا وافقوا تقديرا لحالتها وربما أيضا نكاية بزوجها.

    وبدأت تعمل وتتعمد نشر حالتها بين الجيران وغير الجيران وبين الأقارب وغير الأقارب وطلبت من الذين تعمل عندهم مساعدتها في ذلك فأدركوا مغزاها وساهموا في نشر حالتها، فانتشر خبرها وأصبحت قصتها على كل لسان، وشعر زوجها بوقع الفضيحة، وحار فيما يفعل، ثم ساعدها بعض الشباب من الأقارب فعمموا الفضيحة على مواقع الإنترنت وعبر رسائل الجوال وبالأسماء والعناوين فتحولت المسألة إلى (فضيحة بجلاجل) وزلزلت الفضيحة زوجها، وأصبحت (قضية رأي عام) فأصبحت تلفونات الزوج لا تكف عن الرنين، ولم يعد يستطيع النوم، وتوقف عن إقامة الولائم، وانزوى في بيته، ووجد نفسه مضطرا تحت ذلك الضغط النفسي الهائل إلى الذهاب لها والتفاوض معها، عرض عليها أن يشتري لها فيلا مناسبة ويتكفل بمعيشتها طيلة حياتها على أن تترك هذا العمل، فرفضت ولم تقبل بغير (القصر) ومبلغ كبير من المال يتناسب مع حجم ثروته يودعه في حساب لها، وحاول أن يقنعها بأقل من ذلك ووسَّط بعض الأقارب فأصرت على موقفها وحينئذ لم يجد بدا من الموافقة على مطالبها فتنازل لها عن القصر وفتح لها حسابا وضع فيه المبلغ المطلوب.

    أم عائشة الآن تضع تلك اللوحة الكبيرة على جدار قصرها (جمعية حقوق الإنسانة) هكذا بالتاء المربوطة، وهي تقول لكل المستغربين والمستفسرين والمحتجين وحتى المؤيدين: إن (الإنسان) كلمة مذكرة وبعد كل ما حصل لها لن توافق على ظاهرة إلحاق الأنثى بالذكر حتى في الكلمات، وتقول إن جمعيات حقوق الإنسان أوجدها الرجل لترعى حقوقه التي منها المرأة ولا بد أن ترفض هذا وتقاومه عبر جمعيتها الجديدة لحقوق (الإنسانة).

    هي الآن تصحو مبكرة وتجلس في مكتبها تتلقى الشكاوى والتظلمات بالتلفون والاستقبال المباشر وقد فرّغت نفسها تماما للتفكير في الحيل والوسائل التي تعيد بها حقوق المظلومات تماما كما فعلت مع زوجها بعيدا عن المحامين والمحاكم.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X