Announcement

Collapse
No announcement yet.

هدية أميركية ضخمة.. ولكن مسمومة!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • هدية أميركية ضخمة.. ولكن مسمومة!

    إياد مسعود - المستقبل اللبنانية


    بات واضحاً أن واشنطن بصدد العمل على بلورة مشروع جديد لمجلس الأمن الدولي بخصوص القضية الفلسطينية بالتعاون مع العاصمة الفرنسية باريس. ومن المعلوم، في السياق نفسه أن العاصمة الأميركية هي من مارس الضغوط الشديدة في مجلس الأمن، نهاية العام المنصرم، لإجهاض مشروع كانت قد تقدمت به الأردن باسم المجموعة العربية، وبدعم فرنسي، للغاية ذاتها.

    كان المشروع العربي- الفلسطيني، ينص آنذاك، على الدعوة لاستئناف المفاوضات، والوصول إلى «حل الدولتين« بسقف زمني لا يتجاوز السنتين، ورسم «حدود الدولتين« على أساس خطوط حزيران 67 مع «تبادل متفق عليه للأراضي«، وأن تكون القدس «عاصمة للدولتين«، وكان واضحاً آنذاك أن المشروع العربي - الفلسطيني اقترب كثيراً من المعايير الأميركية للحل، وراعى إلى حد كبير اقتراحات كان قد تقدم بها وزير الخارجية جون كيري إلى المفاوض الفلسطيني في آذار (مارس) العام الماضي، لتكون «إطاراً« لجولة مفاوضات جديدة مع الجانب الإسرائيلي. بررت الولايات المتحدة معارضتها للمشروع العربي - الإسرائيلي، أنها لا تريد أن يؤثر التصويت عليه في مجلس الأمن على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، كما بررته بأن حل الخلافات بين رام الله وتل أبيب، لا يكون في مجلس الأمن، بل إلى طاولة المفاوضات، وأن اللجوء إلى المجلس يعد انتهاكاً لمبادئ العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

    السؤال الآن: لماذا تنقلب واشنطن على نفسها، وتساند تحركاً فرنسياً نحو مجلس الأمن، بمشروع قرار يشبه إلى حد بعيد القرار العربي- الفلسطيني السابق؟

    بتقديرنا، يتعلق الأمر بثلاثة أسباب كبرى:

    1 - السبب الأول أن الانتخابات الإسرائيلية قد انتهت وأسفرت، عن استحقاق سياسي بات على الجميع أن يتعامل معه، رضي أم أبى. نتنياهو، كما يبدو حتى الآن، هو رئيس حكومة تحالف يمين ويمين متطرف، ما يعني صعوبة العودة إلى طاولة المفاوضات بالسلاسة المطلوبة، الأمر الذي يعني ضرورة البحث عن أوراق قوة، تعزز الدور الأميركي في الشرق الأوسط، من دون أن تضعف، في الوقت نفسه، الموقع الإسرائيلي، في مواجهة الحالتين العربية والفلسطينية. وتعتقد واشنطن أن قراراً من مجلس الأمن، باستئناف المفاوضات، مع وضع معايير وإطار لهذه المفاوضات، من دون المس بالسقف السياسي الأميركي، وبحدود الموقف الإسرائيلي وبمصالح إسرائيل «الأمنية«، و«التفاوضية« سيشكل بالنسبة لها، ورقة قوة تمكنها من إخضاع نتنياهو لإرادتها، من دون أن تخضع إسرائيل لشروط لا ترضاها بالأساس. يمكن القول، في هذا السياق، إن المشروع قد يشكّل انتقاماً شخصياً من أوباما بحق نتنياهو، مع تحييد المصالح الإسرائيلية في الوقت نفسه.

    2 - السبب الثاني إعادة ترتيب أوراق العمل التفاوضية وأسس الحل بعد أن عبث بها نتنياهو بالإعلان عن تخليه عن «حل الدولتين« الأميركي. إن قراراً لمجلس الأمن بإعادة الاعتبار لحل الدولتين، تعتبره واشنطن رداً جديداً على تصريحات نتنياهو، وتأكيداً جديداً على أن رؤيتها للحل، متمثلة بـ«حل الدولتين« هي الرؤية السائدة والمعترف بها دولياً؛ بموافقة كامل أعضاء مجلس الأمن (كما تتوقع حين التصويت على المشروع الجديد).

