حصار غزة وإرهاب الدولة

رغيد الصلح * - الحياة

خلال الأسابيع الماضية، طغت قضية «اسطول الحرية» ومضاعفاتها على اي موضوع آخر، وتمحور جزء كبير من الاهتمام بهذه القضية على المطالبة بإجراء تحقيق حولها وعلى الجهة المفضلة للقيام بهذا التحقيق.

الإسرائيليون حولوا، مثل العادة، المطالبة بإجراء تحقيق دولي في قضية العدوان على «اسطول الحرية» الى مناسبة للطعن بحيادية ونزاهة المنابر الدولية السياسية والقضائية، والى اتهام المجتمع الدولي بالانحياز سلفاً ضد اسرائيل. استطراداً اعتبر الاسرائيليون ان السبيل الأفضل للكشف عن حقائق هذه القضية هو اجراء تحقيق قضائي اسرائيلي تشارك فيه شخصيات اسرائيلية ومندوبون دوليون. ولقد تم اختيار الأعضاء الإسرائيليين في هذه اللجنة بعناية فائقة، فكان من بينهم اكاديمي اسرائيلي ينتمي الى غلاة الصقور، وديبلوماسي اسرائيلي يسعى الى كسب تأييد نتانياهو لكي يعين سفيراً لإسرائيل لدى الامم المتحدة. ومورست مثل هذه العناية الشديدة ايضاً في انتقاء المندوبين الدوليين، فلم يترك الاسرائيليون هذه المهمة للآخرين، بل قاموا هم باختيارهم. ووقع اختيار ايهود باراك، وزير الدفاع الاسرائيلي، على شخصيتين دوليتين تعتبران، كما اكدت كل من اذاعة «بي.بي.سي» البريطانية ومجلة «دير شبيغل» الألمانية، من اصدقاء اسرائيل المخلصين.

الأتراك طالبوا بإجراء تحقيق دولي في هذه القضية، ولكن بموازاة هذه المطالبة، فقد عهد الى المدعي العام التركي بالادعاء على المسؤولين الاسرائيليين وخاصة بنيامين نتانياهو وايهود باراك وغابي اشكنازي رئيس الاركان كمشتركين في الجرم الذي وقع على ركاب السفينة والذي ادى الى مقتل البعض منهم. غير أنه في الوقت الذي بدأ فيه المدعي العام التركي بتجميع عناصر الاتهام ضد هؤلاء المسؤولين الاسرائيليين، فإن رئيس الحكومة التركي رجب طيب اردوغان ذهب الى مدى ابعد مما ذهب اليه القضاء التركي اذ ساوى في حديث صحافي العمل الذي قام به الاسرائيليون ضد سفينة «مافي مرمرة» بأعمال «الدولة الارهابية». تأسيساً على ذلك حمّل الزعيم التركي الحكومة الاسرائيلية مجتمعة مسؤولية العدوان على السفينة التركية.

يشكل هذا التوصيف الاخير الذي اطلقه اردوغان على الارتكابات الاسرائيلية اطاراً سليماً لتقييم الكيان الصهيوني والانتهاكات المستمرة التي يقوم بها على الصعيدين الاقليمي والدولي. واذا كان هذا التوصيف ينطبق على ما فعلته ضد ركاب «مافي مرمرة»، فإنه ينطبق بصورة ادق على «العقاب الجماعي» الذي انزله الاسرائيليون بغزة منذ أن تولت «حماس» السلطة فيها. واذا كان من الضروري ان توفر كل الطاقات القضائية والقانونية والجهود السياسية كافة لمتابعة قضية «مافي مرمرة»، واذا كان من الضروري ان تصل التحقيقات في هذه القضية الى الكشف عن هوية الذين تسببوا في الانتهاكات كافة التي تخللها الهجوم الاسرائيلي على «اسطول الحرية»، فإن من الضروري ايضاً ان يتزامن التحقيق في هذه القضية مع بذل جهد مكثف ومضاعف لتسليط الانظار على خلفية العدوان الاسرائيلي وعلى علاقته بمفهوم «الدولة الارهابية».

