Announcement

Collapse
No announcement yet.

الخسارة والربح في صراع أمريكا مع القاعدة

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الخسارة والربح في صراع أمريكا مع القاعدة

    الخسارة والربح في صراع أمريكا مع القاعدة



    الاقتصادية

    ليون برخو

    الكتابة في هذا الموضوع ليست أمرا سهلا. ولن أخفي قرائي الكرام سرا أنني لم أكن أتجرأ على الكتابة في هذا الشأن لو لم يشبعه نقاشا كبار المفكرين والعلماء الأمريكيين في الإعلام بمناسبة الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر.

    لقد اكتوى العالم، ولا سيما العربي والمسلم منه، بنار أحداث 11 سبتمبر. وقد قيل إن العالم ما بعد هذه الأحداث لن يكون كما قبلها. وللجملة الأخيرة هذه معان شتى. أمريكا كمؤسسة نظرت وتنظر إلى الأمر أن لا مكان لما تسميه "العنف أو الإرهاب الإسلامي" بعد اليوم. القاعدة تنظر إليه أن لا أمان لأمريكا وحلفائها قبل أن يتحقق الأمن للعرب والمسلمين.

    ونحن المفكرين نراه تقسيما جديدا للعالم. من جهة هناك أمريكا وحلفاؤها الغربيون الذين وضعوا أنفسهم في موقع القضاة والمشرعين والمنفذين لما يعتقدونه صوابا بغض النظر عن إرهابية وعنف أعمالهم وأفكارهم. بمعنى آخر أن أمريكا تتكئ على وسادة الأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة ومن يقاومها أو يعاديها يقاوم ويعادي أخلاقها وقيمها السامية.

    وفي الجهة المقابلة يقبع العالم العربي والمسلم الذي، من وجهة النظر الأمريكية والغربية، لا مكان له في سلم الأخلاق والقيم الإنسانية. بمعنى آخر، مهما فعل هذا الجزء من العالم، فإنه يقع في خانة اللاأخلاقية وفقدان القيمة والقيم الإنسانية.

    وينسحب هذا على حقوق الإنسان التي تتبجح بها أمريكا وحلفاؤها، فحقوقهم الإنسانية أرفع شأنا وأكثر مقاما وأهمية من حقوق الإنسان العربي والمسلم.

    ولهذا إن احتلت أو غزت أمريكا بلدا عربيا أو مسلما فإن هدفها نشر الأخلاق والحرية والقيم الإنسانية. وإن قاوم غزوها العرب والمسلمون فإنهم يقعون في خانة الإرهاب والعنف الإسلامي ويصبح قتلهم واستعبادهم وإهانتهم مباحة. أما قتل الغزاة والمحتلين فيضعونه في خانة مقاومة الحس الإنساني السليم وحقوق الإنسان السامية.

    هذه نظرية قد تبدو للبعض أنها تنطلق من أرضية شخص اتخذ معاداة أمريكا والغرب نبراسا وقاعدة. لا والله، هذا ليس ديدني. ما أريد الوصول إليه هو إن كان هناك دليل حسي ومادي للبرهنة على هذه النظرية. إن وجدناه على أرض الواقع فالنظرية سليمة وإن لم نجده فالنظرية عقيمة.

    في فلسطين لنا برهان قاطع. إسرائيل، ربيبة الغرب وأمريكا، لها من المكانة الأخلاقية والإنسانية وحقوقها أضعاف ما لدى الفلسطينيين رغم أنها دولة تحتل بقوة السلاح شعبا آخر وتنتهك حرماته وأرضه وعرضه على المكشوف. كل الصفات غير الحميدة وكل الأعمال التي لا توائم القيم والأخلاق الإنسانية تنسبها أمريكا إلى الفلسطينيين. حتى مقاومة الاحتلال التي يشرعها القانون الدولي والأمم المتحدة تتحول إلى إرهاب وعنف ويحول تغول إسرائيل وانتهاكها لأبسط حقوق الإنسان إلى مرتبة أخلاقية لا تضاهى.

    وخذ العراق كمثال آخر، دخله الغزاة الأمريكيون واقترفوا من الجرائم والمآسي ما لم يقترفه المغول المتوحشون عند دخولهم بغداد. لا تأخذ مقارنتي هذه كنوع من المبالغة. إنها الحقيقة لو وضعنا الغزو الأمريكي للعراق في منظاره التاريخي.

    يقول جوزيف ستيغتليز، وهو واحد من أبرز علماء الاقتصاد في العالم وكاتب أمريكي لامع، إن الخسائر والمآسي التي ألحقتها أمريكا بالعراق رهيبة وهائلة: هناك أكثر من مليون قتيل عراقي، لقوا حتفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة جراء الغزو. بعض التقارير، يقول هذا الكاتب العلامة، تشير إلى قتل ما لا يقل عن 137,000 من الأفغان والعراقيين بصورة عنيفة من قبل قوات الغزو. ويضيف لقد هرب من الجحيم الذي خلقه الأمريكيون وأعوانهم في العراق 1.8 مليون عراقي إلى الخارج، وبلغ عدد العراقيين، الذين أرغموا على ترك منازلهم، ولم يستطيعوا مغادرة العراق 1.7 مليون – أي أنهم صاروا لاجئين في عقر دارهم.

    مع كل هذا لا تزال أمريكا تمنح نفسها المكانة الأخلاقية العليا، وذلك بوصفها لنفسها كمحررة للشعوب ورائدة حقوق الإنسان والأخلاق في العالم.

    وأمريكا وحلفاؤها ما زالوا في غيهم ينسون أنهم خسروا المكانة الأخلاقية العليا التي كانوا ينسبونها لأنفسهم. بمعنى آخر أنهم أفلسوا فكريا رغم جبروتهم العسكري. حتى هذا الجبروت جرت إهانته في العراق وأفغانستان من قبل مقاومين حفاة متسلحين بالفكر قبل السلاح.

    القاعدة – مهما كان موقفنا منها سلبيا أو حتى إيجابيا – ليست دولة أو مؤسسة. إنها فكرة، وإن كان البعض يراها فكرة جهنمية، لا تقاوم ولا يمكن الانتصار عليها إلا بتقديم فكرة أفضل منها على أرض الواقع. السلاح لا يمكن أن يتغلب على الفكر. وهنا يكمن ضعف لا بل طامة الأمريكان وحلفائهم.

    بدلا من أن يقدموا لنا نموذجا أخلاقيا وإنسانيا ساميا وراقيا، وقعوا في أتون أكثر شرانية وأكثر عنفا وأكثر لا إنسانية من الذي ادعوا أنهم يحاربونه. وصار كثير من المفكرين اليوم ينددون بأفعال أمريكا وحلفائها لأنها استندت إلى العنف والإرهاب في محاربتها لما تسميه "الإرهاب الإسلامي" ولم تكترث لأسبابه ودوافعه، لا بل لم تترك المجال لأحد أن يناقش هذه الأمور.

    وهكذا سقطت أمريكا في الفخ ذاته الذي نصبته لها القاعدة. القاعدة كفكرة، إن أحببناها أو مقتناها، ازدادت بأسا لأن النموذج الذي قاومها أسوأ منها. ميدانيا، قد حدث تراجع كبير للقاعدة ولكنها كفكرة ما زالت قائمة وستبقى ما لم يتم دراسة ومعالجة الأسباب والدوافع التي تجبر بعض المجموعات العربية والإسلامية على القيام بما تقوم به.

    وإلى اللقاء.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X