ماجد كيالي - النهار اللبنانية

ظلت قراءة النكبـــة الفلسطينية، أو التـــأريـــخ لها، قـــاصــرة، ومختزلة، وتنطوي على كثير من الحجب والتلاعب والتوظيف، وأساساً

لا يوجد حتى الآن رواية
تسجيليــــــة للنكبــــة، وللمعطيات التي كمنت وراء احداثها، وصنعت مآلاتها.
مثلا، منذ البداية جرى اعتبار النكبة، او اختزالها، باعتبارها نتاج فعل استعماري - صهيوني، وهذا صحيح، لكنه لا يسرد القصة كلها، او لا يفسر حقيقة ما حصل، لا سيما انه لم يحصل فجأة، وإنما جاء في إطار سلسلة من الأحداث والتطورات، المتعلقة بقيام الحركة الصهيونية، وتوجيه الهجرة اليهودية الى فلسطين، واقامة نويات الكيانات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية لإسرائيل، قبل إعلان قيامها بنصف قرن.

فوق ذلك فقد حملت هذه الرواية عن النكبة أساطير عديدة، ضمنها ان سبعة جيوش عربية جاءت الى فلسطين لمنع إقامة إسرائيل، علما ان الدول العربية، الحاصلة على استقلالها للتو، لم تكن تملك جيوشا بمعنى الكلمة في حينه، وأن "الجيوش" التي أتت إلى فلسطين لم يصل عديدها نصف ما استطاعت الحركة الصهيونية ان تحشده في إطار قواتها، علما ان مجموع اليهود في المجتمع الاستيطاني لم يتجاوز الـ 640 ألفاً آنذاك.

أيضا، إن الحديث عن النكبة يطرح السؤال عن استمرارها عاما بعد عام، إذ أن الواقع العربي ليس فقط لم يستطع شيئا للفلسطينيين، بل أنه بالذات سبب إعادة انتاج النكبة. ومع كل الاحترام للحديث عن مركزية قضية فلسطين، وحب فلسطين، فإن هذا لم يترجم بطريقة عملية تسهل على الفلسطينيين، الذين ظلوا موضع كل انواع التمييز و"المرمطة" والابتزاز والاستخدام في العالم العربي.

وإضافة إلى كل ما تقدم، فإن النظام العربي هو المسؤول عن منع الفلسطينيين من اقامة دولة لهم، بإجهاض "حكومة عموم فلسطين"، وبضمه أراضيهم التي لم تقع تحت السيطرة الإسرائيلية (الضفة والقطاع). وهذا النظام هو الذي حوَّل الفلسطيني الى مجرد لاجئ، لا حقوق له، ولا حول ولا قوة، بدعوى الحفاظ على القضية. هكذا لا يمكن الحديث عن النكبة من دون مراجعة نقدية للتاريخ، لأن التاريخ المكتوب حكى قصة معينة، تتركز على قيام إسرائيل، وحجب القصص المتعلقة بمسؤولية الأنظمة عن النكبة، وضمنه تسهيل هجرة يهود البلدان العربية إلى فلسطين/إسرائيل (بعد قيامها) إلى درجة ان هذه الدولة تضاعف عدد سكانها في غضون ثلاثة أعوام، وكان 80 في المئة من اليهود المهاجرين من البلدان العربية.

هكذا للنكبة وجهان، الأول يتعلق بقيام إسرائيل، على حساب الفلسطينيين والذي نجم عنه تشريدهم من ارضهم وحرمانهم الوطن والهوية، وهو ما تركز عليه الروايات الرسمية او التاريخ الرسمي. والثاني يتعلق بالأنظمة التي سهَّلت قيام اسرائيل، ومكّنتها على حساب الفلسطينيين، وهو ما جرى حجبه او طمسه.