Announcement

Collapse
No announcement yet.

إرهابيون أشرار وإرهابيون أخيار!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • إرهابيون أشرار وإرهابيون أخيار!

    إرهابيون أشرار وإرهابيون أخيار!



    الاقتصادية

    عبد الحسين شعبان

    ما صدر عن لجنة بالمر من تقرير يُعَدُّ فضيحة قانونية بكل معنى الكلمة، فاللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في الجريمة ''الإسرائيلية'' على أسطول الحرية وسفينة مرمرة التركية التي كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة ''المحاصر'' خارج نطاق الشرعية الدولية، خلصت بعد عام ونيّف إلى وصف حصار غزة ''مشروعًا'' وإسرائيل في ''حالة دفاع عن النفس''، والهدف منع دخول الأسلحة إلى غزة بحرًا.

    ولعل هذا الاستنتاج الغريب الذي ننقله حرفيًا يثير الكثير من الإشكاليات السياسية والقانونية، ولا سيما في صدقية بعض اللجان الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة والهيئات التابعة، ناهيكم عن محاولات التوظيف السياسي بالضد من القواعد القانونية الدولية المعتمدة، وهي قواعد آمرة، أي ملزمة Jus Cogens. ورد في التقرير: ''الحصار البحري جاء كإجراء أمني مشروع بهدف منع دخول الأسلحة إلى غزّة بحرًا، وأن تطبيقه يتماشى مع متطلبات القانون الدولي''، ولعل هذا أمر أقرب إلى الكوموتراجيديا.

    تشكلت لجنة التحقيق بعد العدوان الإسرائيلي في 31 أيار (مايو) 2010، وباشرت عملها في العاشر من آب (أغسطس) في العام ذاته، وأصدرت تقريرها في أواخر آب (أغسطس) 2011، ونشرت صحيفة ''نيويورك تايمز'' الأمريكية النص الكامل للتقرير في الثاني من أيلول (سبتمبر) الجاري 2011. وترأس اللجنة جيفري بالمر رئيس وزراء نيوزيلاندا السابق، وأسند منصب نائب رئيس اللجنة إلى الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أورويبي.

    وعلى الرغم من الفترة الزمنية الطويلة نسبيًا (أكثر من عام) التي استغرقها عمل اللجنة لإصدار هذا التقرير، إلاّ أنها لم تكلف نفسها عناء اللقاء ببعض الضحايا الناجين من المجزرة ''الإسرائيلية''، إنما اكتفت بمراجعة وثائق التحقيق التي أجرتها الحكومتان التركية و''الإسرائيلية''، وخرجت علينا بتقرير تفوح منه رائحة الانحياز والتبرير، ولم يكن بعيدًا عن المواقف المسبقة لأعضاء اللجنة، ولا سيما رئيسها، فجاء مسوّغًا للجريمة وقراءة معكوسة للإرهاب الدولي، الذي كثُر الحديث عنه ليل نهار، وضجّت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تحذّر من مغبّاته ونتائجه الوخيمة، وتدعو إلى تجفيف منابعه، وهي على حق في ذلك، لكنها فيما يتعلق ''بإسرائيل''، يتحول الموضوع ويصبح إرهابًا محمودًا، بما فيه قتل المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بل الأكثر من ذلك محاولة تكييفه مع القانون الدولي، بحيث يصبح الحصار الاقتصادي إجراءً أمنيًا مشروعًا بحجة منع وصول الأسلحة إلى غزة.

    التقرير صدر عشية الذكرى العاشرة للجريمة الإرهابية الكبرى التي حدثت في الولايات المتحدة وهزّت العالم بأجمعه، وأعني بها الحدث الأخطر والأهم في مطلع الألفية الثالثة، الذي حصل في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حيث جرى على نحو مفاجئ وغير متوقع نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك والبنتاجون في واشنطن، في عمل إرهابي - إجرامي غير مسبوق، هزّ الضمير العالمي. ولعل هذا الحدث المأساوي الذي قامت به جماعات غامضة أو لم تعلن عن نفسها، ونسب إلى تنظيمات القاعدة التي حيّته في أكثر من مناسبة، هو عمل يقترب من الحرب في جوانب مشتركة مثل: العنف وحجم الضحايا والعدوان.

