محمود الريماوي - العربي الجديد


أدّت رسالة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى القمة العربية، أخيراً، إلى ما يعاكس هدف المرسل من إرسالها، فقد تعرض الموقف الروسي إلى نقد شديد من وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، في الجلسة العلنية الختامية للقمة في شرم الشيخ، وهي من المرات النادرة التي يتعرض فيها الموقف الروسي إلى مثل هذا النقد، وفي أعلى محفل عربي.

جاءت رسالة بوتين قصيرة، وجرى فيها تكرار مواقف روسية معروفة من أزمات المنطقة، والجديد فيها هو الحديث عن تأييد روسي لحل سياسي للأزمة اليمنية، بما يفهم منه الاعتراض على حرب "عاصفة الحزم" التي كانت، حينذاك، في يومها الثالث. ومع ذلك، فقد تركّز نقد الفيصل على الموقف الروسي من الوضع السوري.

معلوم أن الرياض سعت، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى الحفاظ على مستوى علاقاتها بموسكو التي تعود إلى ثمانية عقود، والتي ظلت صامدة حتى ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين، العربي والسوفييتي. وصمدت هذه العلاقات في السنوات الأربع الماضية، وتخللتها زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين البلدين، وقد أجرى الفيصل شخصياً، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، زيارة رسمية إلى موسكو، اتسمت أجواؤها بالود. وإذا كانت الحدّة التي تحدث بها الفيصل تحمل قدراً من المفاجأة، فلا شك أن من المفاجئ، أيضاً أن تذهب موسكو بعيداً في وقوفها مع الانقلابيين الحوثيين، وعلى الضد من إرادة الشعب اليمني، وأن تشن حملات غير مسبوقة على الرياض، من قبيل وصف الجيش السعودي بأنه "لا شيء"، كما ورد على لسان خبير روسي لوكالة إنترفاكس الروسية.

روسيا بين دول قليلة في العالم، تعد على أصابع اليد الواحدة، تؤيد الحوثيين، وبما يجعل روسيا الاتحادية بموقفها هذا ملحقاً بالمحور الإيراني الداعم لهؤلاء. هذا على الرغم من اللهجة المخففة التي يستخدمها وزير الخارجية، سيرجي لافروف، الذي يدعو إلى وقف العمليات العسكرية من طرف الحوثيين والتحالف العربي، والعودة إلى التفاوض بين الفرقاء في منطقة محايدة، إذ إن الاكتفاء بهذا الموقف من دون إدانة انقلاب الحوثيين، وبغير الاعتراف بالشرعية في اليمن، من شأنه دعم موقف الحوثيين، ذلك أن انقلاب هؤلاء، في سبتمبر/أيلول الماضي، واحتكامهم إلى السلاح قد وضع عملياً، نهايةً لكل حوار.. ولا يمكن للحوار أن يعود، سوى بعودة الوضع الذي كان قائماً قبل الانقلاب.

والآن، جاءت الانعطافة في العلاقات الروسية السعودية بمثابة انفجار للخلافات التي تم تسكينها في السنوات الأربع الماضية، ولما بدا من إشارات متزايدة حول التماثل بين المواقف الروسية والإيرانية حيال مختلف القضايا، تبدأ بالملف النووي الإيراني، وتمر بالموقف من المحنة السورية، ولا تنتهي بالموقف من حوثيي اليمن، وذلك على الرغم من عمق العلاقات العربية مع موسكو وتشعبها، بل وحتى مع انفتاح سائر الدول العربية، بما فيها الرياض، على تطوير العلاقات مع موسكو، بما في ذلك إبرام صفقات تسلح معها.

