إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بريطانيا.. كابوس «بريكست»

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بريطانيا.. كابوس «بريكست»

    جوناثان فريدلاند* - الخليج الاماراتية


    رحيل تيريزا ماي وصعود حزب الخروج من الاتحاد الأوروبي، ربّما يكونان قد أنْهَيا أي احتمال للتوصّل إلى حلّ وسط مع الاتحاد الأوروبي، ما يضع بريطانيا أمام مأزق سياسي حاد لن تخرج منه باختيار زعيم جديد لحزب المحافظين وتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة تيريزا ماي.

    الوضع الآن إمّا كلُّ شيء، أو لا شيء. لقد ذهبت تيريزا ماي، آخذةً معها على الأغلب احتمال التوصل إلى خروج من الاتحاد الأوروبي عن طريق التفاوض. وهذا يعني أن الخيار الذي سيواجه البلاد عمّا قريب أشدُّ صرامةً من السابق: إمّا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، أو عدم الخروج على الإطلاق.

    في خطاب استقالتها أمام مقرّ الحكومة في «داوننج ستريت»، عرَضت ماي حجة تدافع بها عن التسوية بين الموقفيْن، أفضل من كل حججها السابقة. قالت: «إن الحياة تعتمد على التسوية والتنازل». ولكن هذا الشعار جاء أجوَف حين صَدَر عنها، نظراً إلى أن أسلوبها الشخصيّ النّزق، غير القادر على تليين المواقف، وعدم حذقها في استخدام التكتيكات السياسية، جَعَلا منها نموذجاً لعدم المرونة.

    إلاّ أن كل ذلك أخفى حقيقة أنّ استراتيجية ماي النهائية للخروج من الاتحاد الأوروبي، كانت السعي إلى تسوية بين الخروج دون اتفاق، وعدم الخروج، في صيغة اتفاقية انسحاب. ولم يتمّ الوصول إلى تلك الاستراتيجية إلاّ بعد أن أضْفَتْ ماي - بما لذلك من عواقب مصيريّة- الشرعية على أن «عدم التوصل إلى اتفاق، أفضلُ من اتفاق سيّئ».

    والنتيجة هي أن أولئك الذين يخشون الفوضى التي قد تنطلق بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، قد يشعرون بحنين غير متوقع لماي وجهودها المشؤومة رغم عنادها. وبالنظر إلى ما وَمَنْ يُحتمل أن يأتي لاحقاً، قد نتطلع إلى الوراء باشتياق إلى رئيسة وزراء سعَت على الأقل إلى تسهيل رحيلنا عن كتلةِ أقرب شركائنا التجاريين وجيراننا. فتخَيُّل بوريس جونسون رئيساً للوزراء، قد يؤدّي بنا إلى أن نشتاق إليها بعد أن رحلت.

    والاحتمال الآن هو أن فشل ماي الذريع في تمرير اتفاقها للانسحاب، قد أضعف الثقة بفكرة الاتفاقية في حدّ ذاتها. ومن المحتمل أن يتعزز ذلك التأثير، عند احتساب نتائج الانتخابات الأوروبية. وحتى لو لم يحقق حزب بريكست بزعامة نايجل فاراج توقعاته العالية، فإن تفوّق فاراج المتوقع على المحافظين بين المصوِّتين لصالح الخروج أقنع كثيراً من النواب المحافظين، أو أفزعهم ودفعهم إلى الاعتقاد بأن الخروج الوحيد الذي سينجح انتخابياً هو من نوع الخروج الذي ينادي به فاراج. ومن هنا جاء الاندفاع الجماعي باتجاه جونسون، على أمل أن يتمكن من مواكبة فاراج في تزعُّم خروج من الاتحاد الأوروبي، شعبوي ذي علامة تجارية نقية.

    وهذا لا يعني أن جونسون، أو أي زعيم آخر، قد لا يحاول النجاح حيث أخفقت ماي، بمحاولة التفاوض على اتفاق جديد مع بروكسل، يمكن أن يحصل بطريقة أو بأخرى، على أغلبية في مجلس العموم. ولكن هذا المسعى يعني ضِمْناً أن اتفاقاً أفضل كان ولا يزال موجوداً للحصول عليه من الاتحاد الأوروبي، فقط لو كانت ماي لاعبة ماهرة. ولكنّ مَن يعرفون الاتحاد الأوروبي جيداً، يؤكدون أن ذلك وهْمٌ وخيال، وأن الاتحاد الأوروبي ليس فقط لن يعيد فتح المعاهدة التي اتفق عليها مع المملكة المتحدة المغادِرة- وهو موقف كرّره متحدث باسم الاتحاد في 5/24 - بل هو لا يستطيع إعادة فتحها. وسوف يُصرّ على أن الاتفاق يمثل الاتفاق الممكن الوحيد المنسجم مع الخطوط الحمر التي رسمتها ماي منذ البداية.

