إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العيش مع الفلسطينيين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العيش مع الفلسطينيين

    العيش مع الفلسطينيين

    لنبدأ بالامر الاكثر أهمية بشأن الحياة والموت لدولة اسرائيل. اذا لم يكن هنا دولتين وسريعا فستكون هنا دولة واحدة. واذا كانت هنا دولة واحدة فهي ستكون دولة عربية من البحر إلى النهر. واذا كانت هنا دولة عربية فلن نحسد أولادنا وأحفادنا.

    لقد قلت: دولة عربية من البحر إلى النهر ولم أقل دولة ثنائية القومية: باستثناء سويسرا فان كل الدول متعددة القوميات تصرف بأسنانها غضبا (بلجيكا واسبانيا)، أو أنها انهارت أو تمر بحمام دموي (لبنان، قبرص، يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي).

    اذا لم يكن هنا دولتين وسريعا فمن الممكن جدا من اجل اعاقة اقامة دولة عربية من البحر إلى النهر تكون تسيطر عليها، بصورة مؤقتة، دكتاتورية ذات سمات عنصرية، دكتاتورية تقمع بيد من حديد العرب والمعارضين من اليهود. دكتاتورية كهذه لن تُعمر. تقريبا فانه لا توجد أي دكتاتورية لاقلية مضطهدة للاغلبية قد عمرت في العصر الحالي. ايضا في نهاية هذا الطريق تنتظرنا دولة عربية من النهر إلى البحر، وقبل ذلك ربما ايضا مقاطعة دولية أو حمام دموي أو كلاهما.

    يوجد عندنا كل أنواع الحكماء الذين يُحدثوننا أنه لا يوجد حل للصراع، ولهذا فانهم يدعون إلى فكرة «ادارة الصراع». «ادارة الصراع» ستبدو مثلما بدا الصيف الاخير. «ادارة الصراع» تفسيرها هو استمرار لحرب لبنان الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والرصاص المصبوب وعمود السحاب والجرف الصامد وقوس مشدود والجزم الحديدية والضربات القاتلة. وربما ايضا انتفاضة أو اثنتين في القدس والمناطق. إلى حين انهيار السلطة الفلسطينية وصعود حماس، أو جسم أكثر تطرفا من حماس. هذا هو معنى «ادارة الصراع».

    الآن سنتحدث لحظة عن حل الصراع: منذ 100 سنة وأكثر (يمكن أن ندعوها «100 عام من العزلة») لم يكن لدينا فيها ساعة أفضل لانهاء الصراع. ليس بسبب أن العرب تحولوا فجأة ليصبحوا صهيونيين، وليس جراء أنهم مستعدون الآن للاعتراف بحقوقنا التاريخية على البلاد، ولكن بسبب أنه يوجد الآن وفي المستقبل المنظور لمصر والاردن والسعودية ودول الخليج ودول المغرب وحتى لسوريا بشار الاسد عدوا أكثر الحاحا وأكثر فتكا وأكثر خطرا من دولة اسرائيل.

    قبل 12 سنة وضعت أمامنا مبادرة السلام السعودية التي هي في الاساس مبادرة الجامعة العربية. لا أوصي بأن تسارع اسرائيل في التوقيع على هذه المبادرة ولكنها بالتأكيد مناسبة لنجري حولها مفاوضات ونساوم عليها. كان علينا القيام بذلك منذ 12 سنة، وربما كنا سنكون في مكان آخر تماما. لو قُدم لنا عرض كهذا في ايام بن غوريون وليفي اشكول، في ايام لاءات القمة العربية في الخرطوم، لكنا خرجنا جميعا للرقص في الشوارع.

