Announcement

Collapse
No announcement yet.

رائحة دم أمريكية في الشرق الأوسط

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • رائحة دم أمريكية في الشرق الأوسط

    رائحة دم أمريكية في الشرق الأوسط



    الاقتصادية

    عمر كوش

    مؤشرات عديدة تشير إلى احتمال أن تشهد منطقة الشرق الأوسط صيفاً ساخناً هذا العام، وذلك على الرغم من المتغيرات التي أحدثتها الإدارة الأمريكية الجديدة، وذلك في إطار المراجعة الشاملة التي أجرتها لاستراتيجية ونهج وسياسات إدارة جورج دبليو بوش السابقة.


    ويدعم هذا الاحتمال ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت أخيراً من تصريحات لم تخف فيها نوايا واشنطن لشن حروب جديدة في العالم. كما تدعمه الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي التي أعلنتها الإدارة الأمريكية أخيراً، وتبين فيها أن أجندة الحروب لم تغلق ولم تنته، بل على العكس تماماً أبقتها مفتوحة، الأمر الذي ينذر بإمكانية خوض حروب أخرى جديدة، لم تعلن عنها هذه الاستراتيجية، ولم تحدد أماكنها كذلك، لكن وجودها في الأجندة في حد ذاته يكفي للقيام والتحضير واتخاذ الإجراءات المناسبة لها. وأبرز مؤشر على تلك الإجراءات أو الاستعدادات هو الحصول على الاعتمادات المالية اللازمة، بوصفه الهدف الرئيس في هذه المرحلة، وسيضطر الرئيس أوباما إلى العمل على تحقيقه، إن كان يطمح إلى فترة رئاسية ثانية.


    محور الاهتمام

    لا شك في أن اهتمام الساسة في الولايات المتحدة يتمحور في المرحلة الراهنة على منطقة الشرق الأوسط، نظراً لأنها تريد الانسحاب من العراق، وتخوض في الوقت نفسه، مع حلف الأطلسي ''الناتو''، حرباً دامية في أفغانستان ضد تنظيم ''القاعدة'' وقوات ''طالبان''. وينصبّ تركيز الإدارة الأمريكية الحالي على حسم المعركة في أفغانستان، حيث وضعت استراتيجية هدفها المعلن هو القضاء على تنظيم ''القاعدة'' في أفغانستان وباكستان وتفكيكه، وبالتالي منعه من العودة إلى أي من البلدين في المستقبل، لذلك تعمل قواتها على الأرض من أجل حرمان قوات طالبان وتنظيم القاعدة توفير ملجأ آمن، وذلك بالسيطرة على المدن الاستراتيجية الأفغانية الرئيسة، وقطع خطوط إمداد حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وعزلها في الجبال والغابات المحيطة وحماية السكان من الهجمات. وبرّر الرئيس أوباما العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الأمريكية في أفغانستان وفي باكستان، بالقول ''نحن في أفغانستان لمنع سرطان من الانتشار في تلك البلاد, لكن هذا السرطان نفسه تجذر في المنطقة الحدودية لباكستان، وعليه نحن في حاجة إلى استراتيجية تنشط على جانبي الحدود، حيث يوجد مركز التطرف العنيف الذي تمارسه القاعدة، وهناك جرى التخطيط لمهاجمتنا في 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001، ومن هناك لا تزال تحبك المؤامرات لضربنا في الوقت الذي أخاطبكم الآن''.

    يعكس هذا الموقف قناعة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بحسم المعركة عسكرياً في أفغانستان؛ باعتبارها مركزًا للقاعدة والمكان الأساسي للإرهاب، وأن إنجاز هذه ''المهمة'' أهم من الخزي في كارثة العراق، وعليه عمل أوباما على تنفيذ ذلك على الأرض، حيث قام بسحب قسم من قواته من العراق وأرسلها إلى أفغانستان في بداية تسلمه الرئاسة.