    لقد أسهم نكوص المجتمع الدولي عن إيجاد تعريف للإرهاب في مزيد من الالتباس والإبهام، وكذلك في الاستمرار في سياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل والانتقائية في المعايير، خصوصًا بدمغ المقاومة المشروعة بالإرهاب؛ ولهذا السبب فإن القوى المتحكِّمة في الساحة الدولية في الوقت الذي تسارع فيه لإدانة الأعمال الإرهابية الفردية، أو التي تقوم بها جماعات مسلحة، لكنها تشجع وتحمي إرهاب الدولة الجماعي بما فيه احتلال الأراضي وانتهاك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتجاوز على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الإنساني، وليس بعيدًا عن ذلك الحرب على غزة وحصارها المستمر منذ أربع سنوات وقتل تسعة مواطنين أتراك يحملون مساعدات إنسانية إلى سكانها، وهو ما حاول تقرير بالمر إيجاد ذرائع قانونية له.

    كيف يمكن وصف مقاومة الفلسطينيين الذين يريدون استعادة وطنهم وحقهم في تقرير المصير إرهابًا، ودمغ من يقومون بها بالإرهاب، وهو بالطبع حسب الوصفة ''الإسرائيلية'' ''إرهاب أشرار وأبالسة''، وهو إرهاب مذموم، أما بناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات والإبادات الجماعية وإجلاء السكان من جانب ''إسرائيل'' في الضفة والقطاع، والعدوان على لبنان والحرب المفتوحة على غزة، وقتل المتضامنين الأتراك مع الشعب العربي الفلسطيني فهو إرهاب أخيار يستحق الإعجاب وهو إرهاب محمود، طالما تقوم به ''إسرائيل'' ''دفاعًا عن النفس'' ضد الآخر الفلسطيني، سواءً كان على مستوى جماعي أو على المستوى الفردي. لعل الأول هو إرهاب فقراء أما الثاني فقد يكون إرهاب أغنياء!

    إن استمرار الزعم بوجود إرهاب أشرار مذموم ووجود إرهاب أخيار محمود، سيؤدي إلى تقويض أسس وقواعد القانون الدولي المعاصر، ويجعل منطق الغاب هو الناظم للعلاقات الدولية، أي هيمنة الفوضى والعنف والقوة والإرهاب، وليس مبادئ الحق والعدل وحقوق الإنسان واحترام حق الدول والشعوب في تقرير مصيرها.

    إن زعمًا كهذا إنما هو وسيلة زئبقية للتملّص من الالتزامات الدولية، ومن ثَمَّ ستصبح الحرب على الإرهاب غير محددة بزمن أو بجغرافيا أو بأيديولوجيا، ناهيكم عن التوظيف السياسي، إذْ إن كل من يخالف الولايات المتحدة أو لا يمتثل لسياستها يمكن أن يندرج في خانة الإرهاب، حتى إن كان ضحية الإرهاب، بما يؤدي إلى خلط الأوراق، ومن ثم خلق بيئات تغّذي الإرهاب، وتمدّه بأسباب البقاء طالما تغيب العدالة، ويبتعد الحق وتتعمق الفوارق، وتزداد الهوة بين الحضارات والثقافات، تلك التي يشجّع عليها المتطرفون والمتعصبون والإرهابيون من كل الأجناس والأشكال والألوان والقوميات والأديان والبلدان!

    الإرهاب ليس له وطن أو دين أو قومية أو لغة أو جنسية أو زمان، الإرهاب هو الإرهاب، فلا وجود لإرهاب أخيار أو إرهاب أشرار، إنما هناك حقوق وعدل، وفي المقابل انتهاك وظلم.

