Announcement

Collapse
No announcement yet.

أمريكا وقومية النفط المنسكب

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • أمريكا وقومية النفط المنسكب

    أمريكا وقومية النفط المنسكب




    الاقتصادية

    كريس باتِن

    إن الاستثناء الأمريكي يتحول إلى تسونامي لا بد من تجنبه حين يفلت زمامه. ومن الواضح أن شركة بريتش بتروليم اكتشفت ذلك في خضم الأحداث الأخيرة.

    إن الكارثة البيئية التي تدمر المجتمعات الساحلية المطلة على خليج المكسيك وتقتل الحياة البحرية هناك لمأساة عالمية كبرى. ويتعين على «بريتش بتروليم» أن تتحمل نصيباً كبيراً من اللوم. وينطبق القول نفسه على الشركات الأمريكية، مثل شركة ترانس أوشن وشركة هاليبرتون، التي كانت جزءاً من هذا المشروع المشؤوم. لكن يبدو أن جنسية هذه الشركات أخرجتها من الورطة.

    إن مسؤولية شركة بريتش بتروليم عن الكارثة هائلة، وكذلك كانت مسؤولية الشركات الأمريكية التي تسببت في الكارثة الكيماوية في مصنع يونيون كاربايد في بهوبال في الهند (التي حصدت أرواح ثلاثة آلاف شخص في البداية، ثم 15 ألف شخص في السنوات اللاحقة)، والشركات التي تسببت في حادثة منصة النفط بايبر ألفا، التي راح ضحيتها 167 شخصا في بحر الشمال في عام 1988. والواقع أن خطايا الشركات الأمريكية لا تخفى على أحد في الولايات المتحدة.

    وقبل الهجوم على «بريتش بتروليم» الأجنبية طبقاً لمزاعم البعض، فربما كان لزاماً على الساسة الأمريكيين أن يتوقفوا لحظة للتفكير في الارتباطات الوثيقة بين السياسة وصناعة النفط في الولايات المتحدة. فمن المؤكد أن هذه الارتباطات تشكل واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى تراخي القيود التنظيمية المفروضة على التنقيب عن النفط في أعماق البحار.

    لا شيء من كل هذا يبرر الأخطاء الهندسية التي ارتكبتها «بريتش» بتروليم ودبلوماسيتها العامة المحزنة. وأنا لا أسعى إلى التهوين من هول ما حدث. لكن هذا يذكرنا بأنه على الرغم من كون الولايات المتحدة من جوانب عديدة المجتمع الأكثر خضوعاً للعولمة على مستوى العالم، فإنها من الممكن أيضاً أن تتحول إلى مجتمع انعزالي وقومي النزعة إلى حد مذهل؟ إن معرفة الأمريكيين بما يحدث خارج حدود بلادهم محدودة وكثيراً ما تقتصر على الصورة الهزلية التي ينقلها إليهم الإعلام الأمريكي عن بقية العالم.

    ويعتبر الأمريكيون شركة بريتش بتروليم شركة بريطانية، وهم يعرفون أن بريطانيا في أوروبا. ويبدو أنهم يعتقدون أيضاً أن أوروبا تمر بمتاعب جمة. فقد انهارت عملتها كما تنهار مبانيها العتيقة، وهي عبارة عن بقايا تاريخية مهدمة, لكنها لا تزال تُعَد مثاراً للمفاخرة.

    إن أوروبا، مثلها في ذلك مثل شركة بريتش بتروليم، تعاني نصيبها من المشكلات. لكن ينبغي لنا ألا نسمح للساسة الأمريكيين الذين لا يملكون حتى جوازات سفر بأن ينظروا إلينا بالقدر نفسه من التعالي والسخرية المهينة الذي تعود بعض الأوروبيين على النظر به إلى إدارة الرئيس جورج دبليو بوش والسياسات التي كانت تتبناها.

    إن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من كل المشكلات المرتبطة باليورو، يظل صاحب أضخم اقتصاد في العالم, فاقتصادها أضخم من اقتصاد أمريكا، ويكاد حجمه يقترب من ضعف حجم اقتصاد الصين، وأربعة إلى خمسة أضعاف حجم اقتصاد الهند.

    ويُعَد الاتحاد الأوروبي التكتل التجاري الأضخم على مستوى العالم، ولقد نجح في التعامل مع صعود الصين في السوق العالمية على نحو أفضل كثيراً من تعامل أمريكا أو اليابان معه. ففي أثناء العقد الذي أعقب عام 1999، ارتفعت حصة الصين في إجمالي الصادرات العالمية من 5.1 في المائة إلى 12.4 في المائة. أما حصة اليابان فقد هبطت بمقدار أربع نقاط مئوية، وهبطت حصة أمريكا بما يقرب من سبع نقاط مئوية، من 18 في المائة إلى 11.2 في المائة، في حين هبطت حصة أوروبا بنحو 2.4 نقطة مئوية فقط، من 19 في المائة إلى 16.6 في المائة.

