Announcement

Collapse
No announcement yet.

الثورة المصرية وأمراض الديموقراطية!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الثورة المصرية وأمراض الديموقراطية!

    القاهرة - السيد يسين - النهار اللبنانية


    تلقيت الدروس الأولى في القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في السنة الأولى عام 1953 على أستاذين جليلين. الأول هو الدكتور عبد الحميد متولي وكان استاذا محافظا من الناحية الفكرية، ولكنه كان موسوعة سياسية متحركة، وهو الذي علمنا لأول مرة الفروق الأساسية في مجال النظم السياسية بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي.

    الأستاذ الجليل الثاني هو الدكتور سعد عصفور وكان أستاذا تقدميا بل ثوريا اختلف مع ثورة 23 يوليو 1952، وكان يعقد ندوات في الكلية يحضرها الطلبة ويطالب فيها بعودة الجيش إلى ثكناته، واستئناف المسار الديموقراطي السابق. كان جيلي من الطلبة يحسون أنهم أبناء الثورة، ويعترضون على آرائه، ولكننا كنا نحترمه ونجله كثيرا لعلمه الغزير وديموقراطيته في التعامل مع الطلبة.

    وقد لفت نظرنا أستاذنا عبد الحميد متولي في محاضراته الغزيرة -وهو يستعرض النظام السياسي الفرنسي والذي كان نظاما برلمانيا- إلى أنه يمثل ما أطلق عليه "أمراض الديموقراطية".

    وكان يعني بذلك تحديدا أنه نظرا الى التنافس الحزبي العميق بين الأحزاب الفرنسية اليمينية والوسطية واليسارية لم يكن من الممكن تشكيل حكومات ائتلافية متناسقة. إذ كان سرعان ما يدب الخلاف بين أعضائها، مما كان يدفع برئيس الجمهورية -والذي كان منصبه ثانويا في النظام البرلماني وسلطاته مقيدة- إلى إقالة الوزارات وتشكيل وزارات جديدة، بناء على تحالف حزبي جديد سرعان ما ينهار وهكذا كانت الحياة السياسية الفرنسية تدور في حلقة مفرغة مما جعل أستاذنا يعتبرها نموذجا لأمراض الديموقراطية!

    والنظام البرلماني هو نظام ديموقراطي للحكم حيث تستمد السلطة التنفيذية شرعيتها الديموقراطية من السلطة التشريعية (البرلمان) وتحاسب عن أعمالها أمامه. وهكذا يمكن القول أنه في هذا النظام فإن السلطة التنفيذية ترتبط ارتباطا عضويا بالسلطة التشريعية. وفي النظام البرلماني فإن رئيس الجمهورية يكون بالضرورة شخصا آخر غير رئيس الحكومة، وذلك بعكس النظام الرئاسي الذي يكون فيه رئيس الجمهورية هو نفسه رئيس الحكومة. وفي الوقت نفسه لا تستمد السلطة التنفيذية شرعيتها من السلطة التشريعية.

    وقد تكون النظم البرلمانية في بلاد ملكية دستورية حيث الملك هو منصب شرفي في حين أن رئيس الحكومة يأتي غالبا من البرلمان.
    وقد يوجد هذا النظام أيضا في جمهوريات ديموقراطية، حيث يكون رئيس الجمهورية أشبه ما يكون منصبا شرفيا. وفي مجال بيان ميزات النظام البرلماني أنه أسرع وأيسر في مجال إصدار التشريعات، ما دامت السلطة التنفيذية تتشكل بدعم مباشر أو غير مباشر من السلطة التشريعية، وعادة ما يكون بعض الوزراء من أعضاء البرلمان.

    ولكن هناك عيوب جسيمة لهذا النظام لا يتسع المقام لتعدادها، وإن كانت ظاهرة أمراض الديموقراطية تلخصها في عبارة موجزة، لأنها تعني تغيير الوزارات بصورة دائمة مما يعني انقطاعات لا نهاية لها في المسار الديموقراطي قد تؤدي في النهاية إلى شلل تام للنظام السياسي. وهذا ما حدث بالفعل في فرنسا حيث انهارت الجمهورية الرابعة التي سادها النظام البرلماني عام 1958.

    وقد دعي بطل المقاومة الفرنسية الشهير الجنرال شارل ديغول لإنقاذ النظام السياسي الفرنسي حيث أصدر دستورا جديدا غيّر فيه النظام البرلماني ليصبح نظاما رئاسيا، وذلك بتأسيسه للجمهورية الخامسة وأصبح بالانتخاب رئيسا للجمهورية حيث حكم فرنسا من 1959 الى 1969 مما جعل فرنسا تشهد فترة لامعة تحت رئاسته الملهمة.
    والنظام الرئاسي يقوم أساسا على أن رئيس الدولة هو صاحب السلطة التنفيذية بشكل كامل ولا يوجد مجلس وزراء مستقل كما هو كائن في النظام البرلماني، ولا توجد قرارات تخرج عن إرادة غير إرادته.

    في ضوء هذه البيانات الموجزة عن كل من النظام البرلماني والنظام الرئاسي يمكن القول أن الدستور المصري الجديد الذي صيغ بعد ثورة 25 يناير اختلق نظاما سياسيا وسطا بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني.
    وذلك لأنه أجرى نوعا من مقاسمه السلطة بين رئيس الجمهورية الذي له سلطات واسعة -مثله في ذلك مثل وضعه في النظام الرئاسي- والبرلمان الذي أعطى له سلطات يتقاسمها مع رئيس الجمهورية.

    والواقع أن الدستور المصري الجديد بالرغم من تقدميته وتنفيذه لعديد من المطالب الثورية لثورة 25 يناير هو تعبير عن الإرادة الشعبية في دستور ديموقراطي لا يعطي السلطة المطلقة لرئيس الجمهورية، ولكنه في الواقع في إعطائه سلطات معينة للبرلمان كان يفترض أن هذا البرلمان سيتشكل بشكل متجانس عبر انتخابات ديموقراطية حرة تعكس القوى السياسية المختلفة في اتجاهاتها، والتي تتوزع في كل البلاد الديموقراطية بين اليمن والوسط واليسار.

    ولكن ثبت من الممارسة العملية سواء بعد ثورة 25 يناير مباشرة أو بعد الانقلاب الشعبي في 30 يونيو على حكم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية أن هذا الافتراض الذي صيغ على أساسه الدستور لا أساس له! وذلك للتشرذم الشديد في القوى السياسية المصرية، سواء في ذلك الأحزاب التقليدية أو الأحزاب الناشئة أو الائتلافات الثورية التي كونها الناشطون السياسيون بعد الثورة والتي تجاوزت 300 ائتلافا ثوريا! وإذا ما عرفنا أن عدد الأحزاب المصرية الآن هو حوالى مئة حزب الغالبية العظمى منها أحزاب ورقية ليست لها أي قواعد شعبية كونتها وتديرها شخصيات غير معروفة وليس لها أي ماضٍ سياسي، لأدركنا حجم الأزمة التي يمر بها الآن النظام السياسي المصري الجديد بقيادة الرئيس السيسي.

    فالانتخابات متعثرة نتيجة العوار الدستوري لقوانينها التي تكشف عن تدني القدرات القانونية لمن قاموا بصوغها، بالإضافة إلى الانشقاقات الواسعة المدى بين كافة التحالفات السياسية والأحزاب، كما ظهر جليا في الحوار الذي أداره رئيس الوزراء المهندس محلب.
    ومعنى ذلك في الواقع أن النظام السياسي الوليد قد دخل في مرحلة مرض من أمراض الديموقراطية، وهو العجز عن التوافق السياسي حول أبجديات النظم السياسية المطبقة في العالم فيما يتعلق بكيف يمكن إجراء الانتخابات البرلمانية.
    لكل ذلك تذكرت الدرس القديم لأستاذي الجليل عبد الحميد متولي الذي ألقاه علينا في مدرجات كلية حقوق الإسكندرية حول أمراض الديموقراطية!


    باحث مصري
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X