أكرم سكريّة - المستقبل اللبنانية


قدّمت قوى 14 آذار على مدى عشر سنوات الشهيد تلو الشهيد. من مروان حمادة (الشهيد الحي) حتى محمد شطح. صمدت هذه القوى في وجه مشاريع الهيمنة السياسية لإيران ونظام الأسد. ومن أجل فرض مشروع الهيمنة الإيرانية في لبنان، كان إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكان 7 أيار عام 2008 وكان إسقاط حكومة الوحدة الوطنية عام 2011.

شكّلت ثورة الشعب السوري على نظام الأسد بداية تراجع مشروع الهيمنة الإيرانية على لبنان فكان «إعلان بعبدا«. ومن ثم، كانت إستقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتشكيل حكومة الرئيس تمام سلام.

لكن تراجع مشروع الهيمنة الإيرانية لم يواكب بمشروع سياسي هجومي لتحالف قوى 14 آذار كالإرتقاء بمستوى التحالف إلى مأسسة هذا التحالف وتشكيل حركة 14 آذار أو تيار 14 آذار. وهذا ما ينعكس فراغاً في الحياة السياسية اللبنانية. فهل آن أوان الصحوة السياسية لهذه القوى؟

خيبة الأمل الشيعية من «حزب الله»

وعد «حزب الله« بعضاً من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة بالتحكم بلبنان، كما تحكم نوري المالكي بالعراق. فكانت خيبتهم كبيرة على أرض الواقع. فلا تحرير الجنوب عام 2000 ولا «النصر الإلهي« عام 2006 ولا إغتيال الرئيس رفيق الحريري ولا 7 أيار عام 2008 ولا إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011 مكّنهم من القدرة على طرح مشروع تعديل دستوري ما، يأخذ في الإعتبار مقولة «الأكثرية الفعلية والأكثرية الوهمية« ولا مقولة «المقاومة التي تحرر تحكم«.

بل إكتشف هؤلاء، أن تضحياتهم من أبنائهم وعائلاتهم ذهبت هباءً منثوراً. وجل ما حققوه هو ثراء العديد من السياسيين والقيادات الحزبية على حساب دماء أبنائهم حتى قال فيهم أحد شعراء الجنوب : «مقاولي موت«، وصعود مناخ عدائي لهم في العالمين العربي والإسلامي باستثناء إيران طبعاً. إلى جانب الميل الدولي لإعتبارهم إرهابيين.

إلى جانب هذا، فإن بشار الأسد ونظامه ذاهبان إلى الجحيم فما من عاقل يمكن أن يعتقد أن بشار الأسد يمكن أن يحكم سوريا مجدداّ. وبالتالي فسوريا الجديدة لن تكون صديقة، لا لإيران ولا «لحزب الله«.

وفي هذا المناخ التراجعي الذي بدأ بالتبلور عام 2012، سعى «حزب الله« للحوار مع تيار المستقبل بحثاً عن تقطيع الوقت بأقل خسائر ممكنة في وجه التطرف السني، الذي ليس إلا إنعكاساً لمشروع الهيمنة الإيراني. فكان إرتخاء في منسوب مستوى العصبية الطائفية في البيئة الحاضنة لحزب الله. وهذا ما تم التعبير عنه في مشاركة مندوب لكل من دولة الرئيس نبيه بري وسماحة العلامة السيد علي فضل الله في الذكرى العاشرة لإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

هذا إلى جانب إستطلاعات الرأي التي تؤشر إلى تراجع تأييد «حزب الله« في البيئة الشيعية إلى ما دون 50%، كان اللقاء الواسع الذي دعت إليه جمعية «ملتقى الأديان والثقافات«، التي يرعاها سماحة السيد علي فضل الله في 20 شباط عام 2015 في الأونيسكو، والذي أكد ما أتت به إستطلاعات الرأي هذه، عن تشكل مناخ إنفضاض للبيئة الشيعية عن «حزب الله«.

خيبة الأمل المسيحية من الجنرال ميشال عون

في خريف عام 2004، وكانت المخابرات السورية لا تزال تتحكم بلبنان، صرّح العماد ميشال عون، من منفاه الباريسي، انه عائد إلى لبنان في شهر أيار عام 2005.

عاد العماد متوجاً زعيماً مسيحياً بنسبة 70% من أصوات المسيحيين. تخلى عن شعار سيادة، حرية، إستقلال ليوقع تفاهماً مع «حزب الله«.

في عيد مار مارون، ذهب إلى براد (مسقط رأس مار مارون) للإحتفال بالعيد، غير أنه مرّ مرور الكرام في زيارة شخصية، بصحبة صهره الوزير جبران باسيل ، لبشار الأسد!

ساهم بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011 وأعلن أن رئيس الحكومة يسمى من الرابية (منزله المؤقت)، وبأن الرئيس سعد الحريري ذهب بـ one way ticket، ومن ثم عاد ليحاوره كرئيس لأكبر كتلة برلمانية من أجل إنتخاب رئاسة الجمهورية.

تراجعت شعبية العماد ميشال عون إلى النصف في إنتخابات عام 2009 وهي تستمر في التراجع إلى ما دون 30% حسب إستطلاعات رأي أجريت أخيراً.

ولقد تناول إعلام قوى 8 آذار مستهجناً ضمناً، مشاركة نواب ووزراء من التيار الوطني الحر في إحياء الذكرى العاشرة لإستشهاد الرئيس رفيق الحريري معلقاً بأن منْ لم يتمكن من الحضور من نواب تكتل التغيير والإصلاح، اتصل معتذراً.

ولا بدّ أنّ التراجع في التأييد المسيحي اللبناني لخيارات العماد ميشال عون السياسية هو ما دفعه لإطلاق الحوار مع حزب القوات اللبنانية والذي لن يشكل طبعاً رافعة لوصوله المستحيل لرئاسة الجمهورية.

فما هو حال جمهوره بعد إنتخابات رئاسة الجمهورية التي لن تكون من نصيبه حكماً؟ وهل ستبرز إلى السطح الصراعات داخل التيار الوطني الحر قريباً«؟

نعم، فها هو الشارع المسيحي ينتج التجمع السياسي تلو التجمع حول شخصية سياسية كان لها أدوار سياسية في فترات زمنية سابقة، مما يؤشر إلى دينامية إجتماعية سياسية مترافقة مع فراغ في سدة رئاسة الجمهورية التي من المفترض أن تشكل مركز إستقطاب سياسياً أساسياً للرأي العام المسيحي خارج الاصطفافات الحزبية.

خيبة أمل جمهور 14 آذار 2005 من قوى 14 آذار 2015

يغلب على القوى السياسية المكونة لتحالف قوى 14 آذار ألوان طائفية. هذا ما يضعها في موقف دفاعي عند الحديث عن إنتاج قانون إنتخابي نيابي في وجه مزايدات مذهبية طائفية من بعض قوى 8 آذار التي تسارع إلى طرح النسبية على قاعدة لبنان دائرة إنتخابية واحدة وبعضها الذي يسارع إلى طرح إلغاء الطائفية السياسية.

ولقد عجزت قوى 14 آذار حتىى الآن عن الإرتقاء بمستوى تحالفها إلى تأسيس تيار 14 آذار أو حركة 14 آذار، حيث تجتمع في هذا الإطار مكونات هذا التحالف على قاعدة الإنتماء لهذه الحركة أو هذا التيار مع إنتاج خطاب وطني موحد ومشروع سياسي وطني واضح الأسس يعمل فعلاً على تنفيذ إتفاق الطائف.

هذا في ظل خيبة الأمل التي يعيشها جمهور قوى 8 آذار بفعل ما وصل إليه النظام السوري إذ سقط أي رهان لهُ (أي لهذا الجمهور) على هذه القوى لإنقاذ لبنان ووضعه على سكة التقدم الإجتماعي. فأين هو الخيار السياسي الوطني البديل؟

من هنا فإن إنشاء حركة 14 آذار، حركة وطنية جامعة، تشكل بطبيعتها حالة نوعية جديدة، متمايزة عن كل مكون من مكوناتها هو الشرط الذي لابد منه Sinequanon لإخراج لبنان من أزمته الراهنة. ولكي تكون هذه الحركة، حركة وطنية جامعة لابد من دعوة الأحزاب السياسية اللبنانية التي شكلت رافعة لتحالف قوى 14 آذار في فترات سابقة، كالحزب التقدمي الإشتراكي وحركة التجدد الديمقراطي... لتسهم في هذه الحركة.

إن قوة تحالف قوى 14 آذار بصيغته الراهنة، تتم وفق متوالية حسابية لمجموع هذه القوى فإذا كانت قوة كل منها تساوي خمسة مثلاً أصبح مجموعها 5+5+5 = 15 على سبيل المثال. أما قوة هذه القوى مجتمعة في إطار سياسي واحد على قاعدة تبنيها لمشروع سياسي وطني لبناني واضح فتتم وفق متوالية هندسية وإذا كان إحتسابها على قاعدة ان كلاً منها يساوي خمسة مثلاً فتصبح قوتها 5×5×5= 125 وهذه قاعدة علمية تستخدم في إطار أبحاث علم النفس /الإجتماعي.

وإذا كان زمن ما قبل الثورة السورية يعطي مبرراً لقوى 14 آذار، بأنها كانت في موقع الصمود وعدم الخضوع لقوى الأمر الواقع، فإن زمن ما بعد الثورة السورية لا يترك أي ذريعة لهذه القوى لعدم الإرتقاء بمستوى تحالفها إلى البرنامج السياسي الوطني الواضح وإلى مأسسة هذا التحالف.

إنها اللحظة، التي تعيد الثقة لجمهور 14 آذار عام 2005 بقيادته السياسية. وهي اللحظة التي تنتج المخرج السياسي لجمهور قوى 8 آذار لتخرجه من مأزقه التاريخي.

وقد تشكل هذه اللحظة، أي لحظة مأسسة تحالف قوى 14 آذار والإرتقاء بمستوى هذا التحالف، نموذجاً يحتذى من قبل القوى السياسية الليبرالية في المجتمعات العربية، هي في أشد الحاجة إليه.

لقد إجتمعت قوى 14 آذار في ذكرى إحياء إستشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2015 تلبية لدعوة تيار المستقبل. وإجتمع إليها ممثلو تحالف قوى 8 آذار بإستثناء «حزب الله« الذي لم يدع أصلاً. هذا إلى جانب مشاركة 45 سفيراً من دول العالم.

وما كان لافتاً هو مشاركة القوى والمرجعيات والشخصيات السنية كافة بإستثناء الرئيس نجيب ميقاتي الذي لم يدع أصلاً، في لحظة مواجهة تيار المستقبل لمشروع الهيمنة الإيرانية من جهة وللتطرف المذهبي السني الذي هو نتاج لمشروع الهيمنة الإيرانية من جهة أخرى.

ولقدعبّرت كلمة الرئيس سعد الحريري عن الثوابت السياسية لتيار المستقبل ومصداقية مواقفه السياسية على قاعدة الانتماء للبنان أولاً. وهذا ما أكدته نوعية الحضور من جهة وكثافته من جهة أخرى.