حسان حيدر - الحياة


لو جال أحدهم في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في مناطق الجنوب اللبناني، وهو يحمل خريطة للعالم العربي ليس فيها أسماء الدول ولا حدودها، وطلب من الناس أن يدلوه إلى موقع اليمن فيها، لفشل معظمهم في ذلك. فهذا البلد البعيد من لبنان واللبنانيين، خصوصاً الجنوبيين وهمومهم، لم يكن يوماً محل اهتمامهم، والأرجح أنه لن يكون، سوى في حدود ما يفرضه عليهم «حزب الله»، المحتكر مصيرهم، عندما يوجّه، بل يجيّش، القنوات التلفزيونية والصحف التي يتحكم بسياستها وتمويلها، جاعلاً من تطورات البلد «السعيد» سابقاً، مادة تطغى على ما عداها، في تخط للمشكلات الفعلية التي يفترض أنها تؤرق هذا الجمهور الذي لا يعرف ما هي الدولة المقبلة المرشحة لأن تصبح «محور» انشغاله، وإلى أي منطقة من العالم سيُرسل أبناؤه، بعد سورية والعراق، ليقتِلوا ويُقتلوا.

أنه قرار اتخذه الحزب الذي لم يعد يجد أي حرج في كونه مجرد جهاز آخر من أجهزة الأمن والسياسة الإيرانية في المنطقة، بزج اللبنانيين، لا سيما بيئته الحاضنة، قسراً في مسألة لا علاقة مباشرة لهم بها، وإقحامهم طرفاً في استهداف طهران المتمادي لاستقرار دول عربية، تماماً مثلما فاجأهم بقراره دفن أحد شيوخ «الحوثيين» الذي لم تسمع به غالبيتهم الساحقة، إلى جانب ضريح قائده العسكري عماد مغنية، في خلط مقصود بين «الساحات» وقلب مشبوه للأدوار.

فبدلاً من أن يهتم اللبنانيون باليمن من باب التضامن مع بلد عربي يتعرض أمنه واستقراره للاهتزاز بسبب غلبة فئة على باقي الفئات بقوة السلاح وسعيها إلى الإمساك وحدها بالقرار على حساب سائر المكونات السياسية والأهلية، وأن يساندوا ما يمكن أن يعيده إلى سكة السلم والأمان، خصوصاً أن هناك مبادرة خليجية عربية أقرها المجتمع الدولي عبر مجلس الأمن، نجحت في وضع أسس تداول السلطة سلماً، وأرست خريطة طريق ناجعة لمساعدة البلد في معالجة ذيول عقود من الاختلال في الحكم والتنمية، يطلب «حزب الله» منهم أن يؤيدوا إسقاط تجربتهم معه على الواقع اليمني، وأن يصفقوا لـ «الحوثيين» الذين يقلدونه في استئثاره بالمقدرات وإمساكه بالمؤسسات بعد تحجيم دورها، وفرض منطقه ومصلحته، ومن ورائها مصلحة إيران، على توجهات لبنان الخارجية، حتى لو عمق ذلك الانقسام وغذى الاستقطاب وفاقم التوتر.

ولم يكتف الحزب بالدفاع عن «الحوثيين»، بل بادر إلى التهجم على السعودية التي تقود مبادرة «عاصفة الحزم» لمعالجة الانقلاب الإيراني ومحاولة سلخ اليمن عن جواره، وتحويله ورقة تهديد للدولة التي ترعى، منذ نشأته، وفاق الأطراف فيه، وتساهم بالديبلوماسية والدعم المادي في معالجة أزماته.

ومع أن «حزب الله» ينفي دوماً أن يكون تنظيماً طائفياً، إلا أن تورطه المباشر إلى جانب فئة بعينها في اليمن يفضح هشاشة هذا النفي وزيفه، إذ يربط نفسه وبعض لبنان معه، بقسم من اليمنيين يتشارك معه في الخضوع لسيادة «الولي الفقيه» الإيراني، ولو على حساب بلده.

ويعني هذا أن الحزب يتنكر حتى للمبدأ الذي قام على أساسه ولا يزال يتذرع به لتبرير استمراره تنظيماً مسلحاً، وهو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. فمن يعتبر إسرائيل عدواً قومياً لأنها تحتل أراضي عربية، ويطالب العرب بمقاومتها، يفترض به ألّا يقبل بخرق طرف خارجي آخر مثل إيران، حتى لو اعتبرها البعض «صديقة»، لسيادة دولة عربية، عبر إرسال المال والصواريخ والمستشارين العسكريين، وتهديد منظومة الأمن العربي من بوابة الولاء الديني.