    دعوى وليس حقاً

    سأقول الآن أمرا مختلَفا فيه: على الاقل منذ حرب الايام السنة في 1967 فاننا لم ننتصر في أي حرب. ولا في حرب يوم الغفران. الحرب ليست لعبة كرة سلة حيث فيها يحصل على الكأس من يحقق عددا أكبر من الاهداف. في الحرب حتى لو أننا أحرقنا دبابات أكثر مما حرق العدو وأسقطنا عددا أكبر من الطائرات واحتللنا اراضٍ من العدو، فلا يعني ذلك أننا انتصرنا. المنتصر في الحرب هو من يحقق هدفه، والخاسر هو من لا يحقق هدفه. في حرب يوم الغفران كان هدف أنور السادات هو انهاء الوضع الراهن الذي نشأ في 1967 وقد نجح في هذا. لقد هُزمنا لأننا لم نحقق هدفنا، ولم نحققه لأنه لم يكن لنا هدف وايضا لم يكن بالامكان أن يكون لنا هدف يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية.

    هل قلت بهذا إن القوة العسكرية أمر زائد، لا سمح الله. في كل لحظة معطاة في السبعين سنة الاخيرة، فان قوتنا العسكرية تقف دائما بيننا وبين الخراب والتدمير. وعلينا أن نتذكر فقط: عندما يدور الحديث عن اسرائيل وجاراتها، فان قوتنا العسكرية يمكنها فقط أن تمنع. أن تمنع كارثة. أن تمنع تدمير. أن تمنع ضربة جماعية لسكاننا، ولكن أن ننجح في الحروب، لا نستطيع. ببساطة لأنه ليس لنا أهداف يمكننا تحقيقها بالقوة العسكرية. وبسبب ذلك، فانني أرى في فكرة «ادارة الصراع» وصفة لمشكلة بعد مشكلة، ولا أريد القول لهزيمة إثر هزيمة.
    الكثير من الاسرائيليين يعتقدون ـ أو أنهم يغسلون دماغهم من اجل الاعتقاد ـ أنه فقط اذا أخذنا عصا طويلة جدا وضربنا بها العرب ضربة اخرى أقوى وأشد، فانهم سينذهلوا وسيتركوننا لشأننا مرة والى الأبد، والامور ستسير بشكل جيد. لقد مر نحو 20 سنة ولم يتركنا العرب لشأننا رغم عصانا الكبيرة. في هذه الايام فان سلطتنا القمعية في المناطق المحتلة تعمل على انهيار السلطة الفلسطينية. بسقوطها سنجد أنفسنا نقف أيضا في الضفة أمام حماس، إن لم يكن اسوأ من ذلك، ملايين الفلسطينيين المستعبدين وعديمي الحقوق. نحو ثلث اراضي الضفة تمت سرقته من قبل اسرائيل والسرقة مستمرة.

    اليمين والمستوطنون يقولون لنا إن لنا حقوق على كل ارض اسرائيل، وحقوق على جبل الهيكل، ولكن ماذا يقصدون بكلمة حق. الحق ليس ما أريده بشدة ولا أنني أشعر بدرجة كبيرة أنه يعود لي، لكن الحق هو ما يعترف الآخرون به بأنه حقي. اذا لم يعترف الآخرون بحقي، أو اذا كان جزء منهم يعترف بحقي، عندها فان ما هو موجود ليس حقاً لكنه دعوى. هذا هو الفرق بين الرملة ورام الله، بين حيفا ونابلس، بين بئر السبع والخليل: كل العالم، بما في ذلك معظم العالم العربي والإسلامي (باستثناء حماس وحزب الله وإيران)، يعترف اليوم بأن حيفا وبئر السبع هي لنا، لكن لا أحد في العالم باستثناء المستوطنين ومؤيديهم في اليمين المتطرف الامريكي، يعترف بأن نابلس ورام الله لنا. هذا هو الفرق بين الحق والدعوى.

    يقول المستوطنون وداعموهم: «يوجد لنا حق على كل ارض اسرائيل»، ولكن في الحقيقة فانهم يقصدون القول لنا شيئا آخر تماما: ليس أن هناك حق لنا ولكن علينا واجب ديني أن نتمسك بكل شبر. عندما أقف بالقرب من ممر للمشاة فبالتأكيد يعني أن لي الحق في قطع الشارع، ولكن اذا رأيت شاحنة مسرعة نحوي بسرعة 100 كم في الساعة، فان لي ايضا الحق الكامل بألا استخدم حقي ولا أقطع الشارع.

