إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مؤامرة على النيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مؤامرة على النيل

    محمد السمّاك - المستقبل اللبنانية


    في عام 1861 وجّه امبراطور الحبشة «ثيودور» رسالة الى الملكة فكتوريا في لندن يطلب فيها دعمه لمحاربة الأتراك. كان ثيودور يعتقد ان الأتراك بعد أن وصلوا الى السودان فانهم يخططون لاحتلال بلاده من أجل السيطرة على نهر النيل من المنبع الى المصب. وقد استهل الامبراطور رسالته بقوله:« ان آبائي الأباطرة قد نسوا خالقهم، فسلبهم ملكهم ووهبه للقالا والأتراك، ألا أنه قد أوجدني ورفعني من التراب، وأعاد لي هذه الامبراطورية لأحكمها. وقد أنعم عليّ بقوة من عنده مكّنتني من أن أستعيد تراث آبائي، فاستطعت بفضل هذه القوة، من طرد القالا. أما الأتراك فقد طلبت منهم أن يتركوا أرض آبائي وأجدادي فرفضوا الانصياع الى ذلك وأنا الآن على وشك أن أدخل معهم في عراك«.

    غير ان رسالة الامبراطور لم تصل الى الملكة فكتوريا. تسلمها مسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية واعتبروا ان ما ورد فيها هو مدعاة للسخرية. فأهملوها. كانت بريطانيا مهتمة بأمر آخر: القطن. وهي المادة التي تشكل دم صناعة النسيج في يوركشاير في بريطانيا.

    كانت بريطانيا تعتمد على القطن من مستعمراتها في الولايات المتحدة. ولكن بعد أن نجح الاميركيون في التخلص من الاستعمار البريطاني، توقف تدفق القطن الى يوركشاير، وارتفعت أسعاره الى أربعة أضعاف مما هدد صناعة النسيج البريطانية. لذلك كان لا بد من مصدر بديل وبأسرع وقت. احتلت بريطانيا مصر على أمل أن تحولها الى مزرعة لإنتاج القطن. ولكن هذه العملية تحتاج الى ضمان تدفق مياه النيل لري مزارع القطن. فالقطن أهم من الحبشة وامبراطورها.. بل انه أهم حتى من المسيحية الحبشية. ففي رسالة الامبراطور ثيودور الى الملكة فكتوريا حاول إثارة حميتها الدينية لدعمه ضد الأتراك المسلمين، عندما قال في رسالته:« لقد كنت أسمع من المستر «بلاودن» المبعوث البريطاني الى أثيوبيا-، ومن كبير أمنائي المستر «بل» وكان بريطانياً أيضاً-، ان هناك ملكة مسيحية عظيمة تحب جميع المسيحيين. وعندما قالا لي اننا على استعداد لأن نعرفك بها، ونقيم صداقة بينكما، سررت غاية السرور ومنحتهم محبتي، ظاناً انني قد كسبت بذلك ثقتهم الطيبة«. الى أن يقول«.. انظري كيف يضطهد الاسلام المسيحيين«.

    كذلك فان الحرص البريطاني على مزارع القطن في مصر أجهض مشروع الحركة الصهيونية بإقامة وطن يهودي في سيناء تكون العريش قاعدته الأساس. وكان ثيودور هرتزل قد عمل على تسويق هذا المشروع في عام 1902، بعد أن رفضت الحركة الصهيونية مشروع الوطن البديل في أوغندا. فقد وجد هرتزل ان العريش منطقة قريبة من فلسطين، وانه يمكن في مرحلة لاحقة التوسع شرقاً نحو «الأرض المقدسة«. ولكن منطقة سيناء منطقة صحراوية جرداء، يستحيل معها إقامة وطن لليهود من دون توفير المياه لها. فكان اقتراح جرّ مياه النيل الى سيناء عبر قناة واسعة. هنا تبدّل الموقف البريطاني من تأييد إقامة وطن يهودي في العريش الى معارضته على خلفية معارضة جرّ مياه النيل الى سيناء حرصاً على مزارع القطن في مصر. وهكذا سقط المشروع!! وكان سقوطه بداية التحول في عمل الحركة الصهيونية نحو فلسطين مباشرة!!

    أعيد طرح فكرة جرّ مياه النهر الى سيناء خلال مفاوضات الصلح المصرية الاسرائيلية في كمب ديفيد 1979. يومها كان الرئيس أنور السادات هو من بادر الى طرح الفكرة كورقة مساومة لتشجيع الاسرائيليين على الانسحاب من سيناء الى ما وراء الحدود الدولية لمصر مع فلسطين مقابل وعد بجرّ المياه الى صحراء النقب في اسرائيل عبر صحراء سيناء. كانت اسرائيل تشعر بحاجتها الى المياه وكانت ترى في العرض المصري اغراء مشجعاً. وعندما تم الاتفاق وانسحبت القوات الاسرائيلية بدا أن في تنفيذ المشروع مغامرة سياسية واقتصادية كبرى. اذ كيف يجوز لمصر أن تعارض دول حوض النيل في استغلال مياه النهر للتنمية والري وانتاج الطاقة، وتوافق في الوقت ذاته على تحويل المياه الى اسرائيل؟.. وهكذا صرف النظر عن المشروع. أما «قناة السلام» التي حفرت فيما بعد لجرّ المياه فقد توقفت في وسط سيناء لتروي مناطق واسعة في شرق قناة السويس مما يخفف من الضغط السكاني في العمق المصري.