    غير أن التركيز على الحسم العسكري يأتي على الرغم من أن المعطيات على الأرض، تؤكد ما اضطر إلى الاعتراف به الرئيس أوباما نفسه في خطابه يوم 22/03/2009 بأن المشكلة في أفغانستان لا يمكن حلُّها عسكريًّا، وأنها تحتاج إلى جهدٍ دبلوماسيٍّ واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ داخلَ أفغانستان، وأنها تقتضي التعاون المشترك مع قوى إقليمية، خاصة روسيا والهند وإيران، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في أفغانستان، وتحسين أداء الحكومة فيها، وحتى التفاوض مع ''المعتدلين'' من حركة طالبان. وعلى الرغم من ذلك، تريد الإدارة الأمريكية توسيع حربها ضد تنظيم القاعدة لتشمل مناطق أخرى، حيث تحدثت الصحافة الأمريكية في الأسبوع الماضي عن إصدار الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، أمراً سرياً بتوسيع العمليات العسكرية السرية في الشرق الأوسط ووسط آسيا والقرن الإفريقي، وذلك في إطار مكافحة إرهاب تنظيم ''القاعدة'' وتهديدات أخرى. وأفادت صحيفة ''نيويورك تايمز'' بأن بترايوس يريد القضاء على المجموعات المسلحة في بعض الدول، مثل إيران والصومال، وأمر بإرسال قوات أمريكية خاصة إلى دول صديقة وعدوة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي لجمع معلومات استخباراتية بهدف الإعداد لضربات عسكرية. كما تحدثت عن قرار القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، بالسماح بزيادة المساعدات العسكرية والاستخباراتية للقوات اليمنية، لزيادة قدراتها على ضرب أهداف لتنظيم ''القاعدة''.

    ويبدو أن تسريب مثل هذه المعلومات السرية من ''البنتاجون'' إلى وسائل الإعلام الأمريكية، يثير شكوكاً لدى جهات كثيرة في العالم، كونها ترى أنه تسريب متعمد، هدفه إخطار الإدارة الأمريكية بأن الحروب لم تنته، بل إنها قادمة، وتوجيه رسالة إلى الدول المعنية في الشرق الأوسط، مفادها أن الأمريكيين قادمون، وأن الولايات المتحدة مصممة على مواصلة حملتها ضد ما تعتبره إرهاباً في كل مكان من العالم. وعليه، فإن دولاً مثل روسيا والصين، باتت لا تنظر إلى تصريحات الرئيس أوباما، بل تنظر إلى أفعال الإدارة الأمريكية وخططها واستراتيجياتها الجديدة، خصوصاً أن جوهر العقيدة النووية التي أعلنتها الولايات المتحدة، في بداية أيار (مايو) من هذا العام، ينهض على غاية تنحصر في تكريس القوة الأمريكية، وتوفير السبيل المناسب لاتخاذ القرار باستخدام هذه الأسلحة الفتاكة ضد أي بلد يخل بالشرطين اللذين وضعتهما العقيدة، المتمثلين في محاولة امتلاك سلاح نووي أو عدم التوقيع على معاهدة الانتشار النووي، واللذين ينطبقان, حسب معايير العقيدة الأمريكية الجديدة, على إيران وكوريا الشمالية فقط في الوقت الحالي.

    الملف الإيراني

    يشكل الملف النووي الإيراني أبرز الملفات المثيرة للجدل في منطقة الشرق الأوسط، ويحظى باهتمام خاص من طرف الولايات المتحدة، التي ما زالت تبقي جميع الخيارات مفتوحة لمعالجته، بما فيها الخيار العسكري. وفي الاتجاه نفسه تدفع إسرائيل الولايات المتحدة باتجاه الحل العسكري، وهددت بضرب المنشآت النووية الإيرانية، فيما لا تزال الإدارة الأمريكية تفضل اللجوء إلى العقوبات، حيث إنها باتت على وشك استصدار قرار من مجلس الأمن يفرض حزمة رابعة من العقوبات على إيران. ويتمحور تعامل الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا وبعض دول المنطقة على تشكك كبير في المشروع النووي الإيراني، كونها تتخوف من توصل إيران إلى تصنيع سلاح نووي، وهو أمر ينفيه ساسة إيران، ويؤكدون أن نشاط بلادهم النووي يقتصر على الأغراض المدنية والسلمية.

    وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات من أجل حثّ إيران على التخلي عن مشروعها النووي، أو على الأقل من أن أجل وضعه تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية، لكن الضغوط الغربية الاقتصادية والسياسية والإعلامية، تميل في أحيان كثيرة نحو التحدث بلغة التصعيد العسكري المباشر، والتلويح بشن حرب على إيران لتدمير منشآتها النووية، خاصة من قبل ساسة إسرائيل وبعض الأوساط السياسية الأمريكية المتشددة، وهي تهديدات سرعان ما تخفت أحياناً، لكن الضربة العسكرية تبقى كاحتمال قائم مع بقاء الملف النووي الإيراني من دون حل نهائي وحاسم. غير أن الخطير في شأن الحزمة الرابعة من العقوبات هو صدورها في قرار جديد من مجلس الأمن يعتبر أن البرنامج النووي الإيراني ضد السلام والاستقرار العالميين، إذ يمكن أن يطبق تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح لاحتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران. أعتقد أن لا أحد في الشرق الأوسط يريد أن يشهد حرباً جديدة في المنطقة، خاصة بين إيران والولايات المتحدة, لكن تأكيدات الرئيس أحمدي نجاد المتكررة بأن الولايات المتحدة تهدد إيران، تعكس مخاوف النظام الإيراني بأن يكون هناك احتمال حقيقي للحرب. إضافة إلى محاولات إسرائيل لحسم الصراع عسكرياً، سواء ضد إيران بشكل مباشر، أو ضد لبنان وسورية كتمهيد لضرب إيران.

    وتنظر إسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه خطراً وجودياً، ويمثل بالنسبة إليها الخطر الاستراتيجي الأول، متجاوزاً ما تسميه ''الخطر الفلسطيني''، ذلك أن المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تحتكر حق امتلاك السلاح النووي في المنطقة على إسرائيل وحدها، وتعمل على منع أي بلد مجاور من امتلاكه مهما كان الثمن، متناسية أن ترسانتها النووية هي المصدر الأساسي لما يحدث في المنطقة من توتر. لكن الضربة العسكرية إن كانت ممكنة من الناحية التقنية والعسكرية، إلا أنها لن تكون مقبولة سياسياً ودولياً، وإذا كانت إسرائيل تمتلك الحلول المتعلقة باستخدام نوعية الطائرات، إلا أنها لا تتوافر على إمكانات خوض عمل عسكري قد يدوم عدة أسابيع، وربما أكثر، والأهم من ذلك كله هو: هل يمكن لإسرائيل تحمل نتائج وتداعيات الضربة العسكرية المحتملة داخلياً وإقليمياً ودولياً؟

    وترددت لغة الحرب أخيراً على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي، إضافة إلى قيام إسرائيل بالتعبئة النفسية والحربية، وإجرائها مناورات وتدريبات عسكرية عديدة، وبات عديد من الناس يتخوفون من اندلاع مواجهات جديدة.

    في المقابل، بات واضحاً أن إيران لا تريد مواجهة عسكرية، على الرغم من بعض التصريحات النارية التي تخرج أحياناً من طهران، لذلك وافقت على الوساطة التركية ــ البرازيلية ووقعت اتفاقاً أبدت فيه استعدادها لنقل 1200 كيلو جرام من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى أراضي تركيا لمبادلته بيورانيوم عالي التخصيب، وذلك بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكان المأمول من الجانب الإيراني أن يجنّب هذا الاتفاق إيران عقوبات دولية جديدة، إذ لا مبرر لفرض عقوبات جديدة على إيران، حسبما صرح وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في أعقاب توقيع الاتفاق. وعلى الرغم من تجاهل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين هذا الاختراق الذي حققته كل من تركيا والبرازيل فيما يخص الأزمة النووية الإيرانية، ومضيها قدماً في العمل على فرض رزمة رابعة من العقوبات، تكون أشد غلظة وتقييدا، فإن هذا الاتفاق الثلاثي بشأن تبادل اليورانيوم الإيراني في الخارج يبقى علامة فارقة، ليس فقط في مسار الأزمة النووية الإيرانية، بل في مسار التفاعلات الدولية بمجملها، نظراً لأن دولاً صاعدة مثل تركيا والبرازيل نجحت في تحقيق ما فشلت فيه دول كبرى، تمتلك كثيراً من وسائل الترغيب والترهيب، وتحوز ما يساعدها على إجبار دولة مثل إيران على الانصياع والرضوخ لضغوطها.

