Announcement

Collapse
No announcement yet.

الوجه القبيح لإدارة أوباما

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الوجه القبيح لإدارة أوباما

    الوجه القبيح لإدارة أوباما

    خليل العناني * - الحياة

    لا يمكن تفسير الصمت المخجل لإدارة باراك أوباما تجاه مذبحة «أسطول الحرية» إلا في سياق الازدواجية التي وسمت خطابه منذ مجيئه الى السلطة قبل عام ونصف عام وباتت ملمحاً أساسياً في سياسته الخارجية. ولم يكن أكثر الناس تشاؤماً من سياسات الإدارة الأميركية الحالية يقدر أن يرى صدقية الرئيس أوباما تنهار بهذه السرعة الفائقة. فبعد عام واحد فقط من خطاب «النيات الطيبة» الذي ألقاه في 4 حزيران (يونيو) 2009 في جامعة القاهرة، يبدو أن كل ما وعد به أوباما قد تبخر.

    سقط أوباما في أول اختبار «إنساني» عندما صمتت إدارته عن إدانة ما فعلته إسرائيل إزاء نشطاء قافلة «الحرية» الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم لكسر الحصار على غزة. وزاد الطين بلّة ما حدث مع عميدة الصحافة الأميركية هيلين توماس التي أُقيلت من منصبها في مجموعة «هيرست» الصحافية الأميركية قبل أسبوعين لمجرد أنها عبرت عن رأيها بصراحة في الصراع العربي - الإسرائيلي، ولأنها قالت جهراً ما قد يقوله كثير من المثقفين والساسة الأميركيين سرّاً. فقد سُئلت هيلين توماس عن رأيها في إسرائيل وفي كيفية حل القضية الفلسطينية، فأجابت بعفوية: فليخرجوا (الإسرائيليون) من فلسطين وليعودوا إلى ديارهم الأصلية... إلى بولندا وألمانيا وأميركا. فما كان من المتحدث الرسمي بالبيت الأبيض إلا أن أعلن تبرؤه واستنكاره من تصريحات هيلين، وأصدر لاحقاً قراراً بمنعها من تغطية المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض التي اعتادت على حضورها منذ أكثر من خمسين عاماً.

    السؤال اللافت هنا هو: هل أخطأت هيلين توماس أم أنها عبّرت بالفعل عما يدور فى الوعي الجمعي للنخبة الأميركية؟ فقد أعادت هيلين، بكلماتها البسيطة، عجلة التاريخ إلى الخلف ستين عاماً، وذكرّت الجميع، بمن فيهم بعض رموز النخبة العربية، بما حاول الإسرائيليون طمسه وتعميته عبر آلتهم الإعلامية طيلة النصف الثاني من القرن الماضي. وهي قالت في كلمات ما عجزت عن تسجيله محاضر اجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

    ما حدث مع توماس يكشف بوضوح مدى سطوة اللوبي الصهيوني وقدرته على إرهاب وتقريع كل من يتعرض للدولة العبرية بالنقد أو اللوم. وهي حقيقة ربما ليست فى حاجة إلى تأكيد، بيد أنها مجرد محاولة لإنعاش الذاكرة حول حدود سقف الحرية التي يتمتع بها المثقفون والصحافيون في الولايات المتحدة. فالحرية مُصانة ما دامت لا تتعرض لإسرائيل.

    ولعل المدهش في واقعة هيلين توماس أن النخبة الأميركية، بخاصة اليسار الذي يدّعي التحرر من قيود اللوبي اليهودي، قد أُصيبت بالخَرَس، ولم يتعاطف مع هيلين إلا أصوات محدودة ولدواع إنسانية فحسب، بسبب خبرتها الطويلة في الصحافة الأميركية، وليس باعتبارها قضية تمس الحريات الشخصية في الولايات المتحدة وأهمها حرية إبداء الرأي. وقد كان الزميل دواد الشريان لمّاحاً في لفتته في «الحياة» إلى ازدواجية المعايير الأميركية في ما يخص حرية التعبير داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتخوّفه من أن تنتقل هذه العدوى الى الدول العربية مستقبلاً. ولنتذكر فقط ما حدث قبل سنوات قليلة مع الأستاذين ستيفن والت وجون ميرشايمر من جامعة هارفارد حين نشرا دراستهما القيّمة حول نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. كما يكفي أن نتابع ما حدث قبل أسابيع من مشادة فكرية وشخصية بين روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لـ «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، وستيفن والت الذي اتهم كل من يعمل بالمعهد بالولاء المزدوج لإسرائيل والولايات المتحدة.

