Announcement

Collapse
No announcement yet.

عودة العروبة كعامل توحيد

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • عودة العروبة كعامل توحيد

    عودة العروبة كعامل توحيد



    الرياض

    منح الصلح


    ليست العروبة هي الطائفية ولا الطبقية ولا الاقليمية كما يروج المستعمرون واعوانهم، بل العروبة هي سقف ما تريده الامّة العربية لنفسها كأمّة كبيرة ذات تاريخ عريق وإمكانات كبيرة وأحلام وحقوق.


    العروبة تلك الرافعة لوجودنا القومي المزوّدة قياداتنا بحس الأدوار، منيرة الطريق وجامعة الصفوف هل نحن عائدون اليها بعد طول هجر وغياب؟

    إننا نتطلع حولنا اليوم اخواناً وابناء عمومة وجيراناً فنكاد نخشى من أنفسنا وعلى أنفسنا ان نكون من الضائعين بالقياس مع خطى اقرب أشقائنا تركاً وفرساً وسواهما الينا.

    في كل عربي شعور مغروس في كيانه انّه بالعروبة أعطي دورا خاصا بين الامم لم يعطه الله لسواه.

    ما كان أبهى تلك الايام التي بدأ العرب يتداوون فيها من كل ضعف يصيبهم ومشاكل تواجههم بدواء اسمه العروبة، بها يتواصلون حين يشعرون بالتباعد بينهم أوطانا وجماعات وطبقات ، وبها يستقوون حين يدركهم الاحساس بالعجز امام الاخطار التي تواجههم جميعا من الخارج، اليها يلتفتون لردم الهوة بين أداء الذات الوطنية وأداء الاخرين من أعداء هذه الذات أو المستهينين بها.

    كان أوّل من هاجم هذه الكلمة "العروبة" فرنسيون في الزمن الانتدابيّ الفرنسي على سوريا ولبنان ، وانكليز متسلطون على العراق ، وترك متغطرسون في الزمن العثماني، ولكن هذا الهجوم لم يفلح الى الحدّ المطلوب لا عند عربي مسلم ولا عند عربي غير مسلم، لانّ الرسول عربي والقرآن عربي ولانّ العروبة عند غير المسلم من العرب تنطوي بالضرورة على قدر كبير من الاحترام للاسلام ورغبة في التعاون معه. إنّ في الاسلام شيئا من العروبة كما في العروبة شيء من الاسلام.

    ولعلّ هذا ما أعطى العروبة حيث ما كانت في بلادنا قدرة خاصة على بناء الوحدة داخل كلّ قطر عربي ، والتماسك بين كلّ الاقطار العربية ليس الاسلام دون غيره ولا المسيحية ولا العلمانية هي العنصر الموحّد في معظم الدول العربية بل العروبة خاصة كانت قادرة دائما على رص الصفوف داخل الاوطان وبين الاوطان كما هي قادرة على الارتفاع بالشعوب في منطقتنا الى مستوى الحياة المدنية نفسه الذي وصلت اليه شعوب العالم .

    وإذا كانت مصر قد استطاعت ان تصبح دولة مميّزة بين دول الوطن العربي كما بين دول العالم الثاث فلأنها رفعت ايّام سعد زغلول ومصطفى النحاس شعار: يحيا الصليب مع الهلال لتعود وترفع شعار العروبة بنجاح أكبر أيضا أيام جمال عبدالناصر ومن جاؤوا بعده. ومع أنّ مصر هي في الحقيقة كبيرة بذاتها إلاّ أنّها أصبحت أكبر بالعروبة. وكان كافيا لعبدالناصر أنّ يماهي بين مصر والعروبة ليصبح ندا لاكبر زعماء عصره.

    وما العروبة كما فهمتها جماهير العرب وقياداتهم في الفترة الناهية الا المرادف العربي للعبارة الانكليزية المنادية بحكم الشعب من الشعب وللشعب.

    ليست العروبة هي الطائفية ولا الطبقية ولا الاقليمية كما يروج المستعمرون واعوانهم، بل العروبة هي سقف ما تريده الامّة العربية لنفسها كأمّة كبيرة ذات تاريخ عريق وإمكانات كبيرة وأحلام وحقوق تتفق أو يجب أن تتفق مع أرفع ما ينبغي أن تتطلع اليه امم مميّزة كالأمّة العربية بدءا بمصر.

    العروبة سقف مختار بل مفتوح ويجب أن يكون مفتوحا لطموحات مشروعة دائما لأمّة كبيرة بتاريخها وإمكاناتها وأحلامها وقادتها الكبار.