    وتتباين مواقف وردود الأفعال الدولية حيال إعلان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اعتزامهما فرض عقوبات جديدة على إيران تشمل النظام المصرفي للبلاد والحرس الثوري وسفن الشحن واستيراد الأسلحة التقليدية. فقد أعرب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن مخاوف بلاده إزاء التقارير، التي تفيد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعتزمان فرض عقوبات أحادية الجانب ضد إيران، إضافة إلى مشروع قرار مجلس الأمن بشأن العقوبات المزمع فرضها. ولا شك في أن هذه الخطوة إن تمّت تشكل انتهاكا للقانون الدولي، وتتجاوز القرارات المتفق عليها في مجلس الأمن الدولي، وتتعارض مع مبدأ سيادة القانون الدولي، المدرج في ميثاق الأمم المتحدة.

    ويبدو أن واشنطن شارفت على إنجاز مشروع القرار الخاص بفرض عقوبات على إيران، إذ أكد وليام بيرنز، نائب وزيرة الخارجية الأمريكية، خلال لقائه في الرابع من هذا الشهر مع المديرين السياسيين للجنة السداسية المعنية بالبرنامج النووي الإيراني، أن الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية لن يؤثر بأي حال في سير العمل لفرض العقوبات ضد طهران.

    ويدعو مشروع القرار الجديد إلى الحذر من التعاملات التجارية، التي تشارك فيها بنوك إيرانية، بما فيها البنك المركزي الإيراني، لمنع الصفقات التي تتعلق بانتشار الأنشطة النووية الدقيقة. واعتبرت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، أن العقوبات الجديدة تشمل ''إجراءات واسعة النطاق تستهدف نقاط الضغط المرافقة لأنشطة الانتشار النووي الإيراني''، و''ستحظر الأنشطة النووية الإيرانية في الخارج، وتضع قيوداً جديدة ملزمة على استيراد الأسلحة التقليدية وكافة الأنشطة التي تتعلق بالصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية، كما تفرض إطار مراقبة شاملا على سفن الشحن لمنع تهريب الأسلحة''، وأنها ''جاءت استكمالا لثلاث جولات من العقوبات، التي فرضت ضد طهران منذ عام 2006 وسيكون لها ''أنياب'' مع اتخاذ إجراءات عقابية ضد إيران لرفضها وقف أنشطتها النووية، التي يشتبه في أنها تهدف إلى تطوير أسلحة نووية''. وأملت أن يزيد مشروع القرار ''من خسائر القيادة الإيرانية نتيجة استمرارها في التحدي''، لأنه ''سيعمل على إقناع إيران بأن من مصلحتها تسوية المشكلات حول برنامجها النووي بشكل سلمي''. لكن السفيرة اعتبرت أيضاً ''أن الباب ما زال مفتوحا أمام حل دبلوماسي، إذا ما اختارت إيران الوفاء بالتزاماتها النووية''.

    العبء الاستراتيجي

    جاء الاعتداء الإسرائيلي على ''أسطول الحرية'' في لحظة لا يخدم فيها المساعي الأمريكية في المنطقة، حيث اعتبر بعض الساسة الأمريكيين أنه جاء في توقيت حرج للغاية إزاء الجهود الأمريكية لدعم ''عملية سلام الشرق الأوسط'' حيث تحدث الخبير الاستراتيجي الأمريكي أنطوني كورديسمان قائلاً ''بصراحة، وبكل وضوح، إن عمق الالتزام الأمريكي إزاء إسرائيل، يجب ألا يبرر أو يسوغ لأي حكومة إسرائيلية القيام بالأعمال والممارسات التي تجعل من إسرائيل ''عبئاً استراتيجياً'' على عاتق الولايات المتحدة، خاصة أن ما هو مطلوب أمريكيا هو أن تمثل إسرائيل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة. ذلك أن الالتزام الأمريكي بدعم إسرائيل، ليس معناه أن أمريكا يجب أن تكون ملزمة بدعم إسرائيل طالما أن الحكومة الإسرائيلية لا تسعى من أجل تحقيق السلام مع جيرانها في المنطقة''، وبرر كريسمان ذلك بالقول إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى المشكلات غير الضرورية في المنطقة التي تعتبر في الأساس من أكثر مناطق العالم اضطرابا، و''على الإسرائيليين أن يدركوا أن للصبر الأمريكي حدوده، وأن دعم اليهود الأمريكيين لإسرائيل، لا يمكن أن يتيح لإسرائيل الحصول المطلق على كل شيء''. والواقع هو أن إسرائيل ومنذ إنشائها قبل أكثر من ستة عقود، تمثل حليفاً محيراً ومكلفاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة في بعض الأوقات، وهي تشكل اليوم تحدياً أمام سياسة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في الشرق الأوسط، التي تركز على أهمية القواعد الدولية، التي طالما تجاهلتها وضربت بها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عرض الحائط، لذلك يقول روبرت مالي، مستشار الرئيس السابق بيل كلينتون لشؤون الشرق الأوسط ''تواجه الإدارة الجديدة موقفين صعبين جدا، فإسرائيل تشعر بأنها تقف وحيدة لأنها تواجه تحديات لا تواجهها دولة أخرى، فيما تريد الإدارة الأمريكية إنشاء نظام دولي تحكمه قواعد محددة. والسؤال هو: إلى أي مدى سيتعامل الاثنان بفاعلية مع الحالتين؟ واختبار ذلك سيعتمد على استطاعتهم تحقيق سياساتهم''.