    وعلى الرغم من صدور أكثر من 12 قرارًا دوليًا بخصوص الإرهاب من عام 1963، الذي ظلت مناقشته مفتوحة منذ عام 1937، إلاّ أن التوّصل إلى اتفاق بشأن تحديد ماهيته وتعريفه بقي مسألة مستعصية منذ تأسيس الأمم المتحدة وقبلها حتى الوقت الحاضر، بسبب محاولة القوى المتنّفذة، وبخاصة الولايات المتحدة، وبشكل خاص بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الماضي التحكم في العلاقات الدولية، السعي إلى احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب ورفض كل ''محاولة'' للتفريق بين الإرهاب والمقاومة، علمًا بأن القواعد القانونية الدولية، تجيز للشعوب المضطهَدة أو المستعمَرة (بالفتح) أو التي تتعرض للعدوان والاحتلال، الدفاع عن نفسها، باستخدام جميع الوسائل بما فيها العسكرية لاستعادة سيادتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها.

    ولهذا يأتي تقرير بالمر استحقاقًا جديدًا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ولا سيما بوضع ''إسرائيل'' فوق القانون وعدم مساءلتها عن ارتكاباتها، والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة تؤيدها فيما ذهبت إليه من ارتكابات وقرصنة دولية.

    وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصدرت عبر مجلس الأمن ثلاثة قرارات دولية لمكافحة الإرهاب الدولي هي القرار 1368 في 12 أيلول (سبتمبر) 2001 والقرار 1373 في 28 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، والقرار 1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، وذلك تحت ضغط ما تعرضت له الولايات المتحدة من عمل إرهابي في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، إلاّ أن هذه القرارات هي الأخرى لم تعرّف الإرهاب، ولعل أخطر ما ورد في القرار رقم 1373 صدوره ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات، وهذا يعني أن حجيته القانونية تفترض من جميع الدول الأعضاء الالتزام به، وإلاّ فإن مجلس الأمن بإمكانه تطبيق المادة 41 من هذا الفصل الخاص باتخاذ إجراءات كالحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرهما، وإن لم تطبّق الدولة المعترضة هذه الإجراءات، فبإمكان مجلس الأمن تطبيق المادة 42 التي تذهب إلى اتخاذ جميع الإجراءات بما فيها المسلحة، فيما إذا لم تمتثل الدولة المعنية لقرارات مجلس الأمن.

    الشيء الجديد الذي تضمنه القرار 1373 وفيما بعد القرار رقم 1390 هو إعطاء الحق للدولة (وبخاصة المتنفذة) وبالتطبيق الحالي (الولايات المتحدة) في إعلان الحرب ساعة تشاء، وضد من تشاء إذا تأكدت أو اشتبهت أن عدوّها (دولة أو جماعة)، تقوم بعمل إرهابي، وذلك دون اعتماد مرجعية دولية كمجلس الأمن مثلاً، وبتعبير أدق فإن ميثاق الأمم المتحدة الذي أعطى الحق للدولة في استخدام القوة العسكرية للدفاع عن النفس حسب المادة 51، قد قلّص هذا الحق بدعوة مجلس الأمن للاجتماع لمعالجة الأمر وإعادة السلم والأمن إلى نصابهما.

    أي أن القرار 1373 أعطى للدولة حق ''إعلان الحرب'' أو كما تُعرف باسم ''الحرب الاستباقية''، أو الحرب الوقائية ضد من تعتقد أنه يمارس عملاً إرهابيًا دون الرجوع إلى المرجعية الدولية التي يقررها ميثاق الأمم المتحدة، ودون الالتزام بالآليات التي حددها الميثاق، وهو ما حصل في أفغانستان والعراق، الذي يعد عودة إلى القانون الدولي التقليدي، الذي حرّم ''حق الفتح'' ومنع ''الحق'' في التمتع بمكاسب سياسية جراء شن الحرب.

    ولعل خلفية قرار لجنة بالمر ليس بعيدًا عن التقسيم المسبق للإرهاب بين إرهاب أخيار وإرهاب أشرار، وما تقوم به ''إسرائيل'' مهما كان فهو إرهاب أخيار، أما دفاع الفلسطينيين عن حقوقهم فهو إرهاب أشرار.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X