    أتحدث مثلا عن جبل الهيكل. لماذا لا يكون لليهود الحق في الصلاة في جبل الهيكل؟ ولكن يوجد لنا ايضا حق بألا ننفذ في هذا الجيل هذا الحق. يوجد بيننا أناس يرون أن الصراع مع 200 مليون عربي هو أمر صغير عليهم، لقد بات مكروها لديهم، لقد بدأ يُضجرهم، يريدون اثارة. هم يريدون أن يجرونا إلى حرب مع كل الإسلام، مع اندونيسيا وماليزيا وتركيا وباكستان النووية. أنا اسأل هل نريد الموت من اجل الصلاة في جبل الهيكل؟ هذا ليس مكتوبا في أي مكان في المصادر الاسرائيلية. هذا ليس أمرا نموت دونه. من يريد تمرير حرب عالمية من اجل جبل الهيكل ـ بدوني، فليتفضل. بدون اولادي وبدون أحفادي.

    ايضا الحرب ضد كل الإسلام لا تكفيهم. هناك من يجرونا إلى حرب ضد كل العالم. قبل نحو اربعين سنة، في اليوم التالي لانقلاب 1977 وصعود الليكود إلى الحكم، كان أحد محرري الصحف سعيدا جدا من الانقلاب، لدرجة أنه افتتح مقاله الرئيس بالكلمات التالية التي لا تنسى: «إن انتصار حزب الليكود في الانتخابات في اسرائيل يعيد امريكا إلى حجمها الحقيقي». هناك اليوم ايضا كما يبدو محاولة اسرائيلية لارجاع امريكا إلى حجمها الحقيقي. لتدمير التحالف بين امريكا واسرائيل لصالح تحالف بين يميننا المتطرف وبين اليمين المتطرف في امريكا. يقولون لنا الآن التالي: «زعيم العالم الحر يصارع وحده ضد المشروع النووي الإيراني. لماذا الرئيس براك اوباما يشوش عليه؟».
    محظور علينا دائما أن ننسى أنه على الاقل مرتين في تاريخنا وجدنا أنفسنا في حرب ضد العالم تقريبا، وفي المرتين انتهى الامر بصورة سيئة جدا.

    أرى أنه في ايام ليست بعيدة سنجد عمالا في امستردام ودبلن أو في مدريد سيمتنعون عن معالجة طائرات «إل عال»، والمشترون سيقاطعون المنتوجات الاسرائيلية ويُبقونها على الرفوف، والمستثمرون والسياح سيبتعدون عن هذه البلاد، والاقتصاد الاسرائيلي سينهار. نحن الآن على الاقل في منتصف الطريق إلى هناك.

    لقد علمنا بن غوريون أن دولة اسرائيل لا تستطيع الصمود بدون دعم دولة عظمى واحدة على الأقل. أي دولة عظمى؟ هذا أمر متغير. مرة بريطانيا ومرة حتى روسيا ستالين ومرة بريطانيا وفرنسا وفي العقود الاخيرة الولايات المتحدة. ولكن التحالف مع الولايات المتحدة هو بالتأكيد ليس جزءً من انظمة الطبيعة.

    هذا التحالف هو عنصر متغير وليس عنصر ثابت. أحد المميزات المهمة جدا في حياة الانسان وحياة الشعوب هو التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير. خلال عقود قاموا باخافتنا من أنه اذا قمنا باعادة المناطق فان «جيشا سوفييتيا سيظهر بالقرب من كفار سابا». لا استطيع القول لكم بصورة مؤكدة إننا اذا أخلينا المناطق فان كل شيء سيكون مدهشا، ولكن يمكننا القول بيقين إن جيشا سوفييتيا بالقرب من كفار سابا لن يكون.

