د. وحيد عبد المجيد - الاتحاد الاماراتية


سينتهي بنيامين نتنياهو من تشكيل الحكومة الرابعة في تاريخه السياسي بعد أيام. لكن المأزق الإسرائيلي الذي أدى إلى إجراء انتخابات مبكرة للكنيست العشرين لن ينتهي. فقد أسفرت نتائجها عن خريطة برلمانية تعبر عن جوهر هذا المأزق، وتُعيد إنتاجه في آن معاً. وكان احتفاظ نتنياهو وقوى اليمين بموقع الصدارة هو ذروة هذا المأزق.

ورغم سوء أداء نتنياهو وفشل حكومته السابقة، وجد الناخب أن استمراره أفضل أو أقل سوءاً من استبدال من يشبهه به. فالأصل عادة مُفضَّل مهما تكون رداءته. والحال أن منافسي نتنياهو الأساسيين ليسوا إلا نسخاً منه لا تختلف عنه إلا في بعض التفاصيل. فهم يعزفون اللحن نفسه بتنويعات مختلفة. لكنه هو الذي يتقن هذا اللحن أكثر من غيره. لذلك بدت الانتخابات الأخيرة مثل المسابقات التي تختبر قدرة المشاركين فيها على اكتشاف فروق صغيرة جداً بين صور عدة للشخص نفسه. فاللاءات الثلاثة التي تغلق الطريق أمام أي حل سلمي تمثل قاسماً مشتركاً بين معظم الأحزاب والقوائم الممثلة في الكنيست العشرين. وهي تتعلق برفض الانسحاب الكامل من الضفة الغربية، ورفض إخلاء الكتل الاستيطانية الكبرى التي يحتلها الآن أكثر من ستمئة ألف إسرائيلي يزدادون باطراد، ورفض تقسيم «القدس الموحدة» لكي تظل «عاصمة إسرائيل الأبدية».

وفي ظل هذه اللاءات، يتساوى وضع لافتة تحمل اسم الدولة الفلسطينية على خريطة المنطقة أو شطبها. لذلك كان سهلا على نتنياهو أن يعلن، وهو في ذروة قلقه من استطلاعات الرأي العام عشية الانتخابات، أنه قرر شطب فكرة الدولة الفلسطينية، ثم يعود للحديث عن هذه الدولة بعد فوزه. فقد قال في تصريحات بثها موقع «إن.آر.جي» في 16 مارس في سياق تأجيجه لمشاعر ناخبي اليمين، إن «كل من يخطط لإجلاء الإسرائيليين من الأراضي التي يقطنونها لإقامة دولة فلسطينية إنما يمنح الإسلام المتطرف مواقع ليشن منها هجماته علينا». وهو يعرف أنه ليس هناك بين منافسيه من يدعو إلى ذلك من قريب أو بعيد.

غير أنه ما أن أُعلنت النتائج النهائية غير الرسمية حتى قال في مقابلة مع الإذاعة العامة الأميركية «إن.آي.أر»، في 20 مارس، إنه لم يغير موقفه من إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بالدولة اليهودية، لكنه يرى أن الظروف يجب أن تتغير قبل إعلان مثل هذه الدولة. ولعل أهم ما يسعى إلى تغييره هو أن يجد مفاوضاً فلسطينياً يقبل إعلان دولة غير متواصلة جغرافياً تتخللها كتل استيطانية، ويوافق على التنازل نهائياً عن القدس، ويعترف بإسرائيل دولة يهودية وليست «دولة لكل مواطنيها».

لذلك فحين نتأمل ما قاله في الحالتين، نجد أنه لا يناقض نفسه بل يتلاعب بمشاعر قطاع من الناخبين الذين يحسمون الانتخابات لمصلحته في النهاية. فقد تحدث عن شطب الدولة الفلسطينية من منطلق تمسكه بالاستيطان في الضفة. كما تحدث عن إقامة هذه الدولة، وهو يضمر القول إن هذا ليس ممكناً إلا عند وجود مفاوض فلسطيني يقبل الاستسلام الكامل لشروط تمثل قاسماً مشتركاً بين معظم القوى الإسرائيلية.

فالاتفاق العام على اللاءات الثلاثة يجعل الفرق بين نتنياهو ومنافسيه أقرب إلى تباين لفظي منه إلى خلاف سياسي. وينحصر هذا الخلاف في تفاصيل من نوع كيفية تعزيز الطابع اليهودي المتفق عليه للدولة العبرية، إذ يذهب نتنياهو إلى آخر مدى في هذا الاتجاه دون أن يعبأ بالنتائج، بينما يرى زعيما «الاتحاد الصهيوني»، اسحاق هرتزوج وتسيبي ليفني، مراعاة ألاَّ يؤدي ذلك إلى تقويض «النظام الديمقراطي» وإقامة فصل عنصري. كما يختلف معه موشى كحلون زعيم حزب «كولانا» الأكثر علمانية بشأن بعض الإجراءات المتعلقة بتعزيز الطابع اليهودي للدولة خوفاً من هيمنة الدين عليها وتحولها إلى «دولة ثيوقراطية».

وحتى على صعيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدهورت في ظل حكومة نتنياهو السابقة، لم يطرح «الاتحاد الصهيوني»، والذي يوصف بأنه «يسار وسط»، سوى سياسات خجولة مثل إعانة غلاء معيشة، وزيادة الدعم لتلاميذ مدارس الروضة، وبعض التحسين في الرعاية الصحية.

وحين يكون هذا هو كل الفرق، فمن المنطقي أن يظل نتنياهو رئيساً للحكومة رغم فشله الواضح، وأن تبقى «اللاءات الثلاثة» سداً منيعاً أمام أي أمل في حل سلمي.