Announcement

Collapse
No announcement yet.

الاستبداد.. الصور المتكررة

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الاستبداد.. الصور المتكررة

    الاستبداد.. الصور المتكررة


    الاقتصادية

    د. عبدالرحمن الطريري

    في محاولة لتفسير ما يحدث في بعض الأقطار العربية من أحداث، وبالذات ردود الفعل الصادرة من الحكومات، أو بالأحرى زعماء، وقادة تلك الأقطار نحو الاحتجاجات، والانتفاضات، والثورات رأيت أهمية إجراء مقارنة بين زعيمين، وأقول زعيمين تجاوزاً، وليس اعترافاً بزعامتهما لأن الزعامة لها مواصفات، وخصائص قد لا تتوافر في من تجرى المقارنة بينهما. أحداث ليبيا، وسورية تزامنتا تقريباً في البداية لكن يبدو أن الثورة الليبية في طريقها لتحقيق أهم أهدافها، وهو إنهاء النظام، ومتعلقاته، لكن الثورة السورية لا تزال في الطريق لتحقيق هدفها، وهو إزالة النظام، والتخلص من آثاره.

    في البداية لا بد من تسجيل ملاحظة تاريخية، وهي أن نظام القذافي، ونظام عائلة الأسد بدآ في فترة تاريخية متقاربة حيث مر على كليهما أكثر من 40 عاماً، إلا أن نظام القذافي استمر هذه الفترة تحت رئاسة فرد واحد بينما نظام عائلة الأسد مر عليه رئيسان حافظ، وابنه بشار مع استمرارية نظام الحكم، وفلسفته القائمة على الاستبداد، والقهر، والإقصاء دون تغيير.

    الطريقة التي تفاعل بها الأسد، والقذافي مع شعبيهما، وما اتصفت به من قسوة، وشدة يصعب تصور حدوثها من قبل رئيس مع شعبه لكن هذا بالفعل ما حدث حيث الأشلاء، والدماء، والطائرات الحربية فوق المدن، والدبابات، والمدرعات تضرب البيوت، وحيث السجون تمتلئ بالمعتقلين الذين يقدرون بعشرات الآلاف، هذا الأسلوب في التعامل يستوجب تحليلها لمعرفة أسبابها، هل هي ظاهرة قد يقدم عليها أي زعيم يشعر بتهديد حكمه، أم أنها قد توجد عند أفراد دون آخرين؟! تأملت في هذه الحالة فألفيت أن تفسيرها قد يكون من خلال المقارنة التاريخية؛ حيث يقول لنا التاريخ إن الملك فاروق ملك مصر قبل الثورة لم يلجأ إلى أسلوب العنف، والقتل رغم شعوره بوجود مؤامرات تحاك ضده، كما أن الملك إدريس السنوسي لم يتعامل مع شعبه رغم تظاهرهم أمام قصره بأي شكل من أشكال العنف، ولذا لا يمكن تفسير الحالة على أساس أنها ظاهرة بل إنها وضع ينطبق على الأفراد وقد يتكرر مع أفراد آخرين في حال تشابه التركيبة النفسية، والظروف المحيطة حتى وإن اختلفت الأزمنة.

    ما يجمع بين الأسد، والقذافي قد يكون مرده خاصية الشخصية المستبدة، وهذه الشخصية يكون سلوك صاحبها متأثراً بمجموعة من المؤشرات، والخصائص؛ أولها وجود حالة كره، وعداء نحو طرف آخر، في حالة الرئيسين اتضحت الكراهية من خلال أحاديثهما وخطبهما، حيث ذكر كل واحد منهما ووصف شعبه بالجراثيم، مما يؤكد وجود حالة كره لديهما نحو شعبيهما، وقد يكون سبب ذلك حالة اضطراب نفسي تجعل صاحبها يكره المحيطين به الذين لا تربطه بهم رابطة قربى، أو نسب، وهذا ما أعتقد أنه ينطبق على القذافي، أما الأسد فقد يكون شعور الانتماء لطائفة صغيرة لا تشكل أكثر من 5 في المائة، وفي محيط سكاني له غالبية عظمى من طائفة أخرى هو السبب في الكراهية، التي ربما تولدت بفعل التربية في المنزل، ومع الأقران، والأصدقاء من الطائفة نفسها، حيث الأحاديث والقصص وما يقال في المجالس ومع الأهل بشأن الطائفة الأكبر، هو السبب وراء مشاعر الكراهية.

    وبوجود مشاعر الكراهية لدى الفرد تتولد حالة أخرى، إذ إن الكراهية تقود إلى التحقير، والتهميش، والتعامل بدونية مع الطرف الآخر، وهذا ما حدث، فالقذافي أبعد النابهين والبارزين من أبناء الشعب الليبي، ومن لم يقتل، أو يعتقل أصبح مطارداً في المهاجر لا يدري متى يتم قتله، أو اعتقاله، ولقد برزت حالة الاحتقار هذه في إحدى خطبه حين ذكر أنه لو لديه منصب لقدم استقالته، وحذفها في وجوه شعبه فأي احتقار، ومهانة كهذه؟!

    وما يقال عن القذافي يقال عن الأسد الذي وصف شعبه بأنه غير مؤهل للديمقراطية، وذلك في مقابلة مع إحدى المجلات الأوروبية، عبارة كهذه توجه لشعب متعلم، ومثقف، وتمتلئ مؤسسات الغرب بأبنائه الذين هجروا بلدهم لا حباً في الهجرة، بل بسبب الاستبداد، والجبروت تعني حالة الاحتقار الشديد التي تتحقق في نفسية صاحبها. عنصر الكراهية والاحتقار إذا توافرتا في الفرد فإنهما تؤديان إلى ممارسة الاستبداد، وتنفيذه على أرض الواقع، وذلك بالقتل، والتنكيل بكل فرد يختلف مع القائد الذي يعتقد أنه الملهم، المحنك، الشجاع، الذكي، المسدد .... وما إلى ذلك من أوصاف لا يؤمن بوجودها إلا هو.

    إن ما عاناه الشعب السوري، والشعب الليبي ليس خلال الأشهر الماضية فحسب، بل طيلة 40 عاماً يدل على أن من يقوم بهذه الممارسات يقوم بها، وهو يتلذذ، ويستمتع بها، ويجد فيها راحة نفسية له تفرغ منه شيئاً من مشاعر الحقد والكراهية التي يكنها للآخر، وهذا الوضع يمثل حالة السادية التي تجعل صاحبها لا يهنأ له بال إلا برؤية الضحية، وهي تتعذب تحت يديه، أو تحت جلاديه. إن صور التنكيل، والإهانة التي تعرض لها المتظاهرون السوريون من قبل الجنود والشبيحة التي تناقلتها وسائل الإعلام تؤكد حالة الاستمتاع التي يشعر بها من ممارسها أو أمر بها أو من رآها ولم يوقفها رغم مقدرته على ذلك، وهذا ما ينطبق على الحالتين السورية والليبية التي عانى فيها الشعبان الأمرين تحت نظامي الاستبداد اللذين لا مثيل لهما.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X