Announcement

Collapse
No announcement yet.

الربيع العربي وعواقبه غير المقصودة

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الربيع العربي وعواقبه غير المقصودة

    الربيع العربي وعواقبه غير المقصودة



    الاقتصادية

    كريستوفر ر. هِل

    إن تجدد العنف في اليمن يُعَد بمثابة الإشارة الأحدث إلى حقيقة مفادها أن الربيع العربي ربما ينضم الآن إلى قائمة الأحداث التاريخية التي سرت عدواها إلى أماكن أخرى، ولكنها بمرور الوقت لم تنته إلى نتيجة طيبة. بل إن تأثيرات الربيع العربي قد تمتد إلى دول أخرى بطرق لم نكن لنتوقعها على الإطلاق.

    والواقع أن إسرائيل، بصورة خاصة، قد يُغفَر لها كبحها لحماسها إزاء تأثير الربيع العربي على أمنها. ففي التاسع عشر من آب (أغسطس)، تعرضت إسرائيل لهجوم دارت أحداثه في صحراء النقب، عبر حدودها المتزايدة الخطورة مع مصر، وهو الهجوم الذي خلّف ثمانية قتلى من المدنيين. وبعد بضعة أسابيع فقط، هاجمت مجموعة من الغوغاء السفارة الإسرائيلية في القاهرة، الأمر الذي اضطر المسؤولين إلى إجلاء الدبلوماسيين الإسرائيليين وأدى إلى خلق خلاف كبير مع الحكومة المؤقتة الهشة في مصر. وفي سورية، لا أحد مهيأ للتكهن بنتيجة الأحداث التي تحولت إلى معركة دامية تحمل إيحاءات طائفية. أما في ليبيا، فعلى الرغم من أن التخلص من العقيد معمر القذافي يشكل خطوة أولى طيبة، فإن ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون لا يزال على بُعد أعوام وفقا للتقديرات المتفائلة.

    ومن ناحية أخرى، يتركز الانتباه في العراق التي يحكمها الشيعة الآن على إبرام اتفاقية قوات جديدة مع الولايات المتحدة لكي تحل محل الاتفاقية التي ينتهي العمل بها في الـ31 من كانون الأول (ديسمبر) من هذا العام. وتتقدم المفاوضات الآن حول اتفاق لإدارة مرحلة ما بعد عام 2011 بهدف ضمان شكل ما من أشكال التواجد العسكري الأمريكي على نحو يسهم في استمرار الاستقرار السياسي والاجتماعي النسبي والنمو الاقتصادي في العراق. والواقع أن العراق أصبح لديه الآن ما يستحق الحماية حقا: أحد عشر عقدا في مجال النفط، مع انتظار المزيد من العقود. وهو ما يحمل في طياته الأمل في أن يصبح إنتاج النفط في العراق في غضون عقد من الزمان على قدم المساواة مع الإنتاج في المملكة العربية السعودية.

    وقد شهد هذا العام زيادة في أعمال العنف - هجمات السُّنَّة على الحكومة وعلى المدنيين من الشيعة، وفي حوادث أكثر نُدرة ولكنها مميتة أيضا، هجمات الشيعة المتطرفين على الجنود الأمريكيين. وعلى الرغم من أن الهجمات على الجنود الأمريكيين نادرة بالمقارنة بغيرها من الهجمات، فإنها كانت كافية لجعل هذا العام واحدا من أكثر الأعوام تكلفة من حيث الخسائر في الأرواح بين القوات الأمريكية منذ زيادة أعداد القوات أثناء الفترة 2007 - 2008.

    ويرى العديد من المراقبين في الشرق الأوسط أن الهجمات التي تشنها الجماعات الشيعية المتشددة تتم بدعم إيراني. والواقع أن الحدود الإيرانية العراقية طويلة وسهلة الاختراق - مثلها كمثل الكثير من الحدود في المنطقة. والأسلحة المصادرة من الجماعات المتشددة إيرانية الصنع غالبا، وتم تصديرها حديثا. ومن المرجح أن يكون المقاتلون الشيعة، الذين تمولهم إيران وتحرضهم الدعاية الإيرانية، غير مقتنعين بأن القوات الأمريكية تعتزم الرحيل عن البلاد حقا.