    فضلاً عن ذلك فإن أوروبا تتمتع بأفضل سجل بيئي بين القوى الكبرى كافة، وهي أكبر مقدم لمساعدات التنمية إلى البلدان الفقيرة، وتتمتع بالاستقرار السياسي. والواقع أن مشكلة أوروبا تُعَد جزءاً مما تعتبره أعظم إنجاز لها. ويعتقد الأوروبيون أننا نتمتع بأفضل ظروف معيشية ونوعية حياة على مستوى العالم، حيث نجمع بين الحرية والتضامن الاجتماعي. ولا شك أن ديمقراطية الرفاهية الاجتماعية تسير جنباً إلى جنب مع التعددية، وحكم القانون، والحضارة عميقة الجذور.

    والواقع أن اعتدادنا المتغطرس بأنفسنا ورضانا عن ذواتنا يجعلانا مقاومين لتبني التغييرات الضرورية للحفاظ على مستويات معيشتنا ونوعية حياتنا. ولقد تجاوز إحساسنا بالاستحقاق والجدارة قدرتنا على تحمل التكاليف المترتبة على هذا الاستحقاق.

    وهذا هو السبب الذي يجعل عديدا من البلدان الأوروبية اليوم تواجه مثل هذا النوع من العجز الهائل في القطاع العام. ومع انخفاض معدل المواليد وما يترتب على ذلك من شيخوخة سكانية متزايدة، فمن المرجح أن نجد معدلات النمو الأوروبية وقد ازداد تأخرها وراء منافسي أوروبا في السنوات القليلة المقبلة.

    كان من المفترض أن يعمل اليورو على حفز البلدان الأوروبية ذات الاقتصاد الأقل ديناميكية وقدرة على المنافسة، وأغلبيتها في جنوب القارة، وعلى خفض التكاليف وزيادة القدرة التنافسية لهذه البلدان، حتى يصبح بوسعها أن ترقى إلى مستوى الاقتصاد الأكثر كفاءة والأفضل إدارة، مثل اقتصاد ألمانيا.

    بيد أن هذا لم يحدث, فقد سمحت بلدان مثل إسبانيا واليونان والبرتغال وأيرلندا بصورة خاصة لأسعار الفائدة المنخفضة التي صاحبت بدء العمل باليورو بتغذية الازدهار المحلي وخلق الفقاعات. وبعيداً عن المضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات البنيوية سمحت هذه البلدان للأجور المحلية والتكاليف بالارتفاع إلى عنان السماء، الأمر الذي أدى إلى الحد من قدرتها التنافسية نسبة إلى البلدان الأوروبية ذات الاقتصاد الأفضل إدارة. على سبيل المثال، أصبحت الفجوة بين إسبانيا وألمانيا من حيث كفاءة التكاليف أكثر من 20 في المائة.

    هذه هي الأزمة التي تعيشها أوروبا الآن. لكن كيف لنا أن نمضي قدماً في الإصلاحات الكفيلة بخفض الإنفاق العام إلى مستويات نستطيع أن نتحملها ورفع قدرتنا على المنافسة على الساحة الدولية؟ يتعين علينا أن نوسع سوقنا الموحدة بحيث تشتمل على الخدمات والطاقة، وأن نغير الترتيبات الخاصة بمعاشات التقاعد التي أصبح من غير الممكن تحمل تكاليفها، وأن نزيد من استثماراتنا في مشاريع البحث والتطوير، وأن نصلح جامعاتنا، وأن نضخ مزيدا من الأموال إلى الصناعات القادرة على توفير فرص العمل للمستقبل، مثل التكنولوجيا البيئية.

    إن الاستثناء الأوروبي ـ وهو تصور مفاده أننا الأفضل في تقديم القيمة والازدهار ـ لا يقل إثارة للمشكلات عن نظيره الأمريكي. ولن يتسنى لنا تحقيق الازدهار والرخاء في المستقبل بالارتكان إلى إنجازات الماضي. بل يتعين علينا أن نرحب بالقرن الـ 21 بالتكيف مع متطلباته، والارتقاء إلى مستوى التحديات التي يفرضها، والتصدي للمنافسة التي تفرضها علينا القوى الناشئة. ولا يجوز لنا أن نعيش إلى الأبد في الماضي، مهما بلغت آثاره وبقاياه من عظمة وإبهار.


    خاص بـ «الاقتصادية»

    حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

    www.project-syndicate.org

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X