Announcement

Collapse
No announcement yet.

خطوط التصادم المحتملة بين الأسد وإيران

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • خطوط التصادم المحتملة بين الأسد وإيران

    غازي دحمان() - المستقبل اللبنانية


    تشكّل التطورات الحاصلة مؤخراً في سورية بداية تصادم بين نظام الأسد، بالطريقة التي يعرف نفسه بها ويسعى لدوام استثمارها في النسقين السوري والعربي، كنظام وطني وقومي، وبين الجمهورية الإيرانية الإسلامية، صاحبة المشروع القومي المضاد والمنافس إقليمياً وجغرافيا للوجود العربي في صراع صار يتّخذ طابع معادلة صفريّة تقوم على قضم الجغرافيا والديمغرافية العربية بوصفها عناصر قوة جيوإستراتيجية.

    ومن المفارقة أن يشكّل الهجوم على مناطق سورية معينة بداية ترسيم خطوط التصادم بين الحليفين، نظام الأسد وإيران، ذلك أن هذه الحركة بقدر ما تمثّل بداية القطع مع كل الجسور التي حاول نظام الأسد المحافظة عليها مع الرابطتين السورية والعربية ولو شكلياً عبر صيغة الخطاب القومي المقاوم والموجّهة إلى كتل معينّة في الفضاء العربي، فإنّها على الجانب الإيراني تمثّل ذروة الانسجام مع المشروع، سواء من خلال تظهير أهدافه ومدياته أو عبر توضيح أدواته الفاعلة في هذا التوقيت الزمني الدقيق.

    على مدار سنوات الثورة ضده سعى نظام الأسد إلى الاعتماد على الدعم الإيراني لوجستياً واقتصادياً، وكان النظام يعمل على تصريف هذا الدعم عبر تقديمه بعض الخدمات الإستراتيجية للمشروع الإيراني انطلاقاً من كونه شريكاً وطرفاً أساسياً، وكانت طهران تستغل كل حاجة للأسد لزيادة تغلغلها في مفاصل الدولة السورية التي ستنكشف بشكل كلي أمامها حتى إنها صارت تدير قطاعات عديدة بشكل مباشر.

    نتيجة كل ذلك، انتقلت العلاقة بين الطرفين من مستوى الاعتماد المتبادل الذي كان سائداً في فترة سابقة الى الاعتماد الكلي من قبل النظام ليتجاوزها مؤخراً الى حد التبعية وإلغاء صفة الشريك لصالح صفة المشّغل، ولكن بالرغم من ترسخ هذه الوضعية إلا أن نظام الأسد لا يزال يعتقد أن إيران تقدم له خدمات معينّة وأنّه في مرحلة ما يمكنه استعادة وضعية الشريك، ولا شك أن تضارب هذا الإدراك النظري مع الوقائع العملانية سيحدث جملة من الصدامات على أكثر من مستوى:

    على المستوى الإستراتيجي، استراتيجية الأسد محلية ضيقة تشمل سورية من كونها إطاراً لحكمه وقد يضيق هذا الإطار إلى حدود سورية المفيدة أو سورية الأصغر وبالتالي فهو غير معني بتوسيع بيكار الحرب خارج حدود تصوراته لإطار حكمه، في حين تبدو إستراتيجية إيران إقليمية بمدى اوسع، تشكل سورية واحدة من مكوّناتها، وهي تريد سورية التي تحقّق لها تأثيراً إقليمياً، أي سورية بكامل حدودها وطرق مواصلاتها وامتداداتها، هذا التصادم بدا واضحاً في عمليتي درعا وحلب وكان وراء فشل الهجوم وتحوّله الى مجرد عمليات تكتيكية، ففي حين كانت إستراتيجة الأسد تهدف الى حصار الثوار ضمن مناطق بعيدة عن المراكز الأساسية وإبعاد خطرهم عن سورية المفيدة كانت إيران تهدف إلى ترسيخ المشهد الجيوسياسي للإقليم من خلال تموضعها على الحدود مع كل من تركيا والاردن وإسرائيل.

    بالنسبة للأسد تنصب أهدافه في احتواء الثورة بشكل ممنهج واستكمال حكم سورية وذلك عبر إخراج المناطق، بحسب أهميتها لنفوذه وفاعليتها ضده من مساحة الثورة بحيث ينتهي الى وصف الثورة على أنّها نمط تمرد في بؤر جغرافية اختلط فيها الإرهاب والطائفية، أما بالنسبة لإيران فالهدف هو احتواء سورية وتشغيلها ضمن منظومة النفوذ الأكبر، لكن آليات هذا الاحتواء خطيرة تقوم على التحكم بالمشهد العسكري من خلال أدوات تتبع لها مباشرة، ومن خلال اعادة هندسة الخريطة الديمغرافية السورية لتتوافق مع جغرافية مشروعها.

    بالنسبة للأسد كانت سورية وستبقى مهمّة لكونها محتوى للحكم ضمن تراتبية سلطوية معينة تأتي عائلة الأسد في قمة هرمها ثم الطائفة التي تشكل حاضنة العائلة وشبكة أمانها ثم النظام بوصفه الاداة المنفذة والإطار الشرعي للحكم، بالنسبة لإيران تصبح عائلة الاسد وطائفته محتواة ضمن تركيبة أوسع وتراتبية مختلفة تنخفض في إطارها أهمية التراتبية الأسدية الى درجة متأخرة وخاصة بعد إعادة ترتيبها للنسق السوري وإدماج المكونات والادوات التي أسستها في الفترة الأخيرة ضمن هيكل السلطة.

    كل ذلك يجعل الأسد مهدداً بخسارته للكتلة السورية، بمختلف تلويناتها الاجتماعية والسياسية، التي بقيت إلى جانبه وظلّت في كل مرّة تحاول أن تجد تكييفاً لها في إطار النظام، مثل الحفاظ على الدولة أو قومية توجه النظام السوري وهي اليوم تتلقى صفعة عبر رؤيتها للتدخل الايراني السافر والهيمنة على القرار والميدان لأهداف مغايرة عن تلك التي كانوا يتكيّفون مع مقتضياتها، وهذه الكتلة كبيرة ومؤثرة تشمل جزءاً من البيروقراطية السورية وجزءاً كبيراً ممن يطلق عليهم الكتلة الرمادية.

    لا شك أن ما دفع إيران للقفز إلى هذا المستوى من الوضوح والشفافية في تظهير أدواتها وأهدافها استشعارها تغييرات قادمة في المشهد الإقليمي من خلال احتمال تشكّل تكتل من القوى المركزية يقف ضد طموحاتها، لذا فهي تندفع الى تكريس أوضاع ثابتة في سورية حتى لو اضطرت الى عدم مراعاة اعتبارات كثيرة لدى الأسد، ولا شك أن هذه الوضعية سينتج عنها إما حصول تصادم عند أكثر من مفصل، او استمرار هذه الديناميكية التي ستكون نتيجتها الحتمية بداية تغيير آليات السلطة عبر تحويل المرجعية الإيرانية إلى الثابت الوحيد فيها فيما المنفذون متغيرون، قد يكون الأسد أو أي واجهة أخرى فيما يبدو استنساخاً للحالة العراقية.

    () كاتب من سوريا
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X