تعرّف دائرة المعارف البريطانية الارهاب عموماً بأنه «الاستخدام المنهجي للعنف بقصد خلق مناخ عام من الخوف والرعب بين السكان [وذلك بقصد] تحقيق هدف سياسي». وتضيف دائرة المعارف بأن «العنف المؤسسي الذي يسمى ارهاب الدولة قد يستخدم ضد سكانها او ضد سكان او مدنيين ينتمون الى دولة او مجتمع آخر». ويتفق تعريف الصليب الاحمرالدولي للممارسات المعادية للإنسانية مع تعريف دائرة المعارف البريطانية. فهو يصف المارسات التي يقوم بها بعض الدول والقوى المحاربة احياناً ضد السكان بغرض ارهابهم وقهرهم لمنعهم، كما تقول هذه الدول والقوى، من القيام بأعمال ضدها، الا انها تشدد على ان سياسة الارهاب والقهر هذه تساوي بين المسلحين والمدنيين، وبين المقاومين وغير المقاومين على حد سواء. وفي ذلك تنحدر هذه الدول الى مصاف الدول الارهابية. ويتفق اكثر المشرعين والعلماء وباحثي العلاقات الدولية مثل مايك ستول على ان رسالة الارهاب التي توجهها الدول التي تمارسه ليست موجهة الى فريق محدد فحسب، اي الفريق الذي يقاوم الاحتلال، على سبيل المثال، او الفريق الذي يقع عليه ضرر ارهاب الدولة، وانما هو موجه الى جمهور اوسع من هؤلاء بكثير، اي في الواقع مجموع السكان بصرف النظر عن موقعهم في الصراع الدائر حول مصير بلد من البلدان.

ان هذه المفاهيم تصلح مدخلاً مهماً لإدراك طبيعة الكيان الاسرائيلي ولإدانته كـ «دولة ارهابية». ذلك ان الاسرائيليين اعلنوا عند بداية الحصار على غزة، ان الغرض منه هو منع «حماس» من اطلاق صواريخها على اسرائيل، ولكن الحصار لم يكن موجهاً او منصباً على تعطيل آلة «حماس» العسكرية، ولم يؤثر تأثيراً مباشراً في قدرتها على مقاومة الاحتلال او الاعتداءات التي قامت بها اسرائيل على القطاع. اما السكان العاديون، فتقول التقارير الدولية مثل تقرير غولدستون، انهم كانوا هم في حد ذاتهم هدفاً للاعتداءات العسكرية واعمال الحصار، وان العدوان العسكري «استهدف معاقبة المدنيين». كذلك يضيف التقريران «تدمير مستودعات المواد الغذائية، وانظمة تقطير المياه، والمصانع والابنية السكنية كان جزءاً من سياسة منهجية عرضت السكان المدنيين، في حياتهم اليومية، الى الصعاب الجسيمة». واضاف التقرير قائلاً ان اعمال الاسرائيليين التي حرمت الفلسطينيين من وسائل العيش والعمل والسكن والمياه النظيفة وحرية التنقل كل ذلك جدير بأن يجعل السلطات (يقصد الاسرائيلية) التي قامت بها عرضة للاتهام وللإدانة بأنها مارست جرائم ضد الانسانية».

لم يكن الاسرائيليون يغفلون عندما مارسوا هذه الاعمال الارهابية على الفلسطينيين انهم كانوا يقومون بأعمال تؤهل اسرائيل بجدارة وامتياز لاكتساب صفة «الدولة الارهابية». لعل الدليل الأبلغ على ذلك انهم اكتشفوا اليوم انه يمكن منع «حماس» من استيراد السلاح من دون حرمان سكان القطاع من المواد الغذائية ومن الادوية ومن سائر السلع المدنية. انهم يصرحون اليوم علناً بذلك في معرض حديثهم عن تخفيف اعباء الحصار عن سكان القطاع. ولكن اذا كان بالإمكان الوصول الى هذه النتيجة فلماذا لم يفعلوا ذلك منذ بداية الحصار؟ لم يفعلوا ذلك لأن هدفهم واساليبهم تشبه تمام الشبه الارهابي الذي يخطف طائرة مهدداً بقتل المسافرين او بإسقاط الطائرة اذا لم تتم الاستجابة الى طلباته. انهم بواسطة الحصار يتصرفون كما لو أن القطاع بأسره طائرة مخطوفة وكما لو ان سكانه كلهم الذين يصل عددهم الى ما يقارب المليون ونصف المليون هم في عداد الرهائن، يعذبهم الاسرائيليون ويذيقونهم مرارة الجوع وذل الحاجة الى ضرورات الحياة الى ان ترضخ «حماس» وتعترف بإسرائيل، او يثور سكان غزة ضد حكومة «حماس» لصالح فريق متواطئ مع حكومة نتانياهو ضد القضية الفلسطينية.

لقد آن الأوان لكي يضع المجتمع الدولي «الدولة الارهابية» تحت المجهر وان يسلط الانظار على الارتكابات التي تمارسها ضد الانسانية. وآن الاوان لكي تحاسَب اسرائيل وتعاقَب كأبرز مثل في عالمنا المعاصر على ممارسة ارهاب الدولة. ان الحصار على غزة يقدم نموذجاً حياً على مثل هذه الممارسات.

* كاتب لبناني