    ولكن ماذا عن هجمات السُّنَّة الأكثر تكرارا؟ من أين تستمد الدعم اللازم لتنفيذها؟

    لقد استنتج الخبراء في مراكز البحوث، والمهووسون بإعادة ترتيب وتقليب القضايا المحيطة بانتشار القوت الأمريكية في بؤر التوتر في العالم، أن العنف المتصاعد من جانب السُّنَّة مرتبط أيضا بانسحاب القوات الأمريكية. فالمفترض أن الجماعات السُّنَّية تحاول إثبات أهميتها، وأنها لم تُهزَم ولم ترتدع بالقوات الأمريكية.

    وينظر الأمريكيون، مثلهم كمثل العديد من الناس خارج الشرق الأوسط، إلى الصراع في العراق باعتباره سببا في تأليب هؤلاء الذين أيدوا الديمقراطية على أولئك الذين دعموا الدكتاتورية والاستبداد على نحو أو آخر (دعاة ''الطريق المسدود''، كما وصفهم وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رمسفيلد في مؤتمر صحافي في البنتاجون). ولكن العديد من الناس في المنطقة يرون أن حرب العراق اشتملت على شيء آخر: نقل السلطة في دولة كانت تحت زعامة السُّنَّة ذات يوم إلى أغلبية شيعية. ويبدو أن العراق تحت حكم الشيعة لم يحظ باستقبال حسن في العالم العربي السُّنَّي. بل إن بعض السُّنَّة المتطرفين في العالم العربي يرون أن القوة الشيعية تشكل تهديدا قاتلا.

    لم يكن الانقسام بين السُّنَّة والشيعة، الذي دام طيلة 1300 عام، هو ما دار في خَلَد قادة الولايات المتحدة عندما قرروا غزو العراق في عام 2003. وعلى أية حال، فإن مثل هذه الهويات الطائفية لا تشكل الأساس اللازم لازدهار ذلك النوع من السياسة التي ينبغي لدولة ديمقراطية في القرن الحادي والعشرين أن تنتهجها. كان أمل قادة الولايات المتحدة أن تتم صياغة هذه الهويات على أرضية أخرى أكثر علمانية. ومن الصعب أن نجزم بالشكل الذي كان من المفترض أن تكون عليه تلك الأرضية - دولة الرفاهية؟ الضرائب؟ التنظيم؟ - ولكن بموجب العقلية الأمريكية فإن الهويات السياسية العلمانية ستنشأ على نحو أو آخر، وسيكون العراق موضع ترحيب، بل وقد يُقتدى به في أماكن أخرى من العالم العربي.

    لا شك أن ذلك لم يحدث، وعندما استوعب السُّنَّة والشيعة على السواء عملية اجتثاث حزب البعث باعتبارها انتقاما موجها ضد السُّنَّة، كان التمرد قد بدأ.

    أما اليوم فإن التمرد، بقدر ما قد ينطوي عليه من عنف من وقت إلى آخر، لا يلقى الدعم مما نستطيع أن نصفه بأي وصف قريب من غالبية العراقيين، إن كان يلقى أي قدر من الدعم على الإطلاق. والمتمردون الآن لا يحتلون أيا من الأراضي أو المدن، على النقيض من حالهم فيما سبق، وعلى الرغم من أن العديد من السُّنَّة غير راضين عن الحياة في ظل رئيس وزراء يتزعم حزبا سياسيا يتمتع بقاعدة شيعية واسعة، فقد تقبلوا في الأغلب الأعم الواقع الجديد وشرعوا في التركيز على الحصول على أعظم قدر ممكن من الخير من ذلك الوضع الجديد. ولكن هل ينطبق هذا على كل السُّنَّة في بقية العالم العربي؟

    في بقية دول الشرق الأوسط العربي، لم يكن إضفاء الطابع الشيعي على العراق على ذلك النحو غير المسبوق مقبولا على الإطلاق. حتى أن العديد من البلدان في المنطقة رفضت فتح سفارات لها في بغداد، بدعوى ''المخاوف الأمنية'' في كثير من الأحيان.

    في ذروة التمرد السُّنَّي، كرست الولايات المتحدة قدرا كبيرا من الجهد لإغلاق الحدود والسعي إلى رصد واعتراض الأموال غير الشرعية المتدفقة من الجماعات المتطرفة في الدول السُّنَّية إلى العراق. وربما تتسبب الاضطرابات المستمرة في العالم العربي الآن في تشتيت انتباه الخدمات الأمنية التي كانت فيما سبق تسعى إلى منع هذه التدفقات من الأموال - ولو على مضض في بعض الأحيان - وتحويله باتجاه مشاكل أخرى أكثر إلحاحا. ولعل الأمر يستحق الآن إعادة النظر في هذه المسألة من جديد.


    خاص بـ ''الاقتصادية''

    حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X