Announcement

Collapse
No announcement yet.

الأردن و«ظروف البلد لا تسمح»

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الأردن و«ظروف البلد لا تسمح»

    الأردن و«ظروف البلد لا تسمح»

    يختصر صديق فيسبوكي الكثير من حكاية نخب الإدارة الأردنية وهو يلتقط ثلاث مفارقات دفعة واحدة، فوزارة الصحة تصدر عن بعض موظفيها تصريحات وبيانات تحاول تحريك بوصلة المسؤولية في مسألة المطاعم الفاسدة نحو مؤسسات موازية في مشهد غريب يوثق اللحظة التي تؤكد بأن النخبة متميزة ايضا ليس في التضليل فقط او هبوط الإنتاجية لكن ايضا في التنصل من المسؤولية.

    التعليق في السياق حضر ردا على تصريح لمسؤول في وزارة الصحة قال في تبرير ظهور إنفلونزا الخنازير بأن وزارته ليست معنية بمسألة المطاعم في إشارة لأن مؤسسات اخرى هي المعنية رغم ان وزير الصحة يترأس هذه المؤسسات.

    عندما هطل المطر بكثافة العام الماضي وغرقت أهم وأعرض وأعرق شوارع العاصمة عمان مع الأنفاق والجسور مال الجميع إلى المماطلة ولم يعرف اهل عمان حتى اللحظة من المسؤول عن عدم تنفيذ برنامج صيانة العبارات التي تكون مهمتها بالعادة تصريف المياه.

    آنذلك قيل للأردنيين بأن معدلات الأمطار متزايدة عن الوضع المألوف وإكتشف أهالي العاصمة بان شوارعهم يمكنها ان تتعطل وتغرق في المطر لأن أحدا لا يعرف بصورة محددة على عاتق من تقع مسؤولية صيانة الأجهزة والمعدات المعنية بتصريف المياه فقد تبين بأن كل المشكلة أصلها في ان عملية صيانة طبيعية وروتينية وغير مبدعة ولا تتطلب خبرات أجنبية لم تجر في الوقت المناسب.

    لا يوجد بالنسبة للعديد من الموظفين والمسؤولين في الدولة الأردنية وقت أو موعد مناسب فعلا لأي شيء والذرائع بـ «الكوم» سياسيا وأمنيا وإعلاميا عندما يتعلق الأمر بسؤال الناس عن إنتاجيتها.

    رئيس وزراء سابق أبلغني بأنه من المعيب التحدث عن «مشكلاتنا» في الأردن بصراحة والمشكلات لابد من معالجتها بعيدا عن البرلمان والصحافة والرأي العام على اساس ان الكرامة الوطنية تأبى مثل هذه المصارحات…تلك برأيي قاعدة تخالف مسار المنطق لأن الشعوب لا يمكنها تشخيص مشكلاتها إذا لم تتحدث عنها أو تحددها.
    الكرامة الوطنية تستقر بوقار عندما يتوقف تبرير الأخطاء في المسار السياسي والأمني والإقليمي والإقتصادي وعندما يحصل العكس تتأثر سلبا كرامة الإنسان الأردني.

    صاحبنا على الأرجح يريد ان يبقى في منصبه والآلية الوحيدة التي تضمن له ذلك تتمثل في المتاجرة بالمشكلات وعدم حلها أومعالجتها ليس فقط حتى يبرر القصور ولكن ايضا حتى يبقى في مواقع الصف الأول التي لم يغادرها منذ نصف قرن والتي يجلس فيها بإسترخاء ليس بسبب كفاءة وطنية أو مهنية رائدة ولكن بسبب قدرته الفائقة على عدم حل المشكلات وتخويف النظام والمؤسسات المرجعية من كل الأفكار الإصلاحية التي تعالج الأمور لأن المعالجة معناها أن لا نرى تلك الوجوه التي نراها اليوم في واجهة المشهد.
    تحدثت شخصيا عشرات المرات وأتحدث منذ عشرين عاما عن قضايا الوحدة الوطنية والمواطنة وفي كل مرة كان يقال لي بأن الوقت غير ملائم وظروف البلاد لا تسمح…منذ 20 عاما وأنا أنتظر ان تسمح الظروف.

    الظروف لا تسمح ايضا بالحديث عن إصلاحات جوهرية وحقيقية في المجال الديمقراطي ومن يحاجج بالأمر لا يبلغك عمليا متى تسمح الظروف ولا يحدد سقفا زمنيا يمكنك مراجعته بعد.
    «ظروف البلد لا تسمح»..أشهرعبارة تقال في الأردن خصوصا من الشخصيات السياسية ومن طبقة كبار الموظفين.

    قد تتهم بالعنصرية أو الجهوية إذا إنتقدت مديرا أخفق عشرات المرات في مسائل خدماتية بسيطة من طراز تأمين نقل قمامة سوق الخضار المركزي إلى مكانها الصحيح وقد تصبح ملائما لتلقي تهمة الخيانة الوطنية إذا تحدثت بالإصلاح ومنهجية المواطنة أو إذا طالبت بالتخطيط بالمستقبل.

    بالحد الأدنى أنت «جاسوس» أو داعية من دعاة الوطن البديل أو مستقر في حضن الأخوان المسلمين إذا إعترضت على سحب جنسية مواطن أردني وأنت من نفس الفئة والفصيلة إذا ما فكرت يوما بطرح معادلة «الحق والواجب- الضريبة والخدمة» رغم أنها المعادلة التي صنعت دول العصر الحديث.

    الذريعة الدائمة لتأجيل كل شيء هي الوضع الإقليمي والصراع العربي الإسرائيلي وظروف البلد الإقتصادية وتلك المؤامرات التي تحاك ليلا ونهارا من الشقيق قبل الغريب ضد الشعب الأردني.

    أطنان من الذرائع البائسة تستعمل دوما لتأجيل أوتبرير كل شيء في البلاد حتى باتت الذرائعية ثقافة دائمة وسلوكا إجتماعيا مستقرا في وجدان الناس ولا يمكن هزيمته بثقافة إنتاجية ببساطة.

    ذرائعية في كل إتجاه وتحيط بجميع الملفات ولا يمكنك الإلتفاف عليها وهي جاهزة للإنقضاض عليك دوما تحت طائلة «الظرف الحساس» وإيقاع المجتمع الذي لا يحتمل المطالبة بالعصرنة والتحديث او حتى بالحد الأدنى من الإصلاح الإداري الذي يعكس حقيقة وروح النظام ومؤسساته ويستحقه الشعب الأردني الصابرالمثابر.

    ٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن

    بسام البدارين


    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Working...
X