    3 - الالتفاف على قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة في 4-5/3/2015، حين ألغى ما جاء في مشروع القرار العربي الفلسطيني إلى مجلس الأمن. فتجاهل أية إشارة إلى المفاوضات باعتبارها السبيل إلى الحل، ودعا بدلاً من ذلك إلى تدويل القضية والحقوق الفلسطينية وإلى المقاومة الشعبية كحل بديل، وإلى اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية لمعاقبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، كما أكد على القدس الشرقية المحتلة عاصمة لدولة فلسطين (وليست عاصمة الدولتين) وأكد التمسك بحدود الرابع من حزيران (رافضاً مبدأ تبادل الأرض المتفق عليه). ودعا إلى مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة وسقف قرارات الشرعية الدولية، بديلاً للرعاية الأميركية المنفردة. وبالتالي إن إحياء مشروع بديل للمشروع العربي- الفلسطيني على يد الولايات المتحدة في مجلس الأمن، يأتي في سياق الرفض المباشر لقرارات المجلس المركزي والتفافاً عليها، ومحاولة أميركية مكشوفة للدفع بالحالة الفلسطينية إلى وضع جديد تسوده البلبلة والفوضى، في ظل ولادة قناعة لدى بعض التيارات (كاحتمال) بإمكانية إحياء مفاوضات من نوع جديد تحت الرعاية الأميركية، قناعة مبنية على وهم استثمار الخلافات بين أوباما ونتنياهو.

    خطورة التحرك الأميركي لا تقتصر على حدود هذه اللعبة بل خطورتها تتجاوز هذه الحدود، نحو إعادة صوغ «الشرعية الدولية« وقراراتها ذات الصلة، في زمن الاستفراد الأميركي، بديلاً لتلك القرارات التي ولدت في زمن التوازن الدولي، بين واشنطن وموسكو في زمن الاتحاد السوفياتي.

    وهي لعبة أساسها الالتفاف على قرارات الشرعية الدولية بسن قرارات بديلة، تستمد نفسها من المعايير الأميركية للحل وليس من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والعرف الدولي.

    - تبقي على الإشارة إلى حدود 4 حزيران، كما وردت في القرار 242 وقرار الجمعية العامة 19/67، لكي يتم الالتفاف عليها باعتماد مبدأ «تبادل الأرض«، بديلاً لمبدأ «عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة«.

    - تبقي على الإشارة إلى القدس، ولكن بدلاً من أن تكون القدس الشرقية المحتلة، وفقاً لسلسلة قرارات سابقة، تصبح هنا «عاصمة الدولتين« ما يترك الباب مفتوحاً لإعادة رسم حدود القدس، وإعادة رسم حدود الصلاحيات ومفاهيم السيادة الوطنية وغير ذلك وصولاً إلى حصر القدس العربية بالحوض المقدس، ونقل القدس العاصمة العربية إلى ابو ديس والغيررية وجوارها.

    - تبقي على الإشارة إلى الدولة الفلسطينية، لكن في إطار «حل الدولتين« مع إسقاط مبدأ «حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره«، أي إسقاط قضية اللاجئين الفلسطينيين من أي حل، وسلخ قضية الفلسطينيين في الـ48 خارج العملية السياسية. ولا نعتقد أن خطورة الامر تقف عند هذه الحدود، بل ربما تجاوزتها نحو الأبعد.

    - إذ ما الذي يضمن لنا أنه بعد صدور هذا القرار الهابط والخطير عن مجلس الأمن، (إلا إذا لجأت موسكو أو بكين إلى الفيتو) أن تل أبيب سوف تنصاع وسوف تجلس إلى طاولة المفاوضات، وأن لا تمارس المزيد من العناد، مطالبة بالمزيد من التنازلات.

    - ما الذي يضمن لنا أنه لو انعقدت المفاوضات أن نتنياهو سوف يذهب مع الفلسطينيين إلى الحل، وألاّ يتذرع بأن أي حل معناه فرط الحكومة الجديدة، بالتالي، وكما فعل سابقاً، غلّب مصالحه الانتخابية على مصلحة إنجاح المفاوضات.

    الأميركيون يحضرون للفلسطينيين هدية ضخمة، لكنها للأسف هدية مسمومة.


    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X