    وإذا كان جمال عبدالناصر كبيرا في عين كل منصف في العالم وعيون العرب فلأنّه جعل لمصر سقفا عاليا وقادرا نافخا لروحها النهضوية هو العروبة التي لها بيت متواضع هو جامعة الدول العربية ولها أفق وطاقة ورهان اسمه كرامة الامّة العربية ودورها التاريخي. ان مصر والعروبة ثنائية قادرة اذا ما هي تحوّلت الى قوّة فاعلة، ولعلّ سرّ عبدالناصر الذي لا يجوز أن ينساه العرب فضلا عن المصريين هو انّه عرف كيف يجعل من العروبة وعدا كبيرا بل قوّة كبيرة لأمّة كانت وما تزال ترى نفسها اكبر مما يحلم لها به العاديون من أبنائها الا ذلك الكبير الذي عرف قوّة الثنائي القادر الذي اسمه المركب مصر والعروبة والذي لن يعود فيظهر الا بحضور ثلاثة هم القائد الفذ ومصر الدّولة والوطن ثم أخيراً لا آخراً العروبة، بكلّ القوّة التّي لا قوّة تضاهيها أو تغني عنها في تفعيل اي حراك جديّ للامّة والاوطان باتجاه أخذ لها رفيع بين الأمم .

    لقد تمثل هذا التطلّع النهضوي للأمة في عراق فيصل وغازي الهاشميين وسعوديّة عبدالعزيز آل سعود والملك عبدالله ، وفي سورية يوسف العظمة وسلطان باشا الاطرش وابراهيم هنانو ، وفي جزائر احمد بن بيلا وفي لبنان الاستقلاليان بشارة الخوري ورياض الصلح، وفي كويت آل الصباح والمجتمع الاهلي القادر الطموح، وما كان كلّ ذلك إلاّ بفضل التّحرَك الوطنيّ تحت سقف العروبة ورؤاها الملهمة فهي تعطي الأوطان الكبيرة حسّ الدّور والقيادة، تكنس الصّغائر من النّفوس وتنير البصائر بالرؤى وتهديهم إلى الحلول.

    وإذا كانت النازية أغرت هتلر الإلمانيّ بسلوك درب الفتوح والتوسع السرطاني ، والفاشية ألهمت موسوليني الرغبة في استحضار مجد روما القديم، فإنّ العروبة أطفأت داخل كلّ قطر عربيّ نار الخلافات والنزاعات وعزّزت في النفوس الثقة بالنفس والقدرة على التعالي عن الصغائر والانصراف إلى كلّ ما يوحّد الأوطان ويسلّمها بوصلة السّير نحو الأهداف الكبرى للشعوب فكلمة العروبة ما كانت إلاّ لتقول نعم للوحدة وللجوامع المشتركة والأهداف الجامعة الكبرى وتقول لا لكلّ ما يمزّق الأوطان ويغرقها بالعصبيّات ويلهيها بالصّغائر حتىّ لكأن العروبة محاكمة من العروبي لذاته هل هو في مستوى حاجات الوطن ومستوى متطلباته وحقوقه في الوقوف على مستوى واحد مع القوى السيّدة والطامعة بالسيطرة على الآخرين.

    وأي شيء تكونه العروبة إن لم تكن تقديم نزعة الجمع على نزعة التفريق ونزعة الثقة بالذات وشعور الاهلية لدخول اسرة الدول على مستوى واحد مع السباقين .

    وحسب العروبة أنّها تغليب لعوامل الجمع على عوامل التفريق داخل الدولة الواحدة وبين الدول العربية. وهي كذلك نداء نهضوي من طبيعته ان يدعو الانسان العربي والدولة العربية الى لعب دور كبير ومرموق يتناسب مع حجم الامة وامكاناتها وسابقة مشاركتها في الماضي وما يدعو اليه الحاضر والمستقبل.

    كما ان من طبيعة العروبة وهي الصفة الجامعة ان تجمع ولا تفرّق، بل تدعو الى تغليب عوامل الجمع على عوامل التفريق والثقة بالمستقبل على الاحباط.

    امام ظاهرة تقدم المذاهب على حساب الدين في بعض البلدان ورواج المحاصصة بين الاديان على حساب الهوية الواضحة الواحدة في اماكن اخرى وايثار القعود والدعة على حساب الروح النهضوية.

    يتكاثر عدد العرب من أعمار وبيئات وخلفيات متعددة الذين يشعرون بالاحباط امام هذا التراجع. ويذهب الكثير منهم الى ان نجاح الدول والمجتمعات العربية في مراحل سابقة كان مرده اعتماد العروبة اساسا لفهم الذات واقامة العلاقات والخروج الى العالم الواسع. وكأن العروبة رتبة يعطيها العربي لنفسه ومطل له على الآخرين والزام للآخرين بالتعامل معه على هذا الاساس.

