إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

«هدية» يونسي إلى العراق جاءت في وقتها

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • «هدية» يونسي إلى العراق جاءت في وقتها

    حميد الكفائي - الحياة


    المحافظون متعصبون للماضي ولو بدرجات متفاوتة، فبعضهم يعطي الآخرين حق مغادرة الماضي والعيش وفق ما يريدون أو يؤمنون به، غير أن البعض الآخر يصر على قسر الآخرين على ما يراه حقيقة حتى وإن كان بالقوة المسلحة، وهذه هي حال الجماعات «الدينية» المتطرفة.

    علماء الاجتماع يعتبرون وجود المحافظين مفيداً، لأنه يضمن التطور التدريجي للمجتمع ويمنع الانتقال المفاجئ من حالة إلى أخرى بسرعة قد تجلب معها عدم الانسجام والفوضى، إلا أنهم يرون أيضاً أن المحافظة المفرطة، المعتمدة على التعصب خطر على المجتمع لأنها ستحول دون تقدمه، فينصحون بضرورة التفاعل الإيجابي والسلمي بين المحافظين المعتدلين والتقدميين لضمان تطور المجتمع ومنع ظواهر العنف والتقوقع فيه.

    ومن تجليات التمسك بالماضي واعتباره حقيقة لا يجوز الحياد عنها، ما نسمعه أحياناً من بعض الماضويين الحالمين بعودة «أمجاد» الماضي وإعادة تشكيل الدول بناء على ما كان سائداً في العهود السحيقة.

    وحالة المحافظة المفرطة هذه لا تقتصر على بلداننا بل هي شائعة في بلدان أخرى أيضاً. فأحد أسباب تمسك بريطانيا بالجنيه الاسترليني ورفضها الانضمام إلى منطقة اليورو هو هذه المحافظة التي يتصف بها المجتمع البريطاني.

    في إيران، هناك من يعتقد أنه لا يحق للعراق أن يكون مستقلاً ذا سيادة بل يجب عليه أن يكون (كما كان يوماً قبل مئات السنين) جزءاً من الإمبراطورية الفارسية. وقد عبّر مستشار الرئيس الإيراني، علي يونسي، بوضوح عن هذا الرأي أخيراً قائلاً إن الامبراطورية الإيرانية تتشكل من جديد وأن العراق عاد إلى حضنها بل أصبح عاصمة لها! وفي العراق أيضاً هناك من يعتقد بأن المناطق العربية الإيرانية هي عراقية ويجب أن «تعود» إلى العراق أو تشكل دولة مستقلة يسميها «عربستان» بدلاً من اسمها الإيراني «خوزستان». كما يجب ألا ننسى التبرير الذي قدمه صدام حسين لاحتلال الكويت باعتبارها «فرعاً» يجب أن يعود إلى «الأصل». وهناك في سورية من يعتقد أن لواء «الإسكندرون» التركي منذ مئة عام تقريباً هو جزء من سورية ويجب أن «يعود» يوماً إليها. بل هناك من يعتقد أن العراق جزء من سورية، وهؤلاء طبعاً لا يعبأون برأي العراقيين في هذا «الانتماء» الذي يرغبون به للعراق.

    لا شك أن تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لم تكن موفقة إذ إنها أحرجت الحكومة الإيرانية وأضرت بموقف إيران وجهودها الحالية الموصوفة بأنها لمساعدة العراق في حربه على تنظيم «داعش» الإرهابي في العراق ومحاولتها إقناع المجتمع الدولي بأنها لا تعادي أحداً وليست خطراً على أحد ولا تعتزم التمدد خارج حدودها. الحكومة الإيرانية لزمت الصمت إزاء تصريحات يونسي على أمل أن تذروها الرياح، والسبب في هذا الصمت هو عدم الاكتراث الرسمي العراقي باستثناء بيان خجول من الخارجية العراقية يؤكد أن العراق دولة مستقلة! وقد يكون السبب هو انشغال العراق وساسته بمشكلات أكبر وحاجتهم إلى إيران في حربهم على الجماعات الإرهابية.

    إلا أن الموقف الإيراني الذي يمثله يونسي لن يختفي بسهولة من الأحداث والمواقف الدولية المقبلة من دون أن تبرهن إيران أنها فعلاً بعيدة عن «أحلام» يونسي وأمثاله التي تضر بالمصلحة الوطنية الإيرانية وتؤجج الحساسية من إيران ليس في العراق فحسب بل على المستويين الإقليمي والدولي.

    هل يمكن تصنيف الموقف الأخير ليونسي، رجل الدين الشيعي، على أنه موقف قومي إيراني متعصب تجاه العراق؟ لا شك في ذلك، ولكن هل يمكن يونسي التوفيق بين عالمية الدين التي يفترض أنه يؤمن بها وانتمائه إلى الأفكار القومية الإيرانية التي كان يؤمن بها النظام الشاهنشاهي الذي أطاحته الثورة الإسلامية التي ينتمي إليها؟ هناك تناقض على ما يبدو، ولكن يجب القول إن رجل الدين هو أيضاً ابن بيئته، ومثلما يوجد رجال دين عرب يؤمنون بالقومية العربية والدولة القومية العربية ويفتخرون بتاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، فإن هناك رجال دين إيرانيين وأتراكاً وهنوداً وإندونيسيين يحاولون التوفيق بين إيمانهم الديني وانتمائهم القومي واعتزازهم بتاريخهم (الامبراطوري) الذي يسبق انتماءهم الديني وربما يتناقض معه. الصراع بين الأفكار موجود، ليس فقط بين المؤمنين بها، بل حتى ضمن الشخص الواحد كما هي حال يونسي.

    من حق أي شخص أن يحلم بإعادة «أمجاد» الماضي، لكن عليه، إن كان سياسياً ويشغل منصباً رفيعاً كيونسي، أن يزن أقواله وينظر إلى عواقبها وتأثيراتها على سياسة بلده والبلدان الأخرى قبل إطلاقها في الهواء الطلق. العراقيون لديهم هوية عراقية منفصلة تطورت عبر مئات السنين، وقد ذاب فيها عراقيون من أصول مختلفة، وإن كانت هذه الهوية ضعيفة في الوقت الحاضر، بسبب الهويات الفرعية الطاغية عليها حالياً، فإنها ستبرز بقوة إن تعرضت إلى تهديد، وهذا ما سيحصل بعد بوح يونسي بأحلامه. نعم لقد قدم يونسي «هدية» إلى العراقيين هم في أمس الحاجة إليها حالياً، وقد جاءت في الوقت المناسب.



    * كاتب عراقي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X