محمد ابرهيم - النهار اللبنانية


عندما بدأت إيران بمد نفوذها إلى المشرق العربي، مع مطلع ثمانينات القرن الماضي، إختارت مدخل التقصير العربي في مواجهة إسرائيل. وفي هذا السياق أتى القرار بإنشاء "حزب الله" اللبناني. ومع أن نقطة المواجهة مع إسرائيل في جنوب لبنان كان لها لونها المذهبي الشيعي، إلا أن قدسية المواجهة مع إسرائيل جعلت العالم العربي يتجاهل الخصوصية المذهبية للمقاومة والخصوصية المذهبية لمؤسسها وداعمها، لا بل جرى اعتبار الانحياز الإيراني إلى طليعة المواجهة مع إسرائيل كسبا عربيا صافيا.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على هذه الانطلاقة الإيرانية نجد أن صورةعلاقة إيران بالعالم العربي تغيّرت تماما. فالمدخل "الإسرائيلي" لهذه العلاقة بات مهمّشا، بل منسيا، وباتت إيران منخرطة في صراع سني - شيعي، على امتداد المشرق العربي. ولا يكفي في تغطية هذا الانخراط الاتكال على نظرية المؤامرة الأميركية - الصهيونية التي تنخرط فيها "الرجعية العربية". فعندما تبتعد المعركة العربية - الإيرانية عن حدود إسرائيل، لتشمل العراق والبحرين واليمن، تصبح القضية قضية صراع سني - شيعي لا أكثر.

وكان يمكن أن يشكل الاضطهاد المذهبي للشيعة في المشرق العربي غطاء بديلا، من غطاء جذرية العداء لإسرائيل، لولا أن ما نشهده حاليا من سياسة إيرانية بإزاء مسألة الأقليات تجاوز جذريا مسألة المظلومية التاريخية للشيعة، إلى برنامج مختلف، بل إلى برنامج نقيض. فعندما يبدأ استعمال الشيعة العرب لحسم مسألة السلطة لمصلحتهم، أينما كان، في صراع سني - شيعي مكشوف، لا تعود المؤامرة الصيونية - الأميركية كافية لتفسير رد الفعل العربي - السني. وعندما تتخذ طهران قرارا بحسم المعركة في اليمن لمصلحة الحوثيين، ما الذي يمنع الدول الخليجية العربية من اعتبار أن المعركة المقبلة ستكون على امتداد الضفة العربية للخليج؟ أي معركة استكمال السيطرة على المشرق العربي بكامله؟

لقد بالغت إيران، بالأمس، في استعمال القضية الفلسطينية مدخلا لمد نفوذها في العالم العربي، مثلما هي تبالغ اليوم في تحميل الشيعة العرب عبء، أو وزر، مشروع هيمنة لم يكن يوما ضمن مطالبهم ولا حساباتهم. بل ربما يكون ذلك مدخلا لتبرير اضطهادهم الآن، وعندما ينحسر النفوذ الإيراني، الذي لا بد أن ينحسر.

في حمّى المواجهة تحت شعار التصدي لتمدد النفوذ الإيراني تشكلت دائرة سنية، عربية تركية، وحتى باكستانية، لإثبات عبثية الطموحات الإيرانية، مثلما انبعثت قومية عربية تشعر بأنها قادرة هذه المرة على كسب المعركة بعد هزائمها التاريخية في المواجهة مع إسرائيل. وكل ذلك يطرح سؤالا على إيران، قبل أي طرف آخر: عندما تكون الأولوية لمواجهة إسرائيل ألا يكون الأجدر تقديم كل التنازلات من أجل جمع كل هذه القوى، بما فيها إيران، في برنامج فلسطيني واحد؟