    هذا ولابدّ من القول انّ كل كيان سياسي عربي فهم نفسه على هذا الاساس ارتدّ ذلك عليه ايجابيا سواء داخل دياره او في مقابل العربي معه فمصر في العصر الملكي والجمهوري اخذت مكانا من مناداتها بالعروبة. وكذلك عراق فيصل وغازي ورشيد عالي الكيلاني وكذلك المملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان وفلسطين اخذت كلها وهجا من عروبتها. وعندما تأسست جامعة الدول العربية كان ذلك بذاته رتبة حصل عليها كلّ عربي.

    صحيح انّ العروبة "الكلمة والحقيقة" تعرّضت دائما للمعاداة والطعن بها من قوى كبيرة وكثيرة في العالم لكنّها كانت رغم كلّ ذلك رافعة لشعوبها ودولها في نظر نفسها وفي نظر الآخرين.

    صحيح ان الكثير من الاقطار العريقة كان كبيرا بذاته، ولكن مما لا شكّ فيه انّ الكل كبر بها ايضا. بل ان هناك زعامات تحوّلت الى عالمية بسبب تماهيها مع العروبة، رغم أهميّة الأقطار التي اتت منها وكونها بذاتها مدعاة اعتزاز.

    لقد تعرّضت العروبة بلا شكّ للكثير من الحملات من دول وشعوب اسلامية احيانا ولكن هذا لا يلغي ان العروبة كانت وظلّت دائما صفة مكبرة لمن يوصف بها. انّها تكون وتبقى صفة جيدة لمن يوصف بها مسلما كان او غير مسلم.

    فاذا كان سرّ تألّق دور تركيا الحالية هو اعتزازها بذاتها بالاضافة الى إسلامها واذا كان دور ايران قد تعاظم ويتعاظم بفارسيتها الى جانب اسلامها فانّ العروبة هي عند عرب هذه الايام ضرورة لتبيان صدقية نزوعهم الوطني النهضوي. ولذلك اسباب منها ان العرب بخلاف الترك والعجم هم مسلمون ومسيحيون لا مسلمون فقط والعروبة جامع بينهما واساس لحضارتهما المشتركة، وقدرتهما التنافسية بين الامم .

    لقد وعى العرب على عروبتهم قبل وعيهم على الاسلام والمسيحية واليهودية، وما يزالون حتى الآن يرونها رمز تحد يواجهونه في سباقهم مع الامم الاخرى وعلامة رتبة خاصة لهم داخل الاسلام وخارجه وكل يوم يمرّ يزداد أكثر فأكثر شعورهم بأنّ العروبة جناح يدفع بهم الى فوق ويحدد لهم اين هم مما اصبح عليه غيرهم من قوّة وفلاح ودور. وهل هم يعيشون في وقت شعر فيه مسلمون غير عرب اتراك وفرس وباكستانيون وافغان بالصحوة على إسلامهم، هل يشعر العرب بالقدر نفسه بالخوف على العروبة ايضا وليس على الاسلام فقط؟ وهل هم يراجعون بجدية اسباب تراجعهم عن اعتماد مقاييس في بناء دولهم واصلاح احوالهم، وهل هم تاركون حقا عزيمة نهضوية اعتمدوها في فترات واعدة من تاريخهم غير البعيد في مصر وغير مصر من الاقطار العربية الاساسية، وهل هم اليوم مستدركون بجدية لاخطاء وقع بها اسلاف لهم مستوحون ما كان قد نجح في بعض بلدانهم من اعتماد العروبة سرا لا بديل عنه من اسرار بناء الاوطان داخلها وفي ما بينها وبطريقة لا تستحي من تبني الجوانب الجيدة من تجارب أمتنا في عصر عروبتها الحديثة؟

    ذلك ان العروبة بقدر ما تعطي الحاكم حس الرسالة تمنح ثقة بالنفس اقدر على الصمود امام قوى الخارج تشجع في الوقت ذاته القوى والاطراف الداخلية على التعامل في ما بينها وتمارس بالاعتدال والانفتاح والمياسرة قواعد في علاقة المواطنين بعضهم مع بعض. واذا كانت الاغنية الشهيرة في العصر الناصري قد قالت "سجل انا عربي" فانّها بذلك أعطت للقائد مزيدا من الحس بالفخر وللمواطنين دعوة للتعاون والتعامل في ما بينهم، وكلا الامرين ضروري للدولة العربية والمصير العربي. للحاكم كانت الانشودة تقول:" بالعروبة تكبر ايها الحاكم انت وشعبك وللمواطنين كانت تقول بالعروبة تكون عندكم قدرة اكبر على تحقيق الذات والمكان الرفيع بين الامم ".

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X