جاسر الجاسر - الحياة

الصورة الجذلى لعبدالله المعلمي، لحظة إقرار مجلس الأمن المشروع الخليجي في اليمن، تختزل حجم المعركة الديبلوماسية التي أثمرت هذا النجاح.

كان القرار انتصاراً للقيمة الأخلاقية والحق، وعودة الثقة للأمم المتحدة. لكن اللافت هو البراعة الخليجية في استقطاب هذا التأييد، حتى إن موسكو بكل جلبتها السابقة اكتفت بالامتناع من التصويت، بينما أيدته حليفتها التقليدية الصين. تخبئ الكواليس قصصاً مثيرة عن صراع الأيام السابقة للقرار، وكيف احتشد «معظم» القوى الخليجية لشرح منطلقاتها، ما بدّل مواقف حذرة ومتشككة، فكان النصر تأكيداً معنوياً يدعم اليمن لتحقيق أهداف «عاصفة الحزم» وينهي أي احتمال لانشقاق في شأن قضية عادلة، أو محاولة توظيفها لأغراض تنافسية ومصلحية. كان عبدالله المعلمي وعلياء آل ثاني فريقاً متناغماً لا يهدأ حتى أنجز مهمته، فكانت صرخة الفرحة التي أطلقها المعلمي ووثقتها الصورة.

اللافت هو الانقلاب في الموقف الروسي، الذي كان يشكل الورقة الحرجة لقدرته على إسقاط القرار كلياً. مرة أخرى يظهر الدور الخفي المؤثر للأمير محمد بن سلمان، الذي التقى وهاتف السفير الروسي لدى الرياض مراراً، وفق تقرير «العربية»، كان آخرها قبل بدء التصويت على القرار، فماذا فعل هذا الشاب القليل الخبرة (وفق وصف خامنئي) لتتبدل الحال الروسية من المؤشر الأحمر إلى التماس مع الأخضر؟ وكيف أدار الرأسَ العنيد نحو الرياض بعد أن كان أقرب إلى الجفاء معها؟

هذا وجه مختلف للخليج، يتحرك في كل اتجاه، ويتقاسم الأدوار، ويكشف عن قوة ناعمة كانت نائمة أو مهملة، فلما انطلقت مسيرتها برزت جوانب قوتها وقدرتها على التغيير، إن حرباً وإن سلماً.

يمكن القول إن العمل الخليجي في هذه المسألة تحفة فنية في الجهد الديبلوماسي الخلاق، ولعل الأيام تسمح للسفيرين علياء وعبدالله أن يؤلفا كتاباً يرويان فيه قصة الإنجاز وأدوات التأثير والخطة الجماعية المتناغمة،مع حضور أردني لافت عبر مندوبته رئيسة المجلس دينا قعوار، التي التمعت بابتسامة فخورة حين لم تجد سوى يد واحدة ممتنعة، وربما شاركت قوى أخرى، عربية وغير عربية، في الحشد والدعم بشكل غير ظاهر لهذه النهاية السعيدة.

هذه خطوة أخرى تعلن هيمنة فارس «عاصفة الحزم» ديبلوماسياً بعد أن قطع كل قول بفعله الصارم، فكان للحق يومٌ لا ينسى، وللعرب نشوة كرامة أنستهم الأحزان والمآسي طعمَها، وربما وجودها أصلاً. كل التقارير والدراسات السابقة عن الخليج يتوجب محوها، مثلما فعل هيكل في برنامجه الذي هدمته «عاصفة الحزم»، لأنها جميعاً أصبحت مثل تنبؤات الفلكيين، فيها من التسلية أكثر من المعرفة.

الخليج الجديد يتحرك فيه الشباب الذين لا يحبهم خامنئي، لأنهم أرهقوه بالحركة والنشاط والسرعة، فلم يعد يستطيع ملاحقتهم، لكنه إن أراد أن يفهم صورة الخليج فلينظر جيداً في صورة علياء آل ثاني وعبدالله المعلمي، ليتبين معنى استثمار الكفاءات خليجياً من الجنسين من دون قيود، وليتعرف على سر التمازج بين الكهولة والشباب في صناعة الفرق وكسب المعركة أياً كانت طبيعتها.