    نفس اولئك الذين أخافونا من جيش سوفييتي سيظهر على مداخل كفار سابا يخيفوننا الآن بأننا اذا انسحبنا من المناطق فستحلق صواريخ فوق تل ابيب ومطار بن غوريون وكفار سابا. لا أعرف بالتأكيد اذا كان هذا صحيحا أم لا، لكنني استطيع القول لكم بكل الصلاحيات الموجودة لدى رقيب في الجيش الاسرائيلي بأنه يمكن اليوم أن تصيب الصواريخ مطار بن غوريون وتل ابيب وكفار سابا ليس فقط من قلقيلية بل ايضا من العراق وباكستان وحتى من اندونيسيا. مرة اخرى، كما في موضوع الجيش السوفييتي في كفار سابا فان أمامنا عدم تمييز محزن بين المتغير والثابت. اذا لم يكن اليوم فهو غدا أو بعد غد، سيكون بالامكان الاصابة باصابة قاتلة ودقيقة بالصواريخ من كل نقطة في العالم بكل نقطة في العالم. هل سنرسل جيش الدفاع لاحتلال كل الكرة الارضية؟.

    إن كون الولايات المتحدة هي حليفتنا ـ هذا متغير. يمكنه أن يتغير. إن كون الفلسطينيين هم جيراننا وأننا نعيش في قلب العالم العربي والمسلم ـ هذا ثابت. حتى خطر الذرة هو أمر متغير وليس ثابت نظرا لأنه حتى لو أننا نحن أو آخرين قمنا بتفجير المنشآت النووية الإيرانية فاننا لا نستطيع أن ندمر المعرفة.

    ونظرا لأن باكستان النووية يمكنها غدا أن تتحول إلى دولة إسلامية متطرفة أكثر من إيران. ونظرا لأنه لا يوجد من سيمنع أعداءنا الاغنياء من شراء السلاح النووي الجاهز وتوجيهه ضدنا. وفي الاساس بسبب أنه بعد بضع سنوات فان كل من يرغب في سلاح ابادة جماعية يستطيع الحصول عليه. ايضا هنا فان الثابت يجب أن يكون هو قدرة ردع اسرائيل، أما قدرات اعدائنا، القدرات النووية وغيرها، فهي أمر متغير غير متعلق بنا في نهاية الامر. لقد قلت إنه خلافا لعدد من اصدقائي في اليسار الحمائمي، فانني لا استطيع التعهد بأننا اذا خرجنا من المناطق باتفاق سلام فان الكل سيكون مدهشا. لكني متأكد بأنه اذا بقينا في المناطق فالامر سيكون اسوأ. اذا بقينا في المناطق، ستقوم في نهاية الامر دولة عربية من البحر إلى النهر.

    في هذه النقطة أريد انتقاد نفسي وعدد من اصدقائي في اليسار الحمائمي. هناك ملايين الاسرائيليين ربما كانوا سيتنازلون عن المناطق مقابل السلام، لكنهم لا يثقون بالعرب. هم لا يريدون الخروج كأغبياء، هم يخافون. يجب ألا نستخف بالخوف ونسخر منه، يمكن محاولة التخلص من الخوف. يمكن محاولة صده. ربما لن تضر باليسار الحمائمي المشاركة قليلا في هذا الخوف. هناك ما يخيف. يجب عدم تحقير انسان يخاف سواء كان على حق أو لا. يجب مناقشة السلام مقابل الارض ليس باستهزاء ولا بسخرية ولكن كأناس يوازنون بين هذا الخطر وذاك.

    خطأ آخر لبعض اصدقائي في اليسار الحمائمي. احيانا يبدو لهم أن السلام موضوع على رف عال في حانوت العاب بمجرد أن تمد يدك ستصل اليه. الوالد اسحق رابين تقريبا لمسه في اتفاقات اوسلو، ولكنه بخل في دفع كامل الثمن ولم يحضر لنا اللعبة. الوالد اهود باراك تقريبا لمسه في كامب ديفيد لكنه بخل في دفع الثمن وعاد بدون سلام. كذلك الامر مع الوالد اهود اولمرت ـ والد بخيل، والد لا يحبنا بما فيه الكفاية. وإلا لكان دفع كامل الثمن واحضر لنا منذ فترة السلام المأمول.