    ومن أجل ضمان استمرار تدفق مياه النيل الى مزارع القطن البريطانية في مصر والسودان- أملت بريطانيا على دول حوض النيل إقرار معاهدة عام 1929 التي تعطي مصر وكانت تحت الانتداب البريطاني- حق الاعتراض القانوني على أي عمل أو مشروع يمكن أن يخفض من منسوب نهر النيل. لم يكن ذلك حباً بمصر ولا بشعبها، ولكنه كان طمعاً في تغذية مصانع النسيج في يوركشاير بالقطن المصري.

    انقلب الموقف البريطاني رأساً على عقب بعد تحرر مصر من الانتداب البريطاني. وخاصة بعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر في عام 1956، وتأميم قناة السويس. فقد أصبح الدور البريطاني دوراً تحريضياً لدول حوض النيل ضد استحواذ مصر على الحصة الكبرى من مياه النهر.. وبموجب معاهدة «مجحفة بحق» هذه الدول! أي بموجب معادة 1929 التي فرضتها بريطانيا نفسها على هذه الدول.

    تصدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للتحريض البريطاني بما كان يتمتع به من نفوذ أدبي واسع في افريقيا ومن خلال العلاقات الوطيدة التي أقامها مع معظم دول القارة. ولم تفشل فقط عمليات التحريض البريطاني، بل فشلت أيضاً محاولات التسلل الاسرائيلية الى افريقيا. كانت اسرائيل تقدم الوعود بتأمين الأموال اللازمة من مصادر دولية متعددة لتنفيذ مشاريع سدود في أعالي النيل وبخاصة في أثيوبيا. ورغم إغراءات العروض، فإن العلاقات الافريقية بمصر كانت أقوى من الوقوع في شرك حبائلها السياسية. تراجع هذا الواقع في عهد الرئيس أنور السادات وبلغ أقصى التراجع في العقد الأخير من عهد الرئيس السابق حسني مبارك الذي أدار ظهره لإفريقيا.. حتى انه قاطع مؤتمرات القمم الافريقية بعد محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في أديس بابا.

    ومع انحسار النفوذ المصري في افريقيا، انطلق النفوذ الاسرائيلي، حتى أن وزير خارجية اسرائيل ليبرمان قام في عام 2009 بجولة على دول حوض النيل وأقام علاقات جديدة معها. وكانت تلك المرة الأولى منذ الستينات من القرن الماضي التي تستقبل هذه الدول وزير خارجية اسرائيل. ونتيجة للجولة تولّت 20 شركة اسرائيلية ترجمة العلاقات الجديدة الى تعاون في بناء السدود ومشاريع الري والانتاج الزراعي.. وكذلك التسلح!!.

    وهكذا في أيار/ مايو من عام 2010 عقدت ست دول افريقية تشكل مجموعة حوض النيل (باستثناء السودان ومصر) مؤتمراً في مدينة «عينتيبي» أقرت فيه معاهدة جديدة لاقتسام مياه النهر بمعزل عن الدولتين العربيتين، وبما يلغي مفاعيل معاهدة 1929.

    لم تعد بريطانيا تملك مزارع القطن في مصر والسودان لتمارس أي ضغط في الاتجاه المعاكس، ولم تعد اسرائيل تمني النفس بتحويل مياه النيل اليها عبر سيناء. (منعت اسرائيل بالقوة العسكرية في عام 1964 تحويل روافد نهر الأردن من لبنان وسوريا، وهي ترفض الآن الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية، ومن مرتفعات شبعا اللبنانية (الغنيتين بالمياه - كما ترفض الانسحاب من منطقة بحيرة طبريا لتأمين حاجتها من المياه). ثم ان دول الحوض قويت شوكتها، وازداد عدد سكانها، وأصبحت أشد حاجة الى المياه واستثمارها. فماذا ستفعل مصر، بل ماذا تستطيع أن تفعل، وهي الغارقة في هموم صراعات داخلية لا سابق لها في تاريخها السياسي والوطني؟

    لا يوجد لمصر أي مصدر للمياه العذبة سوى نهر النيل. ولذلك يصح القول إنها «هبة النيل«. ولكن ماذا إذا شحت مياه هذا النهر المعروف بأنه الأطول في العالم، ولكن ليس الأغزر مياهاً؟

    في عام 1974 حدث أمران متكاملان. الامر الأول هو تحول أثيوبيا بانقلاب عسكري قام به الكولونيل مانغستو هايلي مريام نحو الشيوعية وانضمامها الى المعسكر السوفياتي. والأمر الثاني هو تحول مصر بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات من المعسكر السوفياتي (فك الارتباط مع موسكو وطرد الخبراء السوفيات) والانتقال الى المعسكر الأميركي (باعتبار ان واشنطن تملك 99 في المئة من أوراق الحل لأزمة الشرق الأوسط). أصبحت الدولتان المعنيتان أساساً بمياه النيل على طرفي نقيض. ومنذ ذلك الوقت لم تعد العلاقات المصرية الأثيوبية الى طبيعتها حتى اليوم.

    وتعمل أثيوبيا على إقامة سد كبير، يوصف بأنه «سد الألفية العظيم«. وهو قادر على انتاج خمسة آلاف ميغاوات من الكهرباء سنوياً، ويعتبر أكبر سد في افريقيا لإنتاج الطاقة.

    فماذا بعد اكتمال بناء كل هذه السدود؟

    لقد تعاملت مصر بسلبية مطلقة مع دول حوض النيل معتمدة على حقوقها في معاهدة 1929، فهل تستطيع مصر أن تفرض احترامها بعد أن ألغى اتفاق «عينتيبي» 2010 كل مفاعيلها؟

    والسؤال الأهم والأخطر: هل تستطيع مصر أن تعالج هذه القضية، وهي قضية موت وحياة بالنسبة اليها، مع استمرار حالة الاستنزاف الداخلي المعنوي والسياسي الذي تعانيه؟.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X