إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مَن يحرق غابات الأمازون في البرازيل؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مَن يحرق غابات الأمازون في البرازيل؟

    سليم نصار - النهار اللبنانية

    في قمة مجموعة السبع g-7 التي عُقدت في مدينة بياريتز الفرنسية، حرص الرئيس ايمانويل ماكرون على توجيه تهديد غير مباشر للرئيس البرازيلي جايير بولسونارو بسبب فشله في إخماد حرائق غابات الأمازون. وباشر ماكرون انتقاداته للرئيس البرازيلي مقترحاً على المشاركين ضرورة وقف المساعدة العاجلة المقدرة بعشرين مليون دولار كمساهمة أولية. وعلق الرئيس بولسونارو على تهديد الرئيس الفرنسي بتعييره أنه تزوج إمرأة تكبره بعدة سنوات، موحياً بكلامه أن ماكرون ليس أكثر من طفل صغير لم يبلغ سن الرشد بعد. وختم تصريحه بتأنيب الرئيس الفرنسي الذي يعامل البرازيليين كشعب مستعمر.


    وعندما أعلن "المعهد الوطني لأبحاث الفضاء" أن عدد الحرائق المستعرة قد تعدى الـ 2,500 حريق، كان لا بد من تدخل أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش معرباً عن قلقه الشديد من النتائج السلبية التي تحدثها حرائق أكبر غابات العالم. ووصف هذه الغابات بأنها تشكل المصدر الرئيسي للأوكسيجين والتنوع البيئي.

    والثابت أن تجاهل هذه الحرائق من قبل الحكومة، أو الفشل في احتواء تمددها، عززتا الأسباب التي شجعت الدول الغنية على تجميد مساعدتها للبرازيل. وكانت النروج أول دولة تجمد مساعدتها البالغة 33 مليون دولار. ثم تبعتها ألمانيا، الأمر الذي قابله رئيس البرازيل بالسخرية والتصريحات المهينة.

    المواقف المتناقضة التي وقفها الرئيس بولسونارو حيال هذه الأزمة حرضت رؤساء تسع ولايات على إتخاذ مقررات مستقلة عن رقابة العاصمة المركزية في برازيليا. والمعروف أن البرازيل تتألف من 29 ولاية. ولكن الولايات التسع المتمردة هي الواقعة في فضاء منطقة الأمازون.

    يوم الاثنين الأسبق، فوجئ سكان "ساو باولو" بتساقط أمطار رمادية حجبت نور الشمس. وبحسب علماء الفيزياء، فإن سحابة دخان دفعتها الريح من الشمال والوسط - الغربي، حيث تقع منطقة الأمازون، باتجاه ساو باولو. وأشار المعهد الوطني أن سماكة التلوث بلغت درجة قصوى بعد إتساع رقعة الحرائق في أكبر غابة استوائية في العالم. وكان ذلك إثر اشتعال نحو 2,500 بؤرة جديدة في غضون 48 ساعة.

    والملفت، أن الحملة الانتخابية التي بدأها جايير بولسونارو أخذت شعاراتها من شعارات حملة مثله الأعلى دونالد ترامب. أي الامتناع عن تبني الحقائق العلمية التي تحذر من تأثير التلوث ودخان المصانع والسيارات على تكوين الأعاصير والفياضانات. لذلك وعد الناخبين في غالبية خطبه أنه سيصدر عفواً خاصاً عن قاطعي الأشجار وعمال المناجم ومربي المواشي. من هنا إدعاء بعض الصحف المعارضة أنه حصل على دعم مادي من باعة الورق وأصحاب شركات المفروشات، أي من جهتين تعتمدان على قطع الأشجار.

    ويتساءل الكثيرون عن سبب نجاح جايير بولسونارو في الوصول الى منصب رئاسة جمهورية البرازيل، علماً أن ماضيه لا يؤهله لتسلم زمام دولة يزيد عدد سكانها على 220 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها أكثر من تسعة ملايين كيلومتر مربع. وهي تشغل نصف القارة الاميركية الجنوبية!؟

    الجواب على هذا السؤال المحير يقتضي مراجعة الأزمات السياسية التي كانت تعصف بولاية الرئيس السابق ميشال تامر، وهو من أصول لبنانية.

