Announcement

Collapse
No announcement yet.

رهانات العرب على مصر

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • رهانات العرب على مصر

    رهانات العرب على مصر

    عبدالوهاب بدرخان - الاتحاد الاماراتية

    يراقب العرب جميعاً، وباهتمام خاص، تقلبات المرحلة الانتقالية في مصر. لا يزالون يقدّرون النموذج الذي قدمه الجيش في تعامله مع ثورة الشعب على النظام. ثم أملوا بأن روح الوحدة التي سادت "ميدان التحرير" ستنعكس على خطوات الانتقال إلى النظام "المدني" الجديد. لكن كان من البديهي أن تنفرز المصالح والطموحات لاحقاً، لأن كل من ساهم في الثورة يريد دوراً في تشكيل النظام المقبل، ولأن قوى المعارضة التقليدية تعتبر أن حراكها راكم الحال التي فجّرت الثورة وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون لها قول في ما سيكون، وأخيراً لأن قوى النظام السابق لم تكن حاملة أيديولوجية جامدة تدافع عنها وإنما كانت تجمعاً لأفراد وشِلل مستعدين للعمل تحت أي نظام والتكيّف مع كل الفصول. يضاف إلى ذلك أن الجيش، الذي انبثق منه النظام السابق، وجد نفسه أمام تغيير سيدعوه في الوقت المناسب لالتزام ثكناته وعدم التدخل في الشأن السياسي. ورغم أنه لم يكن مضطراً سابقاً على نحو مباشر، إلا أن النظام كان يعبر عنه ويأخذ رأيه في الاعتبار، أما عدم التدخل بتاتاً مع احتمال التعرض للمساءلة، فيضطره للتحوّط منذ الآن حيال الوضع الذي سينشأ وسيكون مسلحاً بدستور جديد وبرلمان منتخب بنزاهة وتوجه حقيقي مفترض لتطبيق القوانين وتعزيز "دولة القانون".

    بدا كل ذلك جديداً على الجميع، ومتحدياً بوجوب تبني مبادئ وممارسة لم تعرفهما الدولة ولا المجتمع إلا في لحظات عابرة قبل ثورة 1952، ما يعني أن الأجيال المتعاقبة لم تراكم سوى تجارب الافتئات على الدستور والقوانين، لكن نخبتها ومجتمعها المدني حافظا على وعي سياسي قادر على التمييز بين الاستقامة والانحراف. وبرهن الجيل الجديد على استيعاب عميق للحقوق رغم أنه ترعرع في بيئة لم تولِ هذه الحقوق أي أولوية. غير أن المؤهلات الأكيدة والمعترف بها قد تصعب ترجمتها في السعي إلى بلورة بناء متكامل للنظام الجديد. كما أن المؤهلات الخاصة، والشخصية، قد تبقى قاصرة على خوض غمار التجربة الجامعة المطلوبة اليوم بإلحاح للعبور إلى ضفة المستقبل. لذلك يقلق كثيرون، في مصر وفي بلاد العرب، من استمرار الدوامة الراهنة. ليس الجدل ما يُخشى، أو تعدد الآراء، بل يخشى ألا يكون وضوح للرؤية على المدى الطويل، أو أن يتغلب منطق التسويات المؤقتة التي لا تصنع وضعاً مستقراً.
    المشكلة في إدارة المرحلة الانتقالية أن المجلس العسكري لم يعد نفسه لها، لذلك انطلق بمنهج تجريبي تساوت فيه احتمالات الخطأ والصواب. لعله توقع أن يتمكن النظام السابق من ترجيح الخيار الإصلاحي وتسويقه، لكن عندما تحتم السقوط كان على العسكر أن يساهموا في ترتيبه ثم صعب عليهم الاعتراف بما يعنيه، وهو ما اضطروا إليه خطوة خطوة تحت الضغط سواء في ما يتعلق بالولايات المتحدة أو بالمحاكمات أو بمصير جهاز أمن الدولة والحزب الحاكم، وصولاً إلى الشروط الناظمة للانتخابات. وفي كل هذه المحطات لم يبدُ أن المجلس العسكري استطاع الاعتماد على الحكومة، ولا هذه استطاعت أن تعضده تجنباً لانعكاسات الصراع عليها. لذلك واصل "ميدان التحرير" دوره كمعترك وصانع قرار.

    من الواضح أن العسكر كانوا ولا يزالون يرغبون في نهاية قريبة للمرحلة الانتقالية، لكن ليس بأي شكل ولا من دون ضوابط. لا يريدون أن يتهموا لاحقاً بأنهم كانوا السبب في صعود "نظام إسلامي" على أنقاض نظام كانت تركيبته أقرب إلى الليبرالية. لعلهم أدركوا غداة نجاح الثورة أن البلد يحتاج إلى نوع من التسوية التاريخية أو الوفاق التاريخي قبل الانطلاق إلى بناء النظام الجديد، لكنهم لم يسعوا فعلاً إلى إطلاق حوار وطني واسع كان لابد منه. إذ ورث المجلس العسكري بلداً ومجتمعاً نخرتهما الانقسامات التي كان النظام السابق يوظفها ويستثمرها ويمعن في تعميقها، وكان من الطبيعي أن تطفو هذه الانقسامات على السطح بعدما زالت الموانع والقيود. وليس معروفاً حتى الآن لماذا استبعد مثل هذا الحوار. فلو حصل ونجح في التوصل إلى توافقات لسهّل مهمة المجلس العسكري، ولو فشل لبرر المجلس أن يطرح رؤاه من دون أن يشتبه بأنه هو الآخر يفضل الاستفادة من الخلافات على مواجهة مجتمع سياسي متوافق.

    لعل المحك الأخطر والأهم الذي يرتقبه العرب من التجربة المصرية هو ذاك المتعلق بانضواء التيار الإسلامي في ترتيبات التأهل لـ"الدولة المدنية". هذا تحد ألح كثيراً على النظام السابق الذي اكتفى حياله بـ"الحل الأمني"، وها هو يلح على مصر دولة ومجتمعاً. أصبح الإسلاميون، "أخواناً" وسلفاً، بمثابة "فزاعة"، وكل ما يفعلونه حالياً يزيد المخاوف ولا يبددها. لا أحد يطالب حالياً بإقصائهم، لكن فكرة سيطرتهم على أي برلمان مهمته الأولى أن يضع دستوراً جديداً تنطوي على مخاطر داخلية، بغضّ النظر عن اعتبارات الخارج. هذا، أيضاً، كان ولا يزال يحتاج إلى حوار وطني واسع.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X