بدر الراشد - الحياة

منذ فترة ليست بالقصيرة، وهناك فكرتان تتكرران باستمرار بخصوص التوازنات السياسية والعسكرية في الخليج العربي. هاتان الفكرتان ترتبطان بعضهما ببعض، وربما تكونان بمنزلة السبب والنتيجة، وإن لم تذكرا في السياق نفسه.

الفكرة الأولى مفادها بأن إيران أخطر على العرب من الكيان الإسرائيلي. والفكرة الثانية أو النتيجة أن التحالف مع إسرائيل مهم في هذه المرحلة؛ لمواجهة الخطر الإيران.

غالباً ما يتم تبرير فكرة التحالف بمبرر يفصل بين الأوضاع في المنطقة العربية والأوضاع بالخليج، باعتبار إسرائيل لم تهاجم دول الخليج بشكل مباشر، وبأن المصالح الوطنية لدول الخليج تتمثل في تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ باعتبارها أمراً واقعاً لا مفر منه، ويلي التطبيع أو يواكبه بناء حلف؛ لمواجهة الأطماع الإيرانية في المنطقة. ولاسيما مع اتفاق أميركي-إيراني يبدو وكأنه حتمي بخصوص المفاعل النووي. هذه الرؤية تغفل الدول العربية لمناطق نفوذ أساسية لدول الخليج، بل امتداد لها.

غالباً ما يُتهم من يرفض هذه الرؤية بأنه غير عقلاني وعاطفي، وبأن المصالح الوطنية اليوم تفرض خطوة بهذا الاتجاه، بغض النظر عن تاريخ الصراع العربي-الصهيوني.

إن خيار بناء حلف مع إسرائيل بعيد عن أي واقعية أو عقلانية. وهو خيار مبني على مجموعة من التوهمات والأحكام اللحظية. فجميع الأسباب التي تجعل إيران مصدر خطر في المنطقة، تجعل الكيان الإسرائيلي أشد خطراً وفتكاً منها؛ فإيران مصدر خطر أساسي على المنطقة وعامل عدم استقرار لثلاثة أسباب رئيسة: تدخلاتها في الدول العربية. سعيها إلى امتلاك سلاح نووي يضمن هيمنتها العسكرية. تعريفها لنفسها على أساس طائفي، ولعبها على هذا الوتر لمد نفوذها وإشباع نهمها التوسعي.

لو أدرْنا وجهنا شطر الكيان الصهيوني لوجدناه يفعل كل هذه الموبقات بطريقة أشد فتكاً وأكثر خطراً على المنطقة. فالكيان الصهيوني أُسِّس على أراضٍ عربية، وتمدد داخل أراضٍ عربية أخرى عبر عقود من الصراع، وهو يتدخل في المنطقة بالاحتلال العسكري تارة (احتلال سيناء والجولان-اجتياح بيروت...) والعدوان العسكري الخاطف تارة أخرى (قصف دمشق خلال الأشهر القليلة الماضية-قصف الأراضي اللبنانية...)، إضافة إلى التنكيل اليومي بالشعب الفلسطيني وتشريده واحتلال أراضيه، فإذا كانت إيران مرفوضة في المنطقة بسبب دعمها للقمع وقتل العرب، فإسرائيل تقتل عرباً أيضاً بشكل يومي ودائم، وتنكل بهم.

إن كان سعيُ إيران إلى امتلاك سلاح نووي عامل زعزة لأمن المنطقة، فإسرائيل تملك سلاحاً نووياً منذ عقود، وتستميت من أجل أن تكون هي القوة النووية الوحيدة فيها. وما زال طنين الطائرات الإسرائيلية التي قصفت المفاعل النووي العراقي في الثمانينات يسمع في الذاكرة، كمثال صغير على الرغبة المسعورة في التفوق العسكري.

بل يمكن القول بأن وجود الكيان الصهيوني سبب من أسباب عدم التوازن العسكري العربي مع إيران؛ باعتبار أن الولايات المتحدة ضمنت للكيان الصهيوني منذ عقود أن يكون تسليحه متفوقاً على دول المنطقة العربية مجتمعةً، وباعتبار الولايات المتحدة قاتلت بشكل مباشر واحتلت العراق سنة 2003، بحجة امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، لم تكن تشكل خطراً على أحد إلا إسرائيل، ولاسيما بعد انفراج العلاقات العراقية-السعودية قبل الاحتلال الأميركي بسنوات. فتدخلت الولايات المتحدة لحماية إسرائيل من أسلحة دمار شامل محتملة في العراق، أدى إلى تسليم العراق لإيران، كما يعرف الجميع. الأمر الآخر، إن كانت كراهية إيران تنبع من تعريفها لنفسها طائفياً، واللعب في المنطقة على هذا الأساس، فهذا ما تفعله إسرائيل حرفياً. فالكيان الإسرائيلي يرسِّخ مسألة «يهودية الدولة»؛ من أجل تبرير اضطهاد وقمع العرب الواقعين تحت احتلالها، ويستقبل المهاجرين اليهود من أقطار الأرض كافة؛ ليعزز وجوده في المنطقة.

ما يجعل الكيان الصهيوني أكثر خطورة من إيران أنه كيان استعماري لا ينتمي إلى المنطقة. فالعرب تصارعوا مع الفرس منذ آلاف السنين، وحُكِمت بعض الأجزاء العربية من الفرس، ثم انهارت الإمبراطورية الفارسية على يد العرب، وحُكِمت إيران من قبلهم...، وحتى بعد نشأة الدول الحديثة، شهدت العلاقات العربية-الإيرانية شداً وجذباً من أيام الشاه، وحتى الثورة الخمينية والحرب العراقية-الإيرانية.

فالصراع العربي-الإيراني قديم، وهدفه إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي، وكف تدخلاتها في الوطن العربي. أي بكلمات أخرى، تحطيم طموحات إيران التوسعية. في مقابل أن الكيان الإسرائيلي لا ينتمي إلى المنطقة، بل كيان مصطنع داخلها، وقائم على أساس استعماري إحلالي يفرِّغ المنطقة من أهلها؛ ليحل مكانهم. فالمعركة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني معركة وجود لا مسألة كسر نفوذ ودحر توسع. وهذا ما يجعل إسرائيل تحرص على تفوقها الدائم في المنطقة وزعزعة استقرار خصومها وإضعافهم، فبغير تفوقها العسكري لن تستطيع أن تضمن وجودها في المنطقة، وهي الكيان الاستعماري الذي زرع داخلها، ولا ينتمي إلى نسيجها.

لو تجاوزنا كل هذا، لا يمكن لدولة أن تعتمد في أمنها الاستراتيجي على دولة أخرى استعمارية وعدوانية؛ فالعرب عندما تحالفوا مع البريطانيين ليتحرروا من العثمانيين وقعوا تحت سياط الاستعمار الأوروبي. ويبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه، عندما يدعو بعضهم إلى تحالف عربي-إسرائيلي ضد إيران، من أجل الخروج من رحمة دولة ذات طموحات توسعية كإيران؛ لمصلحة كيان استعماري كإسرائيل، بما يشبه تحالف بعض قبائل الهنود الحمر مع المستعمر الأبيض في أميركا الشمالية ضد قبائل أخرى، فكانت النتيجة أن هيمن البيض على كل شيء، وسلب من الهنود الحمر أراضيهم وأرواحهم.