إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عن “القسمة” والتقسيم وشجون عراقية أخرى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عن “القسمة” والتقسيم وشجون عراقية أخرى

    عبداللطيف السعدون - العربي الجديد


    ثمة مقولة سمعتها من سفير سابق لدولة خليجية، مفادها أن بلداننا محكومة بقسمة عاثرة، من خلال وجود نفط العالم فيها، وهو ما جعل الغرباء يتقاتلون علينا، ويتوافقون على نهبنا واذلالنا!

    تذكرت هذه المقولة وأنا أتابع الأخبار المتواترة عن قرار الكونغرس الذي رفع حمى “القسمة” والتقسيم لبلادنا، بعد أن اخترعوا مفهوما جديدا من أجلنا أسموه “توازن القوى”، جرى طبخه على نار هادئة، وخلف أبواب موصدة، بمشاركة لاعبين اقليميين وعراقيين معروفين، وقد أظهر هؤلاء اللاعبون نوعا من التجاهل لما يجري حتى ساعة اعلان الكونغرس لقراره، وهنا اختلفت ردود الفعل، بعضهم رحب،وان على استحياء، وبعضهم استهجن وشجب، وبعضهم صمت، وبدا كما لو أن الكل اكتشفوا للتو أن أميركا تريد تقسيم بلادهم، وأنها لم تكن تسعى لذلك من قبل!

    أرجع الى ما قبل عشرين عاما، الى منتصف عام 1996, بعيد انسحاب فرنسا من منطقة الحظر الجوي التي فرضتها على العراق، بالتواطؤ الشرير مع أميركا وبريطانيا، في حينها التقيت صحفيا فرنسيا على صلة بدوائر القرار في بلده، قال لي ان فرنسا انسحبت من منطقة الحظر لأنها اكتشفت أن هناك أهدافا أخرى للحظر، أكبر واخطر من هدف “حمابة الشيعة والأكراد”، أو غيره من الأهداف “الانسانية” التي تذرعت بها الدول الثلاث لاستصدار القرار، ولما استوضحته أكثر قال لي “انكم مقبلون على مؤامرة كبيرة هدفها تقسيم بلادكم الى دويلات لقناعة الأميركيين أن وجود عراق موحد وقوي يشكل خطرا على مصالحهم”!

    وشرح لي كيف أن الحظر المفروض سوف ينعكس على الأرض أيضا، ولسوف يشرع حدودا “وهمية” لثلاث دويلات، ولاحقا سوف تكون هناك امكانية لتقسيم فعلي، يتيح لكل من الشيعة والسنة والأكراد التصرف بشيء من الاستقلالية والتفرد، وبعيدا عن سلطة الدولة الأم!

    لم أكن مقتنعا بنظرية المؤامرة، ولكنني قررت أن أوصل الى صانع القرار العراقي، بطريقة أو بأخرى، حكاية الصحفي الفرنسي المطلع، وكان في ذهني أن بامكان العراق ان يجهض ما كان مدبرا ضده، بخطوة شجاعة واحدة، هي الاعتراف بخطيئة “غزو الكويت”، والاعتذار عنها، تلك “الخطيئة” الاستراتيجية التي قصمت ظهر العراق، وكسرت سيفه، ودفعت بخصومه للتفكير في وضعه عمليا على طريق التقسيم، لعل تلك الخطوة تساهم في عودته الى الحضن العربي، بما يشكل واحدة من ضمانات يمكن أن تقيه من مخاطر متوقعة، لكن ظهر لي فيما بعد أن ملاحظتي لم تؤخذ بنظر الاعتبار، وربما اعتبرها صانع القرار نوعا من الهراء، أو أنها، في أحسن الفروض، لم تتجاوز طاولة المسؤول الذي وضعتها أمامه، ولعله خشي من رفعها الى الجهات العليا كي لا يناله غضبها!

    لاحقا سوف يشرع الأميركيون “قانون تحرير العراق” بعد أن رسموا خطوطه العريضة بمعاونة عراقيين عاقين لتربة بلادهم، وسيصير ذلك القانون انجيلا لغزو العراق واحتلاله، والشروع بتقسيمه الى دويلات، وعلى النحو الذي تم بعد أبريل/ نيسان 2003 ، وسوف يكتب بيتر غالبريث عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس والدبلوماسي الأبرز الذي ساهم في هندسة تقسيم يوغوسلافيا أنه اكتشف مبكرا الغرض من فرض الحظر الجوي على العراق في حينه، فقد “وضع الحظر العراق تحت حالة تقسيم فعلي غير منظور، حيث عمل القادة الكرد على القيام بخطوات عملية تمهد لاقامة دولة كردية مستقلة في المستقبل، كما نشأت في جنوب البلاد كيانات حزبية سرية مناوئة لسلطة بغداد، تنتظر الفرصة للانقضاض والانفصال”!

    ولاحقا أيضا سنعرف أن قرار “المحاصصة الطائفية ” لمجلس الحكم بعد الاحتلال لم يكن من بنات أفكار بول بريمر، كما يحلوللبعض نسبته اليه، اذ هو في حقيقة الأمر خطوة مقررة سلفا في واشنطن، وحصيلة رؤية شريرة لبوش، تقف وراءها شخصيات عراقية يصفها غالبريث بأنها “فاسدة وانتهازية مثل أحمد الجلبي وأياد علاوي”، يضيف ان نهاية العراق بعد الغزو أصبحت معروفة اذ “شرع زعماء الأكراد والشيعة والسنة، بحشد قواهم، وبالعمل على بلورة أوضاعهم باتجاه التقسيمالفعلي واقامة دويلاتهم المستقلة”!

    يقر غالبريث بأن أميركا “دمرت فرصة اعادة بناء بلد موحد، لا وجود لنزاعات عرقية أو طائفية فيه” الا أنه يزعم أن التقسيم أصبح الحل السياسي والعملي لعراق اليوم.
    ترى .. هل بات العراقيون من دون طموح وطني يعيدهم الى وحدتهم، وييبعد عنهم شر التقسيم؟
    اظن أن الأمر لم ينته بعد، اذ مع ارتفاع حمى “القسمة” والتقسيم يتوجب على العراقيين العاديين، وليس على رجال السلطة والميليشيات المرتهنينلواشنطن أو لطهران، أن يقرروا فيما اذا كانوا يريدون لجمهوريتهم أن تظل “أمنع من عقاب الجو” كما وصفها مرة الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم، أو أن تتحول الى “جمهورية موز″ قابلة للتشظي والانقسام في أي وقت!
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X