    يقول مؤرخو تلك المرحلة إن عودة العسكر الى ثكناتهم أعادت للبرازيل نعمة الاستقرار السياسي الذي أوصل الى الحكم ماسح الأحذية السابق لولا دا سيلفا.

    وقد ركز لولا في بداية عهده على إنعاش الطبقة الفقيرة، والعمل على تخفيض نسبة الجريمة، ومنع التهميش الاجتماعي للفئات الكادحة. وربما أعانه على تحقيق هذه الأهداف الثروات الطبيعية والزراعية التي تميز البرازيل عن الدول الأخرى. فهي تحتل المرتبة السابعة عالمياً في إنتاج محاصيل الحبوب، والأولى في زراعة البن وفول الصويا والقمح والأرز والذرة وقصب السكر والكاكاو والبرتقال. وللتدليل على أهمية حوض الأمازون، يقول خبراء الطبوغراف إنه يضم أكثر من ألف رافد أهمها نغرو وزينغو. ويجري في حوضه خمس المياه العذبة في العالم. وهو يعدّ ثاني أطول أنهار العالم بعد نهر النيل. وعلى ضفاف هذا الحوض تمتد غابات الأمازون التي تضم ثلاثين في المئة من إجمالي مساحة الغابات في العالم.

    يطلق العلماء على البرازيل لقب "رئة العالم"، نظراً لمكانتها المميزة في المنظومة البيئية العالمية. لهذا السبب فوجئ سكان الكرة الأرضية بأن الرئيس بولسونارو يسمح بسدّ متنفسات الرئة التي تغذي الهواء بأوكسيجين الحياة. ويبرر أنصار الرئيس المواقف المتناقضة التي يقفها منذ وصوله الى سدة الحكم. وهم يقولون إن المساس بالبيئة البكر يؤخر النمو الاقتصادي الذي يحتاج الى التنقيب عن المعادن واستخراج الخامات من تربة غنية تُعتبر عذراء في نظر الفلاحين. أي أنها ظلت محافظة على بكارتها منذ تكوين الكرة الأرضية.

    وفي وصف عملي يشهد على بكارة الأرض في البرازيل، كتب أحد المغتربين الى شقيقه في لبنان يصف له خصوبة الأرض، ويقول: إذا صدف ونسي عمال أعمدة الكهرباء والتلفون تيبيس جذوع الأشجار، فإن الأعمدة تنبت أغصاناً بفضل خصوبة التربة وحيويتها. وضمن هذه الثروات الطبيعية عُرفت البرازيل بانتاج البن الذي يحمل إسمها. وكانت مواسم القطاف تجذب المهاجرين الوافدين الى ولاية ساو باولو حيث يعملون بإسم نظام المستعمرات الزراعية المعروفة بإسم "كولونتو". وخلافاً لغالبية المهاجرين، فإن اللبنانيين والسوريين تحاشوا العمل في مستعمرات البن، واختاروا العمل كباعة متجولين بهدف التعرف الى طبيعة البلاد وعادات سكانها. هذا مع العلم أن ثروات مالكي مزارع البن كانت تفوق ثروات العاملين في تجارة النفط من بعدهم. ويعتبر المرحوم وهبي تماري أول من نقل إنتاج البن البرازيلي الى فلسطين. ولقد ساعد توكيله على اختيار نجله عبدالله تماري وكيلاً دائماً في منطقة الشرق الأوسط. وقد قدرت البرازيل جهوده في تسويق هذه السلعة ومنحته أعلى وسام من رتبة فارس.

    خبراء النفط يصنفون البرازيل ثاني أكبر منتج للنفط في اميركا الجنوبية بعد فنزويلا. ومع الاكتشافات المتوالية لحقول الطاقة، تتقدم هذه الدولة لتحصل على كمية تكفي للاستهلاك الداخلي وللتصدير أيضاً.

    ويرى أنصار الرئيس السابق "لولا" أن إغراءات مكاسب النفط قد أوقعته في فخ فضائح الدولة، فإذا به يتعرض للمحاكمة والسجن. علماً أن محازبيه هددوا بانتخابه رئيساً... وهو في المعتقل!