    وكشفت الإدانة الدولية الواسعة للعمل الإجرامي ضد نشطاء السلام في ''أسطول الحرية'' أن إسرائيل باتت تشكل عبئاً على الولايات المتحدة، نظراً لأن الهجوم الإسرائيلي يهدد بتقويض التقدم الذي حققه الرئيس أوباما الساعي إلى تحويل المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى مفاوضات مباشرة، وكذا من سعيه إلى فرض عقوبات جديدة على إيران من خلال الأمم المتحدة.

    تعاظم الدور التركي

    بلغ دور تركيا في المنطقة أوج قوته بعد الهجوم الإجرامي على ''أسطول الحرية''، الذي أودى بحياة تسعة أتراك، واعتبرته تركيا ''إرهاب دولة'' على لسان رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان، الذي يسعى إلى إجراء تحقيق دولي. ويبدو أن تدخل الرئيس أوباما منع وصول العلاقات التركية ــ الإسرائيلية إلى حدّ القطيعة. وقد وضعت تركيا شروطاً لعودة العلاقات، أبرزها إنهاء حصار قطاع غزة، ويبدو أن الإدارة الأمريكية باتت تتفهم أن الحصار لا يمكن قبوله دولياً، وهي تسعى إلى إيجاد بدائل تنهي الحصار وتخفف معاناة الشعب الفلسطيني، بل تسعى إلى تهدئة الأوضاع كي تتفرغ للملف النووي الإيراني، بوصفه ملفاً رئيساً في أجندتها في الشرق الأوسط.

    وتمتلك تركيا علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، ولن يجازف الرئيس باراك أوباما بخسارة حليف استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. إضافة إلى أن تركيا كانت تعدّ النموذج الذي تضربه الولايات المتحدة للرؤية التي تريدها للإسلام في العالم، بوصفتها نموذجاً للاعتدال، يتناقض تماماً مع التطرف الذي تقدمه ''القاعدة'' و''طالبان'' عن الإسلام، لذلك ستحرص الإدارة الأمريكية على عدم خسارة تركيا، وكذلك عدم وصول الأمور بين تركيا وإسرائيل إلى درجة العداء وقطع العلاقات.

    وتشكل تركيا دولة محورية، حاضرة في أيامنا هذه في كل قضايا ومسائل منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، والمنطقة المحيطة بها بشكل عام، وقرأت جيداً بدايات تبلور نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، حيث يشكل التراجع في الدور الأمريكي الشرق أوسطي تطوراً بالنسبة إليها، كونه يوفر نافذة مفتوحة للتعامل مع بعض الأزمات والملفات الشائكة في المنطقة، وترى أن المطلوب هو أن تتمكن الدول الإقليمية من حل صراعاتها وتنافساتها الراهنة بالطرق السلمية، وهذا يمكن أن يحدث بالتدريج وخطوة خطوة.

    وربما تريد تركيا أن تشكل قوة إقليمية، قادرة على ملء، ولو جزءا من الفراغ، الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي من العراق، ثم في وقت لاحق من أفغانستان، لذلك طوّرت سياستها الخارجية في الشرق الأوسط، كي تكون قادرة على المبادرة والحضور المبكر والاستباقي في كل أزمات ونزاعات المنطقة، من أجل القيام بدور الوسيط في إطار سياسة احتواء النزاعات وإدارتها، وخفض منسوب التوتر فيها، والعمل بشكل مباشر أو مع أطراف أخرى بشكل غير مباشر.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X