Announcement

Collapse
No announcement yet.

عن «الإمبراطورية» وأسبابها وتداعياتها!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • عن «الإمبراطورية» وأسبابها وتداعياتها!

    محمد مشموشي - الحياة


    ليس غريباً، ولا هو مستغرب طبعاً، أن تسعى دولة ما الى امتلاك أسباب القوة، حتى المفرطة منها، إن في بلدها وعلى أراضيها أو على المستويين الإقليمي والدولي. لكن الغريب، وتالياً المستغرب، أن تبالغ هذه الدولة في الكلام عن قوتها، وأن يتوزّع المسؤولون فيها مهمات الدعاية الإعلانية لهذه القوة في الداخل والخارج، بما لا يختلف عما يُسمى مرض «جنون العظمة»، كما هي حال إيران وقادتها الدينيين والسياسيين والعسكريين في هذه الفترة.

    ذروة ما قيل في هذا المجال، جاءت على لسان مستشار الرئيس الإيراني علي يونسي، الذي قال في منتدى عن «الهوية الإيرانية» (وإن كان قد استدرك لاحقاً بادعاء أنه أسيء تفسير كلامه؟)، إن «إيران عادت اليوم إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد... التي هي اليوم مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما كانت في الماضي». وأكثر من ذلك، فهو لم يكن يشير فقط الى الإمبراطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام، كما يفهم من كلامه، إنما أيضاً الى أن منطقة الشرق الأوسط كلّها «إيرانية» كما قال حرفياً.

    قبله وعلى فترات ليست متباعدة، تحدّث النائب عن طهران علي رضا زاكاني، في جلسة لمجلس النواب، قائلا: «إن أربع عواصم عربية، هي دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، أصبحت بيد إيران وتابعة للثورة الإسلامية فيها».

    وفي السياق ذاته، قال مستشار قائد «الحرس الثوري» اللواء حسين همداني: «إن القادة العسكريين الإيرانيين حرّروا 85 في المائة من الأراضي السورية التي كانت قد وقعت في أيدي المعارضة». ومتى؟! بعد أن كان الرئيس السوري بشار الأسد قد تقبّل الهزيمة، كما قال. ليس ذلك فقط، بل إن الحرس الثوري بدأ بتأسيس مجموعات دينية فيها لـ «تجنيد المراهقين» للقتال ضمن ميليشيات تابعة للحرس... وأن «الباسيج»، بعد نجاحاته في لبنان وسورية، أصبح الآن في العراق أيضاً.

    وفي الوقت الذي كان فيه أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، يعلن «أن إيران منعت سقوط دمشق وبغداد وأربيل بيد «داعش»، وهي الآن على شواطئ البحر المتوسط نتيجة حضورها في بيروت وصنعاء»، كان رئيس مركز «عمار» الاستراتيجي في طهران هادي حبيب، يذهب أبعد من ذلك فيقول «إن سورية في ظلّ حكم الأسد هي المحافظة الإيرانية الـ35... وعلى إيران أن تدعم المقاتلين فيها وفي العراق ولبنان واليمن حتى لو كان ذلك على حساب قوت الشعب الإيراني».

    هذه العيّنة من المواقف الإيرانية، بغض النظر عن مدى صحتها، تطرح عدداً من الأسئلة التي لا يجوز تجاهلها أو التقليل من دلالاتها السياسية.

    في مقدّم هذه الأسئلة، على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:

    هل سبق لمسؤول واحد، في دولة مسؤولة واحدة، في العصرالحديث كلّه فضلاً عن القرن الـ21، أن قال كلاماً من هذا النوع عن قوة بلاده، لا سيما خارج حدودها المعترف بها دولياً؟.

    أكثر من ذلك، لا حاجة الى القول إن عصر الإمبراطوريات العابرة للحدود انتهى من زمن، وإن آخرها «بريطانيا العظمى» اكتفت من تاريخها الغابر بما تسميه مجموعة «دول الكومنولث». إلا أن المعروف أكثر، أن دولة إمبراطورية فعلاً مثل الولايات المتحدة الأميركية، تعتبر كلمة إمبراطورية Empire أو سياسات إمبراطورية أو إمبريالية Imperial policies، تهمة غالباً ما تنفيها إدارتها أو تحاول التبرؤ منها.

    هل فكّر أي من المسؤولين الإيرانيين هؤلاء، في كرامات وحساسيات من يسمونهم «الحلفاء» (الأسد في سورية، ورئيس الوزراء حيدر العبادي في العراق)، فضلاً عن الشعبين السوري والعراقي أو حتى الشعبين اللبناني واليمني في ما يعنيهما، عندما وصف أحدهم سورية بأنها المحافظة الإيرانية الـ35، وقال الثاني إن بغداد هي عاصمة إمبراطوريته؟.

    وأية «إمبراطورية» إيرانية هي هذه التي لا تجد حرجاً في أن تضع برنامجها النووي، بغض النظر عما إذا كان عسكرياً أو لا، في سوق المساومة على رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، حتى ليقال إن ما يؤخر توقيع اتفاقها مع الدول الست الكبرى، هو الخلاف حول طريقة رفع هذه العقوبات، وما إذا كان سيتم دفعة واحدة أو تدريجياً على مراحل؟.

    ثم هل تقوم الإمبراطورية فعلياً بأن تعلن نفسها كذلك، على طريقة عيدي أمين في أوغندا أو معمر القذافي («ملك الملوك») في أفريقيا، أم أن قيامها يحتاج الى اعتراف العالم، أو حتى بعضه، فضلاً عن الدول المعنية به؟.

    الواقع ألا إجابات ممكنة عن هذه الأسئلة إلا من زاويتين اثنتين أو من إحداهما: إما هو «جنون العظمة» أو «عمى ألوان» لدى قادة إيران، ما يدفعهم الى هذا النوع من الكلام، أو هو الخشية من الغد بعد أن توسّعت مساحات تورّط هذه الدولة كثيراً خارج حدودها... الخشية من ردود الفعل الخارجية كما من ردود الفعل الداخلية سواء بسواء.

    والأرجح، أن يكون الاثنان معاً هما السبب: الجنون بنتيجة ما تحقّق، أو بدا للقادة الإيرانيين كذلك، والخوف من الغد واحتمالات الفشل فيه. الأول، لأن ما تحقق غير طبيعي وغير منطقي، والثاني، لأن تداعياته في المنطقة وعلى الشعب الإيراني تبدو غير مطمئنة وربما حتى كارثية.

    وهم بهذا يحاولون توجيه رسائل في أكثر من اتجاه: الى العالم، وبخاصة العالم العربي، الذي لا يريد حروباً ولا فتناً طائفية ومذهبية ولا تسابقاً نووياً في المنطقة، والى الشعب الإيراني الذي بات في وضع لا يحسد عليه...لا اقتصادياً / اجتماعياً / مالياً، ولا على صعيد حقوق الإنسان وحرياته، ولا حتى سياسياً بعد حوالى أربعين عاماً من حكم رجال الدين تحت راية ولاية الفقيه. لكن هل يكفي لتفسير الموقف من جميع جوانبه؟.

    غالب الظنّ أن هذا الذي يقال في العلن، وعلى ألسنة المتشدّدين والمعتدلين في النظام الإيراني معاً، يدعو الى مزيد من الحذر، خصوصاً إذا ما انهارت المفاوضات حول الملف النووي، أو إذا ما سارت الأمور في اتجاه مختلف، إن في سورية والعراق حالياً، أو في أي بلد آخر تسللت إليه الإيديولوجيا الشيعية الإيرانية أو عناصر الحرس الثوري الإيراني.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X