    ومع أن جايير بولسونارو أحيل على التقاعد وهو في رتبة عقيد، إلا أن حنين الجيش الى السلطة استقبل نجاحه في الرئاسة مثلما استقبل الاميركيون نجاح الجنرال ايزنهاور. لذلك انكشف دوره عندما وصف نفسه بأنه "ترامب البرازيل.” وقد امتدحه الرئيس الاميركي قبل قمة بياريتز، وطلب منه عدم الاستعجال في اتخاذ قرارات صعبة التنفيذ. وكان بذلك يعني نقل مركز السفارة الى القدس الموحدة.

    مقابل هذه الصورة الملتبسة للكابتن بولسونارو، يرى المحللون أن واشنطن هي التي تبنت ترشيحه ودعمته بالمال وقوة الدعاية. كل هذا بهدف محو نفوذ الرئيس اليساري "لولا"، وعدم تكرار ظاهرة الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون!

    الخارجية اللبنانية استوضحت سفارتها وقنصلياتها عما إذا كانت حرائق الأمازون قد أثرت على وضع الجالية وعلى الأندية التي نثرتها في ريو دي جانيرو وساو باولو وبورتو إليغر وريسيفي وبرازيليا. وبعدما زار الرئيس كميل شمعون البرازيل ترافقه السيدة الأولى زلفا، أطلق رئيس بلدية الريو إسمه على الشارع المركزي في المدينة الأولى.

    يقول مؤرخو الحقبات الاغترابية إن الأخوين زكريا – من سكان بيروت – وصلا الى ريو دي جانيرو سنة 1835، وبذلك سجلا أول هجرة عربية الى البرازيل! ويُستدَل من وقائع ذلك الزمان أنه من الأرجح أن يكون الأخوان زكريا قد حلا بالخطأ في البرازيل بدلاً من اميركا. خصوصاً أن كل دول اميركا الجنوبية كانت تختصر بإسم "اميركا". ولنا في تاريخ الاغتراب عشرات الحكايات من هذا النوع.

    على كل حال، عرف تاريخ الهجرات اللبنانية ثلاث موجات ارتحال جماعي ضم أعداداً كبيرة من مسيحيي الجبل الذين هربوا عقب مجازر 1840 و1860. وقد توجه ثمانين بالمئة منهم الى المكسيك والأرجنتين والبرازيل وبعض دول اميركا الجنوبية. وعندما طلب السفير الراحل فريد حبيب من موظفي السفارة إجراء إحصاء لمغتربي البرازيل، تبيّن له أن أعدادهم (بعد ثلاثة أجيال) تجاوزت السبعة ملايين. وكان عدد نوابهم في البرلمان قد تجاوز عدد نواب الجاليات الايطالية والبرتغالية والهولندية والبريطانية والفرنسية. وبما أنهم كانوا منخرطين في كل الأحزاب المحلية، فإن خلافهم أحياناً كان يُعبّر عنه باللغة العربية، لذلك كان رئيس المجلس يتدخل لحسم الخلاف بالمطرقة، وهو يصيح: الرجاء من الأخوة النواب العرب أن يتكلموا بلغة مفهومة من الجميع!

    عاشت البرازيل فترة تاريخية في عهد الامبراطور بيدرو الثاني. وقد زار لبنان سنة 1876، وحرص على مشاهدة المواقع الأثرية، مثل بعلبك وغابة الأرز. وعلى الرغم من وعورة الطرق الترابية فإن زياراته كانت تتم على ظهر جواده الأبيض. وقبل أن يعود الى بلاده قام بزيارة مفاجئة للجامعة الاميركية التي إفتتحت أبوابها سنة 1866. وقد استغل الامبراطور تلك المناسبة ليحدث الطلاب عن البرازيل التي وصفها بأنها "قارة خالية من البشر". ثم دعاهم الى السفر للبرازيل عقب الحصول على الشهادات الجامعية.

    أول المغامرين من طلاب الجامعة كان نعمة يافث من بلدة ضهور الشوير، الذي شهد مرحلة أفول النظام الامبراطوري. والسبب أن بيدرو الثاني أصدر قراراً يقضي بإبطال تجارة الرقيق. وبما أن المنتفعين من هذه التجارة قد شاركوا ضباط الجيش في مغانمهم، لذلك قام القادة بانقلاب عسكري أطاح النظام الملكي (1889) وأعلن قيام الجمهورية البرازيلية المؤلفة من 29 ولاية...

    صحافي لبناني

يعمل...
X