في مجال الرد على كلمة الوزير الفيصل، نشطت موسكو في إعلان تصريحات متتابعة، حول موقفها من تزويد النظام في دمشق بالأسلحة من دون توقف. وقد تركزت الردود الروسية على أن صفقات الأسلحة مع دمشق قانونية (تتوافق مع القانون الدولي حسب العبارة الأثيرة للوزير لافروف)، وعلى أن صفقة جديدة للأسلحة لم توقع مع دمشق. وفي واقع الأمر، رد الفيصل مسبقاً على الردود الروسية، بالقول إن موسكو سلحت النظام السوري الذي يفتك بشعبه، وهي تتحمل مسؤولية كبيرة في مصاب الشعب السوري، مضيفاً أن روسيا تقترح حلولاً سلمية، بينما هي مستمرة بتسليح النظام السوري. ومعلوم، هنا، أن المدن السورية الرئيسية، مثل حلب وحماه وحمص، لطالما جرى قصفها بطائرات ميغ وسوخوي وصواريخ غراد الروسية، وحتى البراميل المتفجرة، في بداية استخدامها ضد الأحياء السكنية، من صنع روسي، قبل أن يقوم النظام بتصنيعها. معلوم، أيضاً، أن صفقات الأسلحة بين بلد وآخر يجري تقييد استخدامها في حالات بعينها، بينما تمنح موسكو النظام في دمشق حق استخدامها في الداخل ضد المعارضين، وقد تم استخدام هذه الأسلحة على نظاق واسع منذ مطلع العام 2012. وليس هناك فارق كبير بين صفقات سابقة وأخرى مستحدثة، ما دام أن توريد السلاح الروسي يواصل تدفقه من دون توقف. هذا على الرغم من النتائج الكارثية للحل العسكري، وهو الحل الذي اعتمده النظام في دمشق، منذ الساعات الاولى للأزمة قبل أربع سنوات، ولم يتوقف ساعة عن استخدامه، حتى أيام الناس هذه.

في معرض تعليقه على تداعيات حرب "عاصفة الحزم"، حذر الوزير الروسي، لافروف، من تطور هذه الحرب إلى حرب عربية إيرانية. ولم يوضح ما علاقة إيران ببلد عربي مؤسس في جامعة الدول العربية هو اليمن، البلد الذي لا يحاذي إيران. ولا أحد، بطبيعة الحال، من العرب يريد حرباً مع إيران، غير أن هذه الإشارة من لافروف تشي باعتراف روسي بأن الانقلابيين الحوثيين هم ذراع إيران في اليمن. ولو جرى الاحتكام الى القانون الدولي، لكان الوزير لافروف اعترف بأن التدخلات الإيرانية في اليمن، وتسليحهم الحوثيين وتدريبهم، دفعت هذا البلد إلى مصير مجهول، وأغلقت فرص الحلول السياسية بين الفرقاء اليمنيين، وأثارت مخاوف دول الجوار، بعد أن شرع الانقلابيون في إجراء مناورات بأسلحة ثقيلة على الحدود اليمنية مع السعودية، وبث تهديدات مبطنة ومتكررة، وحتى قبل أن يستتب الأمر الانقلابي لهم.

من الغريب حقاً أن تبدو موسكو العظمى جزءاً من المحور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، والمبادرة إلى تسويق الطروحات الإيرانية في الأمم المتحدة وفي الغرب، وعلى مائدة التفاوض حول الملف النووي الإيراني، وأن ترجّح علاقاتها مع طهران على علاقتها بعشرين دولة عربية. هناك، بطبيعة الحال، مصالح اقتصادية تربط موسكو بطهران وجوار جغرافي بينهما، وعداء مشترك للحركات الإسلامية السنية، غير أن هذه الاعتبارات قد لا تكفي لتفسير التحالف بين طرفين، بدون الإضافة إلى أن البلدين تجمعهما مطامح إمبراطورية ذات منزع قومي خارج حدود كل منهما، وليس بعيداً عن الشرق الأوسط، بالنسبة لإيران خصوصاً، وعلى خلفية من شعارات العداء لأميركا التي يُنظر لها في موسكو وطهران على أنها في أضعف أحوالها، وآن أوان اهتبال الفرصة لتقليص نفوذها في هذه المنطقة، فيما الضحية هي شعوب الشرق الأوسط العربي التي تعاني من الاحتلال الإسرائيلي والإرهاب، وقد أضيفت إلى معاناتها المطامح الإيرانية التي لا تعبأ بالشعوب، ولا تحسب لها أي حساب.