محمد صالح المسفر - العربي الجديد


يتوافد قادة دول مجلس التعاون الخليجي، الأسبوع الجاري، على واشنطن، وسوف يحلون ضيوفا على الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد. ويشتهر هذا المنتجع بالنسبة للعرب باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل (17/ 9/ 1978)، ومحادثات ياسر عرفات مع الإسرائيليين في عهد بيل كلينتون عام 2000. ليس هذا المكان حسن السمعة عند العرب، فهو الذي أخرج مصر من البيت العربي، وهو الذي جرجر الفلسطينيين من فشل إلى فشل، ولم يحقق لهم ولو جزءا مما أرادوا.

يجتمع اليوم قادة دول مجلس التعاون في كامب ديفيد مع أوباما، للتحاور معه عن هموم الشرق الأوسط (حرب في العراق، وأخرى في سورية، وثالثة في ليبيا، والرابعة في اليمن) والحبل على الجرار. تقول كل المصادر الإعلامية إن سبب دعوة الرئيس الأميركي قادة دول الخليج إلى الاجتماع معهم، هو أن يضعهم في صورة الاتفاق الأميركي الإيراني حول المشروع النووي، وأن تخوفاتهم مشروعة من ذلك المشروع الإيراني، لكنه سيؤكد للقادة العرب المجتمعين معه أن أمنهم وسلامة أراضيهم وسيادتهم تعتبر مسؤولية أميركية، لما يربط هذه الدول بمصالح مشتركة مع الولايات المتحدة.

(2)

سيجتمع الرئيس أوباما مع قادة دول مجلس التعاون، وبين يديه ملف فيه كامل المعلومات عن كل دولة خليجية. وأزعم أن لديه معلومات عن خلافاتهم، وأن تسريبات قد وصلت إلى الإدارة الأميركية عن خلافات بينية في وجهات النظر بين القادة بشأن ما يجري على الساحة العربية، وما يتعلق بإيران وما تفعل في المنطقة. كل هذه المعلومات، إن صدق حدسي، ستكون مؤثرة على نتائج الاجتماع بالرئيس الأميركي ليس لصالح العرب. وهنا مطلوب من القادة الخليجيين البوح بما في نفوسهم عن بعضهم، قبل اللقاء مع الرئيس أوباما، والاتفاق على وحدة الكلمة والموقف، لأن هذا الاجتماع مصيري، وإن سرب عن أحدهم قولاً إلى الإدارة الأميركية، فعليهم أن يتصارحوا ويدحضوا تلك التسريبات.

(3)

أخشى أن يضيع الوقت في الحديث عن الاتفاق الأميركي الإيراني، ومحاولة إقناع الرئيس بحجة أهل الخليج بأن الاتفاق لا يبشر بالخير في مستقبل الأيام على المنطقة، وأنهم يطالبون بعدم السير في هذا الاتفاق، تجاوباً مع رغبات بعض رجال الكونغرس الأميركي، الأمر الذي لن يريح الرئيس أوباما ومساعديه. الحديث عن إيران يجب أن يكون في إطار أنها دولة تمارس العدوان بكل أشكاله، وأنها مزعزِعة للسلم والأمن في الشرق الأوسط، وأنها تسعى إلى بناء إمبراطورية، عفا عليها الزمن، مستشهدين بأقوال القادة في هرم السلطة السياسية الإيرانية، وقولهم، أيضاً، إن إيران تحتل أربع عواصم عربية، وإنها في طريقها إلى العاصمة الخامسة. يعني ذلك أن إيران تقود المنطقة إلى حرب لا تحمد عقباها. هذا لا يعني الاستجداء لحماية دول الخليج من الهيمنة الإيرانية، وإنما القول إن مصالح الولايات المتحدة، والدول الصناعية عامة، ستتعرض للخطر الذي لا حدود له.

قد يقول الأميركان إن إيران وحدة واحدة، وإنها قادرة على حماية مصالح الدول الصناعية، وأنتم العرب متفرقون متنازعون. وبودنا تذكيرهم بأن العرب كانوا متنازعين ومتفرقين، لكنهم وقفوا مع الرغبة الأميركية في كل حروبها، من العراق إلى أفغانستان إلى سورية. أخشى أن تنشغلوا بالحديث مع الرئيس أوباما عن الدولة الإسلامية (داعش) ومخاطرها، وهذا ليس مكان إثارة هذا الموضوع. استخدموا "داعش" أداة ضغط لصالحكم، عندما يشتد الضغط عليكم لصالح إيران، إن ذلك أقوى سلاح في أيديكم.

(4)

تقول مراكز بحث في أميركا بأهمية المكانة الاستراتيجية لإيران وثقلها الإقليمي، وإن مستقبل الاستثمارات الغربية كبير، وإن أميركا تعمل جاهدة لتعوق طريق إيران للانضمام إلى مجموعة البريكس ومنظمة شانغهاي، لكي تستأثر بمجال الاستثمارات في إيران.

نريد القول إن موقع الوطن العربي يمثل مكانة استراتيجية عالمية، لا يضاهيها مكان آخر في هذا الجزء من العالم، العرب يسيطرون على كل الممرات المائية في الشرق الأوسط (مضيق هرمز، باب المندب، جبل طارق، قناة السويس)، ويمتاز الوطن العربي بسعة سوق أكثر من 350 مليون إنسان، ومعادن استراتيجية (نفط، غاز، يورانيوم، حديد، فوسفات، ذهب، نحاس)، وشواطئ بحرية واسعة. فأي مكانة اقتصادية وأهمية تضاهي مكانة العالم العربي. والحق أن العالم سينظر إلينا بعد عاصفة الحزم/ العزم بنظرة مختلفة إن أنجزنا المهمة كما يجب في اليمن.

(5)

الولايات المتحدة الأميركية في حاجتنا استراتيجياً واقتصادياً، وليس لها بديل عنا، نحن العرب، في المستقبلين، القريب والبعيد، للمكانة الاستراتيجية التي نتمتع بها، والموارد الطبيعية والمكانة الروحية التي نستطيع بواسطتها تأليب العالم الإسلامي ضد كل من يعادينا. ليس مطلوباً من قادتنا في منتجع كامب ديفيد سوى توحيد الكلمة والموقف، وتحديد الأهداف. لا نريد طلب حماية من أحد لسيادتنا واستقلالنا الوطني، إننا أمة قادرة على صنع التاريخ، إن أحسنا التصرف، وجندنا قوانا لصالح الأمة.

نريد لقادتنا الحاضرين في "كامب ديفيد" الظهور بمظهر الأقوياء، لا بمظهر الاستجداء والخوف من أحد، نريد من قادتنا التأكيد على أن مصالح العالم الصناعي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، بين أيدينا، وأننا قادرون على حمايتها، إن أحسن العالم الصناعي التعامل معنا على أساس الندية، وليس التهديد أو التخويف.

قد يفرض اجتماع "كامب ديفيد" عليكم القبول بوقف إطلاق النار في اليمن، لأهداف إنسانية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها. وهنا، لا بد من التأكيد أنه، في حال قبول وقف الأعمال العسكرية للهدف نفسه، فإن جميع الأعمال الإنسانية تتم عن طريق الهلال الأحمر ومنظمة الصليب الأحمر الدولي، على أن تكون جهتها مطار وميناء عدن تحت إشراف الحكومة الشرعية، حكومة بحاح وهادي، وبإشراف قوات التحالف العربي وحمايتها، مع الاحتفاظ بحق الحظر الجوي والبحري في اليمن لقوى التحالف العربي.

آخر القول: لا تهنوا ولا تتهاونوا وثقوا بأنكم الأعلون، على الرغم من كل المحن.