    واقعة أخرى تكشف مدى قُبح السياسة الخارجية لإدارة أوباما، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية (أمنيستي) قبل أيام قليلة تقريراً يكشف عن قيام الولايات المتحدة بقصف قرى يمنية بصواريخ «كروز» محمّلة بقنابل عنقودية مما أدى إلى مقتل أكثر من خمسين شخصاً مدنياً بحسب التقرير، وإلى الآن لم تقدم الولايات المتحدة اعتذاراً أو تعويضاً عما حدث. وهو ما يتناغم أيضاً مع التصريحات التي كان قد أصدرها قبل أسابيع الجنرال ديفيد بترايوس قائد القيادة الأميركية الوسطى وأشار فيها إلى زيادة مستوى العمليات السرية التي تقوم بها الاستخبارات الأميركية في المنطقة العربية بحجة ضرب التنظيمات والجماعات المتشددة وفي مقدمها تنظيم «القاعدة».

    نحن إذاَ إزاء خطابين متناقضين لإدارة أوباما، أولهما خطاب «ناعم» يحاول تجميل الصورة الأميركية في المنطقة، ويسعى للتخلص من الإرث الثقيل لإدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش. وثانيهما، خطاب واقعي فجّ يعكس تعقيدات صنع السياسة الأميركية ومؤسساتها المتشابكة.

    وإذا كان أوباما يمتلك زمام خطابه الناعم، فإنه حتماً لا يمتلك ناصية الخطاب الآخر الذي تحدده وتشرف على صوغه أجهزة ومؤسسات سيادية أميركية لا يستطيع أوباما الوقوف فى وجهها. في هذا السياق تأتي استقالة مدير الاستخبارات الأميركية دينيس بلير التي لم تتكشف أسبابها الحقيقية وما إذا كانت قد جاءت بسبب الإخفاقات التي مُنيت بها وكالات الاستخبارات المركزية الأميركية والأجهزة التابعة لها خلال الشهور الست الماضية، أم بسبب الصراع الخفي بين أجنحة المجمع الاستخباراتي الأميركي الذي يدير مسرح العمليات السرية حول العالم؟

    وبين كلا الخطابين تقبع مؤسسات إعلامية ومراكز ابحاث ضخمة تحاول استغلال الفجوة بين خطاب أوباما «الرومانسي» وخطاب المؤسسات «الواقعي» من أجل تغذية السياسة الأميركية بأجندتها وأهدافها الخفية. ولا يمكن هنا أن نتجاهل العامل الإسرائيلي وتأثيره الهائل على هذه المؤسسات.

    ويمكن الذهاب باستكشاف خبايا العامل الإسرائيلي في تحديد طبيعة العلاقات الأميركية – الإسلامية، من خلال تحليل بنية الخطاب الأميركي تجاه العالم الإسلامي طيلة السنوات العشر الماضية، وهنا يمكن أن نذكر ثلاث ملاحظات رئيسية، أولاها أن خطاب الكراهية وشيطنة كل ما هو إسلامي كان يصب دائماً في مصلحة تقوية العلاقات الأميركية – الإسرائيلية. ثانيتها، أن كثيراً من مفردات هذا الخطاب قد نُحتت بأيدي المحافظين الجدد ومثقفيهم الذين يعلنون صراحة ارتباطهم، عقلاً وروحاً، بإسرائيل. وثالثها، الدور المؤثر لمراكز البحث الأميركية في تزكية الخيار العسكري والأمني في التعاطي مع الحركات الإسلامية المعتدلة والمتشددة من دون إعطاء أية فرصة للحوار، على رغم التورط الأميركي العسكري في العالم الإسلامي.

    * أكاديمي مصري - جامعة دورهام - بريطانيا
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X