    وينطبق هذا بالتأكيد على جونسون بوجه خاص. «فهو آخر شخص يمكن أن يحصل على أي شيء من بروكسل»، كما قال لي أحد الوزراء، متأمِّلاً سُمعة وزير الخارجية السابق في العواصم الأوروبية. هنالك إجماع نادر بين قادة القارة على هذه النقطة: إنهم يعتبرون جونسون دجّالاً ممقوتاً، وبائعاً متجوّلاً للأساطير عن الاتحاد الأوروبي، ذا سِجِلٍّ من الكذب المتكرر يعود إلى أيام عمله في تسعينات القرن الماضي مراسلاً لصحيفة التلغراف. وحتى لو استطاعوا التنازل، على سبيل المثال، في مسألة حدود إيرلندا الشمالية، فإن الاتحاد27 سيمانع بشدّة في فعل ذلك، مُدركاً أنه سيحوّل جونسون إلى بطل.

    ولذا فإن السؤال هو: كيف يستجيب خليفة ماي للحقيقة العنيدة التي مفادُها أنه لا توجد صفقة أفضل، وأنه لا توجد «ترتيبات بديلة»؟ ويأمل بعض دعاة البقاء من أعضاء حزب المحافظين، في انبجاسٍ للنزاهة والصّدق، حيث يُخبر رئيس الوزراء الجديد حزبه بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي، على النحو الذي يحلمون به، لا يمكن أن يتحقق... وأن الحلم قد انتهى.

    ويمكن أن يأخذ ذلك شكل إعادة طرح اتفاق ماي الذي رُفض ثلاث مرات. ولكن، بالنظر إلى حسابات مجلس العموم واستحالة صياغة خروج مقبول حتى لدى جميع مؤيدي الخروج، من الصعب أن يبدو ذلك واعداً. وبوسع المرء أن يرى لماذا قد ينجذب خليفة ماي بدلاً من ذلك، نحو خيار الخروج دون اتفاق.

    إنّ ميدان المعركة آخذٌ في التحوّل، نحو صدام ثنائي أشدَّ صرامةً بين الخروج دون اتفاق، والبقاء. وهذا يعني أن المؤيدين لأوروبا، لديهم مهمة صعبة. أولاً، سيحتاجون إلى المجادلة بأن هذه التغيّرات الأخيرة في المشهد، لا تمثّل بأي شكل من الأشكال تفويضاً بالخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق. قد يتفوق فاراج في تصويت الانتخابات الأوروبية. ولكن الفوز بثلث الأصوات، في مشاركة، لنقُلْ، بنسبة الثلث، ليس تفويضاً وطنياً... وقد يفوز أحد أنصار الخروج دون اتفاق في سباق المحافظين؛ ولا يعني ذلك أنه سيكون لديه تفويض بتحطيم هذا البلد في كارثة اقتصادية ودبلوماسية.

    يجب على معارضي السيناريو الكابوس أن لا يستسلموا للانهزامية. وسيظل أنصار البقاء من المحافظين يملكون سلاحاً قويّاً: بإمكانهم التهديد بالانضمام إلى أحزاب المعارضة في دعم تصويت بحجب الثقة وإسقاط الحكومة، إذا كان ذلك ما يتطلبه وقف كارثة تنجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

    هذه هي الحجة التي يجب التشديد عليها: أنه لا يوجد تفويض بالخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهو سيناريو لم يحظ بالتأييد، ناهيك عن الموافقة، في استفتاء 2016. وإذا رغب رئيس وزراء جديد من المحافظين في الخروج بتلك الطريقة، فسيحتاج إلى موافقة عامة جديدة. ويمكن أن يكون ذلك تصويتاً عامّاً جديداً أو انتخابات عامة. وهذا ما يجعل الدعاة إلى استفتاء ثانٍ يعتقدون أن جميع الطرق تؤدّي إليهم: فحتى دعاة الخروج، كما يقولون، سوف يخلُصون في نهاية المطاف إلى أن التصويت العام هو السبيل الوحيد لكسر الجمود.

    ربما تكون هذه هي النهاية، استفتاء يَطرح خياريْن أخيريْن: لا اتفاق، أو لا خروج لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع عدم وجود اتفاق انسحاب للموافقة عليه أو رفضه، لن يكون هنالك سؤال آخر يُسْأل. وينبغي لكل من دعاة البقاء والمتشددين من دعاة الخروج، أن يشعروا بالضيق تجاه ذلك الاحتمال. بالتعنّت والإصرار على رفض اتفاق ماي، ربما يكونون قد ودّعوا احتمال الخروج على مراحل. وستكون النتيجة أننا إمّا أن نبقى في الاتحاد الأوروبي أو نخسر تماماً. لقد رحلت ماي، وفجأة أصبحت الرهانات أعلى بكثير.

    * كاتب عمود في صحيفة الجارديان.- الموقع: صحيفة الجارديان


يعمل...
X