إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

«مطلوب شانق»

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • «مطلوب شانق»

    «مطلوب شانق»

    علي عبيد - البيان الاماراتية

    بحثت عن تفاصيل الخبر الذي استمعت إليه في التقرير الذي بثته إذاعة "بي. بي. سي" العربية قبل أيام، لكنني للأسف لم أجده، إذ يبدو أن مصدره مراسل الإذاعة في سريلانكا، أو صحيفة سريلانكية تصدر بإحدى اللغتين الرسميتين هناك؛ السنهالية أو التاميلية.

    أما الخبر نفسه فيقول إن السلطات السريلانكية تبحث عن شخص لتعيينه في وظيفة "شانق" في سجونها، بعد أن تمت ترقية "الشانق" الوحيد الذي كان يشغل هذه الوظيفة إلى درجة أعلى، بعد أن أمضى في وظيفته الأولى خمسة وعشرين عاما لم يقم خلالها بعملية شنق واحدة، لأنه لم يطبق حكم من هذا النوع على أي متهم في سريلانكا منذ ثلاثين عاما تقريبا.

    الطريف أن "الشانق" الذي شغرت وظيفته، ورث هذه المهنة عن والده الذي تقاعد بعد أن هيأه لهذه الوظيفة، لكن صاحبنا يرفض أن يعمل ابنه في هذه الوظيفة التي يقول إنها شاقة، رغم أنه لم يمارسها فعليا منذ أن تولاها. لذا وجدت السلطات السريلانكية نفسها في ورطة، لأنه لا بد أن يشغل هذه الوظيفة أحد تحسبا لأي حكم يصدر بالإعدام، الأمر الذي اضطرها لنشر إعلان، علّها توفق إلى "شانق" جديد يحل محل "الشانق" القديم الذي أصبح مكانه شاغرا.

    نصيحتنا للسلطات السريلانكية، إن كانت لم تكن قد عثرت على "شانق" جديد حتى الآن، أن تيمم شطر منطقة الربيع العربي، حيث ما زال هناك "شنّاقون" محترفون، يقتلون كل يوم العشرات، إن لم يكن المئات، حتى أصبح ضحاياهم يُعَدّون بالآف، يزهقون أرواحهم بدم بارد، دون أحكام قضائية ولا تهم ثابتة، اللهم إلا تهمة التآمر المزعومة، وتهمة أخرى لم نجد لها سندا في كل التشريعات، منذ عهد حمورابي وحتى الآن، وهي تهمة التوق إلى استنشاق هواء نقي خال من التسلط والفساد واسترقاق العباد.

    خمسة وعشرون عاما والشانق السريلانكي يتقاضى راتبه دون أن يشنق محكوما واحدا، بينما "شناقونا" يحللون ما ينهبون من أموال وخيرات، ويشنقون الملايين من مواطنيهم ماديا ومعنويا، مستخدمين كل وسائل الشنق، المحلل منها دوليا والمحرم، غير آبهين بأنّات الضعفاء وصرخات المشنوقين، مستمتعين بما يفعلون، لا يشعرون بتأنيب من أي نوع، بعد أن شنقوا ضمائرهم وهم ينصبون المشانق ويعيثون في الأرض قتلا.

    سريلانكا التي لم نعرف منها سوى العمالة الرخيصة التي نستوردها، تبحث عن "شانق" ربما تضطر إلى استيراده من الخارج، وهي التي تصدر الملايين من أبنائها للعمل في شتى أنحاء المعمورة! أي صورة هزلية يرسمها لنا هذا المشهد؟ وأي دلالات تضعنا أمامها هذه الصورة بكل ما تحمله من عوامل الدهشة التي فقدنا الإحساس بها، ضمن ما فقدنا من أشياء كثيرة نسعى إلى استردادها، حتى لو كان الثمن عشرات الشهداء الذين يسقطون كل يوم، بعد أن أسقطوا حاجز الخوف الذي كدنا نوقن أنه لن يسقط أبدا؟

    لو كنت أعرف الطريق إلى السلطات السريلانكية الباحثة عن شانق، لنصحتها بنشر إعلانها في الصحف التي تسبِّح كل يوم بحمد الشانقين، أو بثه في إذاعاتهم وقنواتهم التلفزيونية التي تزيف الحقائق وتلبس الذئاب ملابس الحملان، وتصور المشنوقين ذئابا كاسرة تريد الفتك بالشانقين وتمزيق أوصالهم.

    "الشنق فن.. فعليك أن تشحذ كل مهاراتك"، هكذا يصف "ناتا مولليك" أشهر شانق هندي، مهنة الشنق التي التحق بها وهو في الخامسة عشرة من عمره، حيث عمل مساعدا لوالده "شبلال مولليك" الذي كان هو الآخر شانقا في عهد استعمار البريطانيين، الذين اعتادوا شنق أولئك الذين كافحوا من أجل استقلال بلده الهند. يسرد "ناتا مولليك" بكل فخر وراحة بال، ذكرياته كشانق محترف يعشق مهنته.

    ويتحدث بحنين خاص عن آخر عملية شنق نفذها وجلبت له الشهرة والصيت على مستوى العالم، وجعلت وسائل الإعلام تصفه بأنه "شانق فوق العادة"، لكنه يقول إن الحكومة لم تقدره التقدير الذي يستحقه، ولم تساعده هو وعائلته بعد أن تجاوز الثمانين من عمره.

    الشنق بالوراثة نظرية يبدو أنها تكسب أرضا في أماكن كثيرة، لذلك علينا أن لا نستغرب إذا وجدناها تنتقل من الآباء إلى الأبناء. لكن ما نستغربه هو أن نجد الأبناء يتفوقون على آبائهم، ويصبحون أكثر توحشا كلما هبت رياح التغيير فحركت أغصان الشجرة التي يعتقدون أن رياح الدنيا كلها غير قادرة على تحريك ورقة واحدة منها، غير مدركين أن تبدل الفصول من قوانين الحياة.

    وأن مواسم الخريف آتية لا ريب فيها مهما طال فصل ربيعهم المزعزم، لأن الربيع ليس حكرا على الممسكين بمقاليد السلطة القابضين على رقاب البشر، ولأن كثرة المشانق ليست إلا مسامير تدق في نعوش الأنظمة مؤذنة بقرب زوالها.

    "مطلوب شانق"، إعلان قد يصادفك في صحيفة سريلانكية تحتفظ بها عاملة مساعدة في بيتك، أو تراها في يد عامل نظافة في مقر عملك، فإذا صادفك هذا الإعلان فلا تمر عليه مرور الكرام، تأمله جيدا قبل أن تعيد الصحيفة إلى صاحبها أو تلقي بها في سلة المهملات، واسأل نفسك: لماذا راجت صنعة الشنق لدى شعوب حتى طغى عدد الشانقين على عدد المشنوقين؟ ولماذا بارت لدى شعوب أخرى حتى لم تعد قادرة على توظيف شانق واحد لتنفيذ أحكام قضاتها؟

    إن بلدا يصعب العثور فيه على شانق وينبذ أهله الشنق والشانقين، لهو بلد جدير بالتقدير والاحترام، أيًّا كانت عقيدة أهله أو ملتهم أو موقعهم بين شعوب الأرض وأممها.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X