    كل هذا غير مقبول علي. اؤمن بأنه للسلام أكثر من شريك واحد، المثل العربي يقول «يد واحدة لا تصفق». ولكن اليوم يوجد لنا شريك للمفاوضات. من يغسلون الدماغ قالوا لنا طوال سنوات إن ياسر عرفات قوي جدا وسيء جدا. الآن يقولون لنا إن أبو مازن ضعيف جدا. يقولون لنا طالما أن الفلسطينيين يقتلوننا فلا يمكن أن نصنع معهم سلام، وعندما يتوقفون عن قتلنا فليس هناك سبب لصنع سلام معهم.

    بيت ذو عائلتين

    أحد المنطلقات الصهيونية الاساسية منذ عشرات السنين هو: لسنا وحدنا في هذه البلاد، لسنا وحدنا في القدس. ايضا لاصدقائي الفلسطينيين أقول نفس الشيء، لستم وحدكم في هذه البلاد، ليس هناك مناص من تقسيم هذا البيت الصغير إلى شقتين أصغر. نعم، بيت ذو عائلتين. الجدار الجيد يصنع جارا جيدا، كتب الشاعر روبرت بروست.

    فكرة الدولة ثنائية القومية التي نسمعها من اليسار المتطرف ومن اليمين المروض هي في رأيي نكتة محزنة. لا يمكن أن نتوقع من الاسرائيليين والفلسطينيين بعد 100 سنة من الدم والدموع والكوارث أن يقفزوا فجأة إلى سرير الزواج ويبدأوا شهر العسل.

    لو أنه في 1945 اقترح أحدهم توحيد بولندة والمانيا بدولة واحدة ثنائية القومية لكانوا قد وضعوه في مستشفى الامراض العقلية. لقد كنت كما يبدو الاول الذي كتب بعد وقت قصير من الانتصار الكبير في حرب الايام الستة أن «الاحتلال سيفسدنا»، وفي نفس المقال كتبت أن الاحتلال يفسد المحتلين.

    لا نستطيع نحن والفلسطينيون التحول غدا إلى «عائلة واحدة سعيدة». نحتاج إلى طلاق معقول. بعد فترة ربما يأتي التعاون. سوق مشتركة فيدرالية، لكن في المرحلة الاولى البلاد يجب أن تكون بيتا تعيش فيه عائلتين، لأننا لن نذهب من هنا إلى أي مكان آخر، ليس لدينا مكان نذهب اليه، وكذلك الفلسطينيين لن يذهبوا إلى أي مكان، لأنه لا يوجد لديهم مكان يذهبون اليه. إن الشجار بيننا وبين الفلسطينيين في أساسه ليس رواية هوليوودية بين الاخيار والاشرار، لكنها تراجيديا الحق مقابل الحق، هكذا كتبت قبل خمسين عاما تقريبا، وبهذا اؤمن اليوم ايضا، العدل مقابل العدل، واحيانا للأسف عدم العدل مقابل عدم العدل.

    طبيب جراح في غرفة الطواريء، عندما يكون أمامه جريحا مصابا بعدة اجهزة، سيسأل نفسه بما سنبدأ أولا، ما هو المستعجل، ما هو الشيء الذي سيقتل الجريح؟ في حالة دولة اسرائيل ليس الاضطهاد الديني وليس السكن الذي يمكن الوصول اليه، وحتى ليس ثمن «الميلكي»، لكنه استمرار الصراع مع العرب الآخذ في التحول إلى حرب ضد كل العالم. حرب كهذه تعرض للخطر جوهر وجودنا. ربما هذا هو المكان لنكشف السر الامني السري جدا لدى اسرائيل، هذا السر هو أننا في الحقيقة ضعفاء جدا ودائما كنا ضعفاء جدا أكثر من كل أعدائنا معا.

    أعداؤنا منذ عشرات السنين تغمرهم البلاغة المتوحشة حول تدمير اسرائيل ورمي اليهود في البحر. لقد كانوا يستطيعون بسهولة ارسال ضدنا مليون مقاتل أو مليونين أو ثلاثة ملايين. لم يرسلوا لنا في أي مرة أكثر من عشرات الآلاف لأنه ورغم البلاغة القاتلة فان وجود اسرائيل أو تدميرها لم يكن بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت، لا لسوريا ولا لليبيا ولا لمصر ولا حتى لإيران، ربما فقط للفلسطينيين، لكن لحسن حظنا هم أصغر من أن يتغلبوا علينا. في الحاصل العام أعداءنا كان يمكنهم التغلب علينا منذ زمن لو كان لديهم دافعا حقيقيا وليس دافعا بلاغيا ودعائيا للقيام بذلك. إن مغامرتنا في جبل الهيكل من شأنها، لا سمح الله، اعطاءهم هذا الدافع.

    لست متأكدا أنه يمكن انهاء هذا الشجار في يوم وليلة مع العرب. لكن يمكن المحاولة. اعتقد أنه كان بالامكان منذ فترة تقليص الصراع الاسرائيلي الفلسطيني إلى صراع اسرائيلي غزي.
    من الصعب أن تكون نبيا في ارض الانبياء. هناك الكثير جدا من المنافسة لكن تجربتي علمتني أنه في الشرق الاوسط كلمات «الى الأبد، أبدا أو بأي ثمن» تفسيرها شيء ما بين 6 اشهر و30 سنة. لو قالوا لي عند تجندي للاحتياط في سيناء في حرب الايام الستة وفي هضبة الجولان في حرب يوم الغفران أنني سأسافر لزيارة مصر والاردن بتأشيرة مصرية وتأشيرة اردنية على جواز سفري الاسرائيلي وأنني الحمامة الساعية إلى السلام، كنت سأقول: «لا تبالغوا، ربما اولادي أو أحفادي، لكن ليس أنا».

    في الختام أريد لفت الانتباه إلى حقيقة أنه منذ عشرات السنين تحدث في هذه البلاد نوبة ذهبية ثقافية في الأدب والسينما والفن والهاي تيك والفلسفة والعلم والتكنولوجيا. بصورة عامة فان الناس يتحدثون بشوق عن «النوبة الذهبية» فقط بعد مرورها. اسرائيل موجودة منذ عقود في ذروة هذه النوبة الذهبية الخلاقة. تل ابيب مثلا، المدينة العبرية الاولى، هي في رأيي منتوج جماعي لنا وليست أقل أهمية بل ربما أكثر أهمية من الأدب الديني الذي كُتب في الشتات أو من الشعر السفارادي. ربما تل ابيب ليست أقل أبهة من التلمود البابلي، وهي واحدة من انتاجاتنا الجماعية في ارض اسرائيل.

    هناك من يستخف بهذا المنتوج لأن الثقافة العبرية تبدو له يسارية جدا. لقد كان وما زال هناك في العالم أنظمة معتادة على التحريض ضد الثقافة بسبب حقيقة أنه تقريبا دائما وتقريبا في كل الازمان والامكنة فان للعديد من منتجي الثقافة توجهات معارضة.

    الآن يأتي اعتراف بسيط: أنا أحب اسرائيل حتى عندما لا استطيع تحملها، واذا كتب علي أن اسقط ذات يوم في الشارع فأرغب في السقوط في شارع في اسرائيل، ليس في لندن أو باريس أو برلين أو نيويورك، بل هنا يرفعوني. وعندما أقف ثانية على قدمي فبالتأكيد سيكون هناك عدد ليس قليلا من الذين يريدون رؤيتي أسقط. لكن اذا سقطت ثانية فانهم سيرفعونني.

    أخاف جدا على المستقبل. أخاف من سياسة الحكومة وأخجل بها، أخاف لأن التزمت والعنف الآخذ في الانتشار عندنا يخجلني. لكن يروق لي أن أكون اسرائيليا، يروق لي أن أكون مواطنا في دولة فيها 8 ملايين رئيس حكومة، 8 ملايين نبي، 8 ملايين مسيح. كل واحد وصيغته الشخصية في الخلاص، كلهم يصرخون، وفقط القليلين يصغون. ليس مُملا هنا، واحيانا ربما يكون مُسليا من ناحية روحانية ومن ناحية المشاعر. ما رأيته هنا في حياتي أقل كثيرا وأكثر كثيرا مما حلم به آبائي وأجدادي.

    عاموس عوز
    هآرتس 13/3/2015
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X