Announcement

Collapse
No announcement yet.

في وجوه الصلة بين العروبة والإسلام

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • في وجوه الصلة بين العروبة والإسلام

    في وجوه الصلة بين العروبة والإسلام





    الاقتصادية

    د.عبد الإله بلقزيز

    التشديد على تاريخية الصلة بين رابطتي العروبة والإسلام في العصر الحديث أمر في غاية الضرورة والأهمية لإدراك هذه الصلة في صورها التاريخية المختلفة ، وعدم الانزلاق إلى تعميم وجه واحد منها على الأوجه الأخرى كافة وافتراضية واحدة ،وهو الغالب على النظر إلى المسألة في الفكر القومي العربي إذ الصلة هذه ما كانت واحدة في البلاد العربية كافة بسبب اختلاف الظروف وشروط التكوين الاجتماعي في كل بلد أو منطقة جغرافية متجانسة أو متشابهة البنى والمعطيات التاريخية.


    فهي في بلاد المشرق العربي غير ما هي في المغرب العربي وإقليم النيل ( مصر والسودان) والجزيرة والخليج العربيين وإذا كانت الرواية السائدة عن هذه الصلة غير ذلك ، فليس لنشوئها وسيادتها أن يأخذانا عن حقيقة جزئيتها ومحدوديتها كرواية ، ولاعن الحاجة إلى قراءتها في حدودها النسبية قراءة تقترن في الوقت عينه، بجهد علمي آخر لإعادة إدراك العلاقة بين الرابطتين إدراكا أشمل وأوسع من إطاره المحدود والنسبي الذي دار فيه واستقر عليه خلال قرن من الزمن.

    لم تقم الصلة بين العروبة والإسلام في مجتمعات المغرب العربي الحديث على النحو الذي قامت عليه في بلدان المشرق العربي في بدايات القرن الماضي فما كانت صلة تمايز وانفصال وإنما صلة ترابط وأحيانا صلة تداخل ومرد الاختلاف بينهما في الصلة إلى الاختلاف في شروط التكوين ومعطيات التاريخ السياسي. فما كان سببا في ذلك التمايز في بلدان المشرق العربي (في سورية الكبرى بالتحديد) لم يكن له وجود في الفضاء التاريخي، الاجتماعي والثقافي والسياسي، لبلدان المغرب العربي، مما انعدم معه قيام الصلة بين الرابطتين على مقتضى التمايز ذاك.

    ثلاثة من الأسباب التاريخية - على الأقل - تفسر ظاهرة عدم التمايز بين العروبة والإسلام في بلدان المغرب العربي وهي:

    أولها - أن قطرين منهما ( المغرب ، موريتانيا ) لم يخضعا للحكم العثماني ولم تكن لهما حساسية تجاه الترك والتتريك بعد ازدهار أمره فاشيا في الولايات العربية الخاضعة للإمبرطورية العثمانية كما أن، قطرين آخرين ( الجزائر، تونس) سقطا في قبضة الاحتلال الاستعماري الفرنسي (1830- 1883) بزمن طويل عن بدء نشوء الاحتكاك العربي- التركي عقب ميلاد النزعة القومية الطورانية في تركيا وبداية نشوء الفكرة القومية العربية كفكرة متمايزة عن الفكرة العثمانية . وهكذا إذا كانت فكرة العروبة قد نشأت في المشرق العربي في مواجهة سياسة التتريك وكشكل من أشكال التمايز القومي عنها فإن ارتفاع السبب (التركي، القومي الطوراني) في المغرب العربي أنتج علاقة أخرى مختلفة بين الفكرتين - العربية والإسلامية - في الوعي الجمعي ولدى النخب.

    ثانيها - أن مجتمعات المغرب العربي لم تعرف شكلا من أشكال الوجود المسيحي فيها ما خلا في حالة المستوطنين الأجانب. أما الأهالي ، فما كان في جملتهم جماعات اجتماعية مسيحية مثل مجتمعات المشرق العربي، وإذا كان المسيحيون العرب في بلاد الشام خاصة قد نهضوا بدور كبير في مضمار التشديد على رابطة العروبة التي تشدهم إلى العرب المسلمين وعلى وجوب تمييزها عن رابطة الدين ( الرابطة الإسلامية ) التي لا يشكلون جزءا منها، والتي يتخذها الأتراك ذريعة لاستمرار علاقة الاستتباع العربي للعثمانية ، فإن خلو المجال الاجتماعي والديني للمغرب العربي من هذا التكوين لم يفض إلى تميز العروبة عن الإسلام ووضعها في مواجهة على نحو ما حصل في المشرق.

    وثالثها - أن بلدان المغرب العربي لم تعرف عملية التمزيق ذاتها التي عرفها المشرق العربي نتيجة التجزئة الكيانية الاستعمارية التي قسمته إلى كيانات ودويلات صغرى خاصة في بلاد الشام ولقد كانت التجزئة واحدة من المصادر الأساس لفكرة العروبة في بعدها القومي والوحدوي وكان على العروبة في هذه اللحظة من تطورها في المشرق العربي أن تذهب أبعد في التمايز عن الإسلام لأنها ستكتسي مسحة قومية أقوى من ذي قبل، وغني عن البيان أن هذا الصعيد بالذات وقع سببا آخر من أسباب الممايزة فيه بين العروبة والإسلام.

    التشديد على تاريخية هذه الصلة إذن ضروري لفهم ظاهرة الاختلاف بين المجالين المغربي والمشرقي في علاقة كل منهما بالفكرتين والرابطتين وليست التاريخية التي لا تعني سوى شروط التطور التاريخي الخاصة بكل من المجالين، والتي حاولنا الإلماح إلى بعضها، وليس من شك في أن بعضها حقا ميز أوضاع المغرب العربي عن المشرق يصدق على بلاد النيل وعلى أقطار الخليج العربي واليمن ويعزز الحاجة إلى إعادة بناء إدراك الصلة تلك ضمن رؤية أشمل تستوعب حقائق الدائرة الأوسع- جغرافيا وبشريا – في الوطن العربي وهو الإدراك الذي لا سبيل إلى تجديد الفكر القومي من دون البناء علبه بوصفه إدراكا تاريخيا وليس صناعة أيد يولوجية لفرضيات قد تصدق على الجزء دون الكل.

    لعل سؤالا يفرض نفسه - في هذا المعرض - ولم يتوقف عنده كثيرون. لماذا نشأت أحزاب قومية عربية في المشرق بينما هي لم تنشأ في المغرب ومصر والخليج واليمن؟

    رب معترض يقول وماذا عن الناصرية وأحزاب البعث والناصرية في تونس والجزائر وموريتانيا واليمن والخليج ؟ والاعتراض وجيه من وجه، لأن أحزابا ومنظمات سياسية نشأت تحت هذه العناوين في هذه البلدان غير المشرقية لكنه ، من وجه ثان ، يتجاهل أنها كانت فروعا للبعث أو لحركة القوميين العرب أو للطليعة العربية (الناصرية) ولم تنشأ رأسا من فكرة قومية ذاتية لقد كان أصلها في المشرق وفرعها في المغرب والخليج.

    في المقابل أنجبت هذه البلدان ما لا حصر له من الأحزاب الوطنية والإسلامية منذ عشرينيات القرن العشرين أما السبب، فهو أن الفكرة الوطنية كان لها ما يبررها في وجه الاحتلال الأجنبي والفكرة الإسلامية تبلورت في مواجهة النظام العلماني. أما الفكرة العربية فلم تنشأ حزبيا لأنها لم تجد نفسها - كما في المشرق - في مواجهة الفكرة القومية التركية والفكرة الإسلامية لذلك ظلت الفكرة العربية في المغرب العربي فكرة ثقافية في المقام الأول وجزءا أصيلا من المشروع الوطني والديمقراطي غير منفصلة عنه، وهو ما حقق حولها إجماعا وحال دون أن تكون الفكرة فكرة فريق اجتماعي وسياسي صغير في المجتمع.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X