إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حرب الكتب والرهانات الترامبية

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حرب الكتب والرهانات الترامبية

    محمد حسين أبو العلا - الحياة



    لم يبرع أحد في رسم كاريكاتير سياسي لنفسه بأكثر مما كان لترامب الذي أشعل فتيل حرب الكتب تلك التي سجلت انتقادات حادة لاذعة تنال من صدقيته واتزانه إزاء سياساته ذات التوجه الصدامي واستراتيجيته وسلوكياته وأفكاره المهددة للأمن القومي الأميركي والتي ربما تودي به كرئيس للولايات المتحدة في لحظة عاصفة من تاريخ العالم. ولعل طوفان هذه الكتب قد تمثلت وطأته على الرأي العام الأميركي والعالمي في ما خطّه بوب وودوارد في كتابه «الخوف»، ومايكل وولف في كتابه «نار وغضب»، أو ماروسا نيومان في «المعتوه»، وأندرو مكابي في «التهديد».


    لكن هذا الطوفان في جملته نراه قد قدَّم وقائع تشير إلى دلالات فشل ذريع تمثّل في بروز العشوائية والفوضوية واحتضان أساليب الرعونة والطيش وافتقاد الخلفية الثقافية والسياسية والدبلوماسية وممارسة العنف السياسي على الكيانات الدولية واغفال الأبجدية الاستراتيجية والاطاحة بالقيم الأميركية والسعادة الغامرة بضرورة معاداة العالم إعلاء لطابع العنصرية والنرجسية الأميركية. ذلك إضافة إلى كبيرة الكبائر بالتفريط اللاإرادي في سيادة العالم والتحيز السافر للكيان الصهيوني؛ إلى غير ذلك من الموبقات الاستراتيجية. لكن تُرى كيف تتفق توجهات أكثر من عشرين كاتباً نحو تفكيك الظاهرة الترامبية للكشف عن أهوال الفراغ داخلها؟ وهل كانت الغرائبيات السياسية التي تثيرها تلك الظاهرة ممثلة لبؤرة هذا الاتفاق؟

    وهل يمكن تكذيب ذلك الطوفان الكتابي الموثق لتفصيلات وعموميات عجزت إدارة البيت الأبيض ذاته عن تقديم حقائق مناقضة تدفع بالظاهرة الترامبية نحو اتجاه عكسي تصاعدي مؤيد بالرأي العام الأميركي؟ وهل استطاعت الإدارة الترامبية أن تسكت العالم عن الضحك على أميركا بسبب حدودها المستباحة أمام المهاجرين غير الشرعيين أو تلك الاتفاقات الجائرة التي توقعها أو توقف نزيف حروبها الخاسرة على جبهات عدة؟ ألم تكن مفارقة جبارة أن تكون هذه هي كلمات ترامب أثناء حملته الانتخابية قبل عامين حين يندد بسخرية من وضعية أميركا والآن نراه في خطابه المزري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يتفوه بكلمات غير ذات مدلول بما يثير موجات عارمة من الضحك والسخرية والتهكم والنكات لدى أكثر من مئة وعشرين رئيس دولة، ذلك حين يعلن فى ثقة مطلقة أن ما أنجزته إدارته في أقل من عامين يكاد يفوق إنجازات أي إدارة سابقة في التاريخ الأميركي على إطلاقه؟

    وعلى ذلك ما هي التغيرات التي طرأت على المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية الأميركية حتى يستحوذ هذا الشعور على الذات الترامبية؟ وما هو التقييم الموضوعي لتلك التغيرات إيجاباً وسلباً؟ وما هو سر التضخم الذاتي بينما أطياف الفشل تحدق من كل حدب وصوب بالحاضر الأميركي؟ وماذا ستكون صورة أميركا في المستقبل القريب إذا ظلت الظاهرة الترامبية مخيمة عليها؟ وما هو المدى المستقبلي المستغرق في معالجة وتصحيح أخطاء وخطايا الترامبية العابرة؟

    البارانويا الأميركية المتوارثة هي التي حثت ترامب على أن يجاهر بما يخالف قواميس السياسة وطابعها العام وأعراف الأنظمة الحاكمة وكافة التكنيكات الاستراتيجية، فنراه وكأنما يقدم سيمفونية مقيتة تنسف كل قيم الحوار والتواصل والتعايش وقبول الآخر بل كل القيم الحضارية التي أثقلت بها أميركا العقل الكوني المعاصر، ذلك بما أكده حول مبدأ الانقياد والتبعية أو العبودية السياسية إذ جعل تقديم الدعم الاقتصادي رهناً وشرطاً للولاء لأميركا. وماذا يعني ذلك الولاء سوى مهادنة السياسة الأميركية وتأييدها والانصياع لها في ما يتخذ من قرارات ضد كافة المنظمات الدولية أو الأنظمة الحاكمة أو الشعوب الرائدة والمهيضة. بل إن الأمر بلغ حد ضرورة المشاركة في تدشين حملة كراهية على محكمة العدل الدولية وتحذيرها من إجراء أية تحقيقات ترتبط بجرائم الحرب الإسرائيلية وتهديدها بتطبيق عقوبات صارمة أولها مصادرة أموالها ومنع قضاتها من الاقتراب من السواحل الأميركية فضلاً عن دخولها!

    وعلى ذلك، فإن أميركا لم تدخل تاريخاً جديداً فى ظل الترامبية التي مثلت هزيمة من الداخل وأطاحت بسمعتها خارجياً وشتت مستقبلها القريب لتقوده نحو منحدر جديد يمكن خصومه ويدفعهم نحو مسار القيادة الكونية وتلك إحدى جرائر التراجع الاستراتيجى المنتظر؛ بعدما صدَّر ترامب للعالم وأميركا قبله ما يزيد على نحو خمسة آلاف كذبة